سودانايل:
2025-04-04@08:36:44 GMT

دعم التدخل الدولي.. مطلب وطني!!(1-2)

تاريخ النشر: 17th, September 2024 GMT

د. عمر القراي

(وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)
صدق الله العظيم

لقد صدر تقرير البعثة الدولية المستقلة، لتقصي الحقائق بشأن السودان، التابعة لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الانسان، والأمين العام للأمم المتحدة. وعرضت فيه نتائج تحقيقاتها في انتهاكات القانون الدولي لحقوق الانسان، والقانون الإنساني الدولي، والجرائم ذات الصلة، المرتكبة في السودان، في سياق النزاع الذي اندلع في منتصف نيسان / ابريل 2023م.

ولما كان عمل البعثة سيكون أكبر اثراً، لو سمح لها بزيارة السودان، والحديث مباشرة مع ضحايا الحرب، فقد ذكرت في بداية تقريرها، أنها تواصلت لهذا الغرض، مع السلطات السودانية، أربعة مرات، وطلبت زيارة السودان، لكنها لم تتلق أي رد من الحكومة، وأكدت أنها لا تزال راغبة في ذلك. بالمقابل ذكر تقرير البعثة، أن قوات الدعم السريع، قد أرسلت الى رئيس مجلس حقوق الانسان، من خلال المفوضية السامية لحقوق الانسان، في 20 ديسمبر 2023م، وعرضت التعاون الكامل، مع بعثة تقصي الحقائق، وتابعت هذه المراسلات، في يوليو 2024م.

ذكر التقرير أن البعثة حصلت على معلومات مباشرة، من خلال مقابلات مع الضحايا، واسرهم، وشهود العيان، والعاملين على خط الاستجابة الأول، ومصادر أخرى، بما في ذلك زيارة البعثة الى تشاد، وكينيا، واوغندا، ومصر، ومقابلة 67 امرأة و115 رجلاً. وكانت البعثة، كما ذكر في تقريرها، قد أرسلت مسودة التقرير الى حكومة السودان في 23 أغسطس 2024م، على أن تعلق على بعض المغالطات الوقائعية خلال أسبوع، أي بحلول تاريخ 1 سبتمبر 2024م، ولكنها لم تتلق أي رد. بل إن اعلام الحكومة، ووزارة خارجيتها، رفضوا البعثة، وأكدوا عدم تعاونهم معها، وكأن البعثة جهة متطفلة، تتدخل في شأن السودان بلا مبرر، والحق خلاف ذلك.

فالسودان حسب ما جاء في تقرير البعثة، طرف في سبع، من المعاهدات الدولية الأساسية التسع، لحقوق الانسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو أيضاً مشارك في اتفاقية مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللا أنسانية، أو المهينة. والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري، وبروتوكولها الخاص بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة. ولم ينضم السودان الى اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). ولكنه طرف من اتفاقيات جنيف لعام 1949م، وكذلك بروتوكوليها الاضافيين لعام 1977م. كما أن قواعد القانون الدولي العرفي، واجبة التطبيق، وملزمة لجميع اطراف النزاع. والسودان طرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والمعاقبة عليها. وقد وقع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكنه لم يصادق عليه. ومع ذلك أدرجت الحالة في دارفور، ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، منذ 1 يوليو 2002م بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 (2005). أما على المستوى الإقليمي فإن السودان طرف في الميثاق الافريقي لحقوق الطفل، والميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب، والميثاق العربي لحقوق الانسان.

ذكر التقرير كل المساعي التي بذلت لإيقاف الحرب، بدأ من مجلس السلم والأمن الافريقي، التابع للاتحاد الافريقي، الذي دعا لوقف فوري لإطلاق النار في 16 أبريل 2023م، وفي 27 أبريل 2023م اعتمد خارطة طريق لتسوية النزاع في جمهورية السودان، وتضمنت الدعوة الى وقف شامل للعدائيات. ثم مساهمة منظمة "الايغاد" بتقديم خارطة طريق في 12 يونيو 2023م. ثم ذكر التقرير محادثات جدة، بين الجيش والدعم السريع، في 1 مايو 2023م، وتوقيع ميثاق جدة، الذي بموجبه التزم الطرفان بحماية المدنيين في السودان، واحترام القانون الإنساني والدولي، وقانون حقوق الانسان، والسماح باستئناف العمليات الإنسانية، وحماية العاملين والأصول في المجال الإنساني. وذكر التقرير أن الالتزامات لم تنفذ. كما أشار التقرير الى اتفاق المنامة بالبحرين، والذي كان في يناير 2024م. وهو الاتفاق الذي وقعة الفريق كباشي نيابة عن الحكومة، والفريق عبد الرحيم دقلو نيابة عن الدعم السريع، وصمتت عنه الحكومة صمت القبور. ثم ذكر التقرير اجتماع جنيف في أغسطس 2024م الذي عزى التقرير اليه فتح الحدود امام المساعدات.

جاء في التقرير ان عدد الذين قتلوا بسبب الحرب 18800 شخص، والمصابين من جرائها 33 ألف شخص. وانه حتى أغسطس 2024م نزح 10.7 مليون مواطن داخل السودان، ولجأ حوالي 2 مليون في دول الجوار.

أكد التقرير أن معظم الذين قتلوا من المدنيين، قتلوا نتيجة القصف الجوي لطيران الجيش. واعتبر ان الهجوم بالطيران الذي قام به الجيش، والقصف المدفعي الذي قام به الدعم السريع، لأهداف مدنية، دون التوجه الى هدف عسكري محدد، خرق للقانون الإنساني، والقانون الدولي.

أدان التقرير كلا الجيش والدعم السريع، بتهمة تدمير، ونهب، وسرقة، واحتلال بيوت المواطنين. وتدمير البنى التحتية، وشبكات المياه، ومحطات الكهرباء. كما ادان تدمير المساكن بواسطة الطيران. وكيف أن الجيش بذلك، مسؤول عن ترك آلاف المواطنين بلا مأوى. وأتهم التقرير الدعم السريع، بالقيام بعمليات نهب واسعة النطاق. وذكر أن هناك مدنيون لحقوا بالنهب، وقطاع طرق، ولصوص شاركوا فيه. اتهم التقرير الدعم السريع بالاعتداء على المساليت بدارفور. واعتبرها جريمة عنصرية. وذكر أن حالات اغتصاب يدفعها الحقد العنصري، حدثت من الدعم السريع لنساء المساليت. كما ذكر التقرير أن الاغتصاب الذي انتشر في معظم مناطق الحرب، يعزى الى حد كبير، الى رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع. وفي دارفور يعزى الى مسلحين متحالفين مع الدعم السريع. كما ذكر التقرير حالات اغتصاب، وعنف جنسي، وتهديد بالاغتصاب، نسبت الى الجيش، والى المخابرات العسكرية. كما ذكر التقرير البلاغات التي تلقتها البعثة، عن الاستغلال الجنسي ضد النساء والفتيات، ارتكبها الجيش، مقابل الغذاء، في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وجاء في التقرير أن كلا الجيش والدعم السريع، مارسا تجنيد الأطفال، واشراكهم في القتال. كما ذكر أن اعداد من الأطفال قتلوا، نتيجة الغارات الجوية للجيش على المدارس. وذكر مثال مدرسة ابتدائية في منطقة هدرا جنوب كردفان، تعرضت لقصف من طيران الجيش، وقتل بها 11 طفل وأصيب 46 طفل.

وأشار التقرير الى أن كل من الجيش والدعم السريع، مارسا اعتقال المواطنين الأبرياء، بصورة تعسفية، ومهينة، ودون أمر قضائي، في نقاط التفتيش، وحبسهم في أماكن مكتظة. كما أشار أن كلا الطرفين قام بالتعذيب لأسرى من الطرف الآخر.

جاء في توصيات اللجنة:

1- ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء القتال.

2- نظراً لإخفاق طرفي الصراع في حماية المدنيين، حتى الآن، توصي البعثة بنشر قوة مستقلة، ومحايدة، مكلفة بحماية المدنيين.

3- الامتثال لقرار حظر الأسلحة القائم في دارفور، عملاً بقرار مجلس الأمن رقم 1556 (2004)، والقرارات اللاحقة. ويوسع نطاق القرار، ليشمل البلد بأسره، ويجب أن يتوقف توريد الأسلحة، والذخائر، وأي دعم مالي أو لوجستي، لأطراف النزاع.

4- يجب أن يوسع مجلس الأمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ليشمل كامل أراضي السودان، والتعاون مع المحكمة، من خلال تسليم جميع الأشخاص المتهمين، بما فيهم الرئيس السابق عمر البشير.

5- تحقيق العدالة الانتقالية، من اجل معالجة قضية المساءلة بشكل كامل، وتوفير العدل للضحايا. ولا بد من حوار شامل، وإنشاء آلية قضائية دولية منفصلة، تعمل جنباً الى جنب مع المحكمة الجنائية الدولية، وتكمل كل منهما الأخرى، فضلاً عن لجنة تقصي الحقائق، ولجنة جبر الضرر.

ومع أن تقرير لجنة تقصي الحقائق خطوة في الاتجاه الدولي الصحيح، إلا أن هنالك قصور شابه في ايراد الحقائق، وفي التحليل، ومن ذلك:

1-لم يذكر من الذي بدأ الحرب. ولم يشر الى انه حاول الوصول لهذه المعلومة ولم يوفق، مع أن هذا امر في غاية الأهمية. لأن من بدأ الحرب، حريص على استمرارها، ولا يريد ايقافها، ولذلك يفشل كل محاولات السلام، ومن هنا فإن كل الانتهاكات التي تحدث تكون مسؤوليته فيها مضاعفة.

2-ذكر التقرير جميع المحادثات لإيقاف الحرب، وأنها فشلت، لكنه لم يحدد الطرف المسؤول عن هذا الفشل. ولم يذكر أن الدعم السريع كان جاداً في كل المحادثات، وحريصاً على المشاركة فيها، بينما الجيش كان مراوغاً، ومتردداً، وكاذباً، وحتى منكراً، لبعض ما وقع عليه، كما حدث بخصوص وثيقة المنامة. كما ذكر التقرير محادثات جنيف، وعزى اليها فتح المنافذ، امام الإغاثة. ولكنه لم يذكر أن الجيش رفض أن يرسل ممثليه لتلك المحادثات، بينما كان الدعم السريع، حاضراً، ومشاركاً، في جميع اجتماعاتها.

3- ذكر التقرير أن ما أوصل السودان الى هذا الوضع، هو انقلاب الجيش والدعم السريع، على الحكومة المدنية، التي كانت سائرة نحو تحقيق الديمقراطية، في 25 أكتوبر 2021م. ولكنه لم يورد أن قائد الدعم السريع، خرج الى الشعب، واعتذر عن مشاركته في الانقلاب، وادانه، ووصفه بأنه تم لإعادة رموز النظام البائد، الذي ثار عليه الشعب، للسلطة مرة أخرى، وكل ذلك قبل الحرب.

4-أدان التقرير طرفي النزاع، على تحطيم البنى التحتية، والمرافق العامة، ومحطات المياه والكهرباء. ولكنه لم يذكر أن تحطيم كبري شمبات، وخزان جبل أولياء، وكبري الحلفاية، ومصفاة الجيلي للبترول، ومصفاة المجلد، ومصنع سكر الجنيد، ومصنع سكر عسلاية، والعمارات الكبرى في الخرطوم، دمرها الطيران التابع للجيش.

5- ادان التقرير طرفي الصراع، على تعذيب الأسرى. ولكنه لم يذكر حقيقة أن الدعم السريع قد قام وبشهادة الصليب والهلال الأحمر، بإطلاق سراح حوالي 1000 من الاسرى، بينما لم يطلق الجيش اسيراً واحداً. كما انه حين ذكر أنواع التعذيب، مثل الربط، والجلد وغيرها لم يذكر أن الجيش زاد على الدعم السريع، بقطع الرؤوس، وبقر البطون، والتمثيل بالجثث.

6- أدان التقرير قصف الطيران للمدنيين، وذكر أنه قتل اعداد من الأطفال، وحمل مسؤوليته للجيش. ومع ذلك لم يطالب بحظر الطيران في السودان.

7- ذكر التقرير اعتقال المدنيين في نقاط التفتيش، واهانتهم، وضربهم، ونسب ذلك لكل من الدعم السريع والجيش. ولكنه لم يذكر الاعتقالات الطويلة، للنشطاء السياسيين، والتعذيب الذي يتلقونه في مكاتب جهاز الأمن، حتى الموت، كما حدث للشاب، الذي ثارت من أجل مقتله مدينة كسلا. وكلها جرائم مسؤول منها الجيش والحكومة، ولم يحدث مثلها فظاعة، في معتقلات يشرف عليها الدعم السريع.

رفض الجيش ورفضت حكومة بورتسودان الخاضعة للإخوان المسلمين، تقرير لجنة تقصي الحقائق، مثلما رفضت زيارتها للسودان، ورحب بها الدعم السريع.

والآن ستتجه محاولات اعلام الاخوان المسلمين، لشيطنة اللجنة، وقراراتها، وشجب التدخل الدولي، واتهام من يقبله بالخيانة والعمالة، وعدم الوطنية!! مثلما فعلوا بكل من نادى بإيقاف الحرب في بدايتها. ولكن الحقيقة التي ستبقى في الأرض، بعد أن يذهب زبدهم جفاء، وهي أن دعم التدخل الدولي في السودان، الآن، عمل وطني عظيم.

15 سبتمبر 2024م  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الجیش والدعم السریع الجنائیة الدولیة لحقوق الانسان تقصی الحقائق الدعم السریع فی السودان ذکر أن

إقرأ أيضاً:

رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

سيناريوهات الحرب في السودان ربما تذهب إلى الأسوأ بعد أنّ نجحت القوات المسلحة السودانية في تحرير العاصمة الخرطوم، وما تبعها من السيطرة الكاملة على القصر الجمهوري، في 21 مارس من العام 2025.

صحيح سيطرة القوات المسلحة السودانية مازالت رمزية، بعد أنّ نجح الجيش في السيطرة على بعض المؤسسات الحيوية داخل العاصمة، منها مبنى المخابرات العامة وبعض الوزارات، إلا أنّ السيطرة على القصر الجمهوري حمل دلالة رمزية فهو مركز الحكم، ويُعبر عن رمز القوة والسيطرة والحكم في آن واحد.

صحيح هناك طرف ربما حسم جزءً من الصراع لصالحه بهذه السيطرة، إلا أنها سوف تظل رمزية في ظل الصراع الدائر بين الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، ومحمد حمدان دقلو والمعروف بـ "حميدتي"، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع، لكن هذا لا يُعني الاستقرار السياسي في السودان ولا يُعني بالتبعية حسمًا عسكريًا كاملُا للجيش!

المتأمل للخلاف ما بين الخصمين الكبيرين في السودان يُدرك صعوبة التقارب بينهما، ولهذا فشلت كل مراحل التقارب السعودي بينهما؛ خاصة وأنّ الخلاف حول خطط المرحلة الانتقالية نحو حكم مدني، أو ما يُعرف بالاتفاق الإطاري، خاصة وأنّ الجيش أزاح حكومة عبد الله حمدوك من السلطة في أكتوبر من العام 2021، وهو ما ترفضه قوات الدعم السريع أو على الأقل ما أعلنت عن رفضة علنًا.

قوات الدعم السريع أعلنت عن رفضها إزاحة حمدوك من السلطة رغم أنها كانت مشاركة في القرار أو على الأقل كانت راضية عنه، وهي تتحمل جزءًا منه.

أما نقطة الخلاف الأبرز بين قوات الجيش والدعم السريع فهي على البرنامج الزمني المقرر لدمج قوات الدعم في صفوف الجيش النظامي؛ فالجيش يضع عامين كإطار زمني، بينما يضع الدعم السريع 10 سنوات كإطار زمني؛ وهنا الجيش يُريد ابتلاع القوة العسكرية المرادفة له والمنافسة لوجوده، بينما ترفض الأخيرة وترى نفسها بديلًا له.

 

دلالات المواجهة العسكرية وانتصارات الجيش

هناك معادلات ربما ساعدت في تحقيق انتصارات عسكرية للجيش خلال الفترة الأخيرة بعد أنّ تم دعمه بالمسيرات والأسلحة من قبل الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا؛ لكن المؤشرات تؤكد أنّ انسحاب قوات الدعم السريع  من العاصمة الخرطوم كان تكتيكًا عسكرية، وأنه سوف يُعاود شن هجمات بمسيرات بهدف تشتيت قوات الجيش وتحميها خسائر فادحة.

وهنا يطرح خبراء عسكريون أنّ الانسحاب ليس بسبب قوة الجيش ولا لتراجع قوات الدعم السريع عسكريًا، ولكن لأنّ الأخيرة أرادت استنزاف الجيش على المدى البعيد عبر ضربات توجهها له من خلال وجودها في المقاومة، وهنا ترفع عن نفسها عبئ حماية العاصمة وتحمل تبعات المواجهة العسكرية على عتبات الخرطوم.

وهنا أدركت قوات الدعم السريع أنّ استمرار تمركزها في العاصمة بات عبئًا عسكريًا، فأرادت أنّ تتحرر من ذلك وتنتقل من فكرة المدافع إلى المهاجم، وهنا سوف تنقلب المعركة لصالحها بعد انهاء فترة تدريب مقاتليها على المسيرات التي تم دعمها بها.

وبحكم بنية قوات الدعم السريع وطبيعة عملها الميلشياوي، فقد تنجح في شن هجمات سريعة وخاطفة ربما تنهك قوات الجيش السوداني المنهك بفعل الحرب الدائرة قبل عامين، وهذا ما تعول عليه قوات الدعم وداعموها.

باتت المدن والولايات المحررة على يد قوات الجيش السوداني تمثل عبئًا على كاهل قوات الدعم السريع، فإضطرت للإنسحاب التكتيكي من بعضها، بينما تتواجد بعض قواتها بصورة متخفية داخل العاصمة وتنتظر شن عدد من الهجمات على أماكن تمركز قوات الجيش في إطار سياسة الإنهاك.

كما أنّ خطة الدعم السريع تتمركز في التركيز على تشتيت قوات الأمن السودانية وتكبيدها خسائر فادحة في مدة زمنية قصيرة، ثم الدخول لاسترداد ما سبق تحريره من العاصمة وبعض المباني الحيوية.

يتم تدريب قوات الدعم السريع على استخدام بعض الأسلحة الثقيلة والمسيرات، للبدء في حرب استنزاف لقوات الجيش السوداني، ثم الانتقال إلى تعزيز المواقع العسكرية من جديد، وفق خطة أعدت لها قوات الدعم السريع سلفًا، خاصة وأنّ الأخيرة أعلنت عن قيام حكومة موازية، وهو ما يدخل أيضًا في باب الاستنزاف السياسي طويل الأمد.

هناك تحول في لغة الحرب بعد عامين، منذ أنّ أندلعت في 15 إبريل من العام 2023؛ لكن المؤشرات العسكرية والاستراتيجية بعيدة عن فكرة حسم أحد الطرفين للصراع، ولكن الحسم قد يذهب إلى سيناريو التقسيم، حيث يُشكل كل طرف متنازع حكم ذاتي على الأراضي التي يُسيطر عليها.

السودان مقسم ما بين قوات الجيش التي تُسيطر على شرق وشمال السودان وما بين قوات الدعم السريع التي تُسيطر على إقيلم دارفور وأجزاء من الجنوب وغرب السودان، فضلًا على ما حققته قوات الدعم السريع من انتصارات في منطقة المالحة في شمال دارفور.

نجح الجيش الفترة الأخيرة في تحقيق بعض الانتصارات العسكرية بعد دعم الدول المشار إليها، روسيا والصين وإيران، فضلًا عن تميزه في سلاح المدفعية والطيران والمسيرات، فضلًا عن عودة قائد قوات درع السودان إلى صفوف الجيش بعد تمرده على قوات الدعم السريع، وهو ما ساعد في استعادة الجيش لولاية الجزيرة.

لا يمكن للسودانين الذين نزحوا قبل عامين العودة إلى بلادهم في الوقت القريب بسبب انهيار البنية التحتيّة والصحيّة وانتشار الكوليرا والملاريا والحصبة الألمانية، مع توقف تام للأنظمة الصحّية الحيوية، ويُضاف لهذا المواجهة العسكرية لكل طرف من طرفي النزاع على الطرف الآخر، وهو ما يُؤدي إلى مقتل المدنين وعدم تحقيق الاستقرار الاجتماعي أو الحياة الطبيعية.

 

سيناريوهات الحرب الأهليّة وشبح التقسيم

سيناريو التقسيم مازال يفرض نفسه على الساحة السودانية حتى بعد أنّ حسم الجيش معركة العاصمة لصالحه؛ خاصة وأنّ قوات الدعم السريع سبقت بالتوقيع على ميثاق سياسي لتشكيل حكومة موازية في 22 فبراير الماضي.

السودان لا ينتظر سيناريو التقسيم فقط ولكن ينتظر سيناريو الحرب الأهليّة، فقد باتت أقرب إليها من أي وقت مضى، ولعل قراءة السيطرة على العاصمة الخرطوم هو الأقرب لهذه القراءة.

القوات المسلحة السودانية نجحت في تحرير بعض المدن والولايات التي كانت بحوزة قوات الدعم السريع على مدار عامين كاملين، لكن هذه القوات مازالت تُسيطر على مناطق داخل العاصمة والجانب الجنوبي من مطار الخرطوم، على الأقل حتى كتابة المقال التحليلي، فضلًا عن سيطرتها على ولاية دارفور ومنطقة المالحة.

عدم حسم المعركة عسكريًا من قبل أحد الطرفين يطرح بقوة سيناريو الحرب الأهلية والتقسيم في آن واحد، خاصة وأنّ هناك معادلا مهما في القضية يرتبط بوجود الإخوان المسلمين أو الكيزان في بنية الجيش السودان، الذي اعتمد عليه في هذه الحرب.

الكيزان هم من أطلقوا شرارة هذه الحرب قبل عامين، وهم أصحاب المصلحة في استمرارها، فحزب المؤتمر الوطني يُريد أنّ يعود إلى المشهد السياسي في السودان مرة أخرى، وهذا لن يتأتى إلا عبر مسارين، أحدهما مرتبط بخلط الأوراق ومن ثم استمرار الحرب، والمسار الثاني مرتبط بدور المؤتمر الوطني وعناصرة من خلال دعم الجيش السوداني في هذه الحرب، وبالتالي تكون ضريبته أنّ يُحافظ الأخير على وجوده السياسي والعسكري.

وهذا قد يُشكل خطرًا على أمن السودان والمنطقة العربية، من زاوية استمرار التقسيم، ومن زاوية عودة الإخوان أو الكيزان للمشهد السياسي، بعد الانتصار العسكري الذي حققه في العاصمة الخرطوم.

الاتهامات المتبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، يُحمل فيها الأخير الجيش بأنّ الإخوان يتركزون في جزء من بنيته، وهو ما يمثل خطرًا على مفهوم الدولة الوطنية أو شعارات الثورة التي رفعتها القوى المدنية قبل عامين.

قد ينظر البعض لهذه الاتهامات على أنها مكايدة سياسية وعسكرية، هدفها تشويه الآخر، ولكن الحقيقة أنّ الإخوان مازالوا يتنفسون من رئة المؤسسة العسكرية في السودان، وهو ما يُشكل خطرًا على أمن المنطقة والعالم، ويتطلب تقدير موقف أقرب للواقع قبل أنّ تضيع السودان ما بين شبح التقسم وعودة الإرهاب من جديد.

 

انعكاسات الحرب على أمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب

استمرار الحرب وهو وارد بصورة كبيرة يُعني تهديدًا لأمن المنطقة والعالم وانتشار الإرهاب والتطرف، خاصة وأنّ هناك ما يُؤكد أنّ نشاط الإخوان المسلمين مازال قائمًا، صحيح النظام السياسي تغير ولكن النظام نفسه مازال يتمتع بحيويته، وهنا نقصد بنية هذا النظام من خلال وجود الإخوان المسلمين في جزء كبير من بنية الجيش السوداني.

وفي حال حسم الجيش لهذا الصراع وهو أمر مستبعد سوف يُهدد ذلك أمن المنطقة والعالم، لأنه يُعني ببساطة شديدة عودة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي، النظام الذي وفر حماية لتنظيم قاعدة الجهاد، كما أنه وفر حماية للميلشيات التابعة للإخوان المسلمين المصريين، ومنها حركة ما يُعرف بـ سواعد مصر.. حسم، وهذا لا يُعني أن سيناريو سيطرة فوات الدعم السريع هو الأفضل، فهي قوات ميلشياوية لا يمكن التعامل معها وغير قادرة على تحقيق الأمن في المنطقة أو في الداخل السوداني.

وهنا يمكن القول إنّ السودان قد يكون في طريق الذهاب إلى سيناريو الحسم لقوات الجيش المدعومة من عدد كبير من الدول المحيطة بالسودان أو الدول الكبرى، وهو ما سوف يُودي إلى نفس النتيجة.

وهنا لابد أنّ ينتبه العالم لأهميّة الموقف السياسي والعسكري واللحظة الراهنة التي تعيشها السودان، وضرورة مواجهة تبعات هذه المرحلة التي تُهدد أمن المنطقة والعالم، خاصة وأنّ المؤشرات كلها تذهب لانتشار الإرهاب والتطرف ليس فقط على الصعيد الداخلي ولكن إلى دول الجوار بل وتصديره إلى العالم.

ولابد أنّ تكون خطة المواجهة في خمس محاور،: 

-الضغط العسكري على الطرفين في السودان، ومنع وصول الأسلحة إليها، وفق قرار أممي.

-تقريب وجهات النظر عبر حوار غير مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع، حتى الوصول إلى تسوية يمكن البناء عليها.

-مراقبة الحدود الجغرافية لدول الجوار مع السودان لمنع أي تسللات لقوى دينية مؤدلجة ربما تُهدد أمن هذه الدول أو أمن المنطقة.

-فرض عقوبات دولية على الدول التي يثبت عليها دعم أي قوة عسكرية سودانية، لإنهاء وتصفية الصراع والبدء في عملية سياسية تنهي الخلاف القائم.

-رسم مقاربات سياسية تجمع القوى السياسية مع المؤسستين العسكريتين عبر حوار يكون بداية لإنهاء الخلاف، ويا حبذا لو كانت هذه المبادرة من قبل الدول التي لم تتورط في دعم جبهة على أخرى.

مقالات مشابهة

  • الجيش السوداني يضع يده على منظومة دفاع جوي حديثة تركتها الدعم السريع في الخرطوم
  • خلال أسبوع.. 85 قتيلًا في هجمات لقوات الدعم السريع جنوب الخرطوم
  • “أطباء السودان”: مقتل 12 مدنياً بهجوم “الدعم السريع” على خور الدليب
  • الهجرة الدولية تكشف عن استجابة إيجابية من المجتمع الدولي لإعمار السودان
  • استهداف الدعم السريع للتراث التاريخي والثقافي جريمة حرب وسنلاحق المنهوبات عبر الإنتربول
  • عقار يحذر من اجتياح الدعم السريع لكل السودان إذا سقطت الفاشر
  • مدفعية الجيش السوداني في الفاشر تستهدف مستنفري الدعم السريع
  • الجيش السوداني يحبط هجوما على الأبيض ويلقي القبض على عدد من المتعاونين مع الدعم السريع
  • بعد اقتحامه بواسطة الدعم السريع.. الجيش السوداني يدفع بتعزيزات عسكرية نحو جسر مهم
  • رؤية استشرافية لمستقبل السودان بعد سيطرة الجيش على العاصمة