قيمة شعرية أم قيمة أخلاقية؟
تاريخ النشر: 17th, September 2024 GMT
راجح المحوري
ثمة شواهد دقيقة تثبت مسألة المرونة التي تكتسبها القيم الأخلاقية لدى الناس أحيانا، حيث لا يتساهلون مع خرق هذه القيم فحسب، بل أنهم يطربون للمضامين التي تحمل ما ينسفها نسفا، ويحطمها كليا، ولكن وفق شروط أخرى، وضمن سياقات لها نظمها وقوانينها الخاصة.
فمثلا في الأدب وفي (الشعر خاصة) نجد أن الناس يطربون لنص شعري يصادم ويناقض منظومات القيم الاجتماعية المستقرة، فيتداولونه ويحتفون به كثيرا، ليس لأنه يناقض هذه القيم ويصطدم معها، ولكن لأنه يستجيب لكامل شروط مقبولية هذا النقض والمخالفة، وهم يفعلون ذلك دون أن يجتهدوا لتفسير ما يفعلون، فهو من البديهيات بالنسبة إليهم.
يقول جرير في مدح عبدالملك بن مروان:
“سَأَشكُرُ أَن رَدَدتَ عَلَيَّ ريشي
وَأَثبَتَّ القَوادِمَ في جَناحي
(أَلَستُم خَيرَ مَن رَكِبَ المَطايا
وَأَندى العالَمينَ بُطونَ راحِ)”
جميعنا نطرب لهذا البيت فنردده ونعتمده شاهدا على قوة شاعرية جرير، مع أن مضمونه يناقض القيم الموضوعية، والأخلاقية المستقرة لدينا! والسبب أن هذه المضامين الناقضة، صيغت ضمن نسق شعري، ذي قيمة جمالية إمتاعية عالية، ولو قال أحدهم “فلان خير البشر وأكرمهم” لأنكرنا عليه ذلك، لأن المقارنة الذهنية تذهب مباشرة إلى الرسول، وعندها نقول ليس هناك من هو خير من الرسول، ولا أكثر كرما منه.
القيمة هنا قيمة شعرية وليست قيمة أخلاقية أو موضوعية، والقيمة الشعرية لها أساسات في الوجدان تختلف عن القيمة الأخلاقية، هذه الأساسات تبلورها الثقافة، والمصادر التي يتلقى عنها الشخص، ونوع الوعاء الاجتماعي الذي يتخلق وعيه داخله.
وهناك شاهد شعري حديث، وهو قول الشاعر أسامة المحوري :
فـي قَبْضَةِ الفتياتِ طِفْلٌ واقِعُ
رَحُبَ الخيالُ بهِ وضاقَ الواقِعُ
الـقـابضاتُ عـلـى أعِـنَّـةِ قـلْـبِهِ
(شُـمُّ الـصدورِ، نُهُودهنَّ مدافِعُ)
مــا فـرَّ مِـنْهُنَّ الْـغَدَاةَ بـنبضِهِ
إلا لـيـقـتـلَهُ الــغَـرَامُ الــراجِـعُ
لو حاكمنا هذا البيت وفق القيم الموضوعية، والتي هي أيضا قوية وراسخة لدينا وندافع عنها، ونطالب بحمايتها باستمرار؛ لقلنا إن هذا الرجل كاذب! أو لأصابتنا حالة من الشفقة الشديدة على تلك الفتيات، ولطالبنا بنقلهن إلى المستشفى، لإجراء عمليات جراحية، توقف هذا النمو غير الطبيعي، كما سيحدث لمن يتلقي البيت بعقلية موضوعية ساذجة.
ولكننا نطرب لهذا البيت لجماله، وطرافته، وللصورة الشعرية الجديدة التي يجترحها، والتي تحيل الذهن إلى بروز صدر المرأة وفتنته وجماله.
خلاصة القول إن الناس في العبارة الشعرية، يحتكمون إلى قيم نابعة من المنظومة الإبداعية ذاتها، ولا يحتكمون إلى منظومات قيمية خارجية، وإذا فعلوا فحينئذ يسقط الشعر والإبداع كله، وبالضربة القاضية.
إذن نحن أحيانا نخرج خروجا كاملا عن قيم نحترمها، وندافع عنها، نخرج عنها ونركضها بعيدا، ولكننا لا ننطلق إلى الفراغ، بل ندخل إلى منظومات قيمية أخرى، لها نفس الرسوخ ونفس الاستقرار، كالنظام الخاص بالشعر.
والذي يعطينا الحق في هذا الخروج، هو القيمة الجمالية الإمتاعية فقط.
المصدر: يمن مونيتور
كلمات دلالية: الشعر
إقرأ أيضاً:
القيم الأخلاقية ودورها في بناء الأسرة والمجتمع ندوة بوعظ الغربية
شاركت منطقة وعظ الغربية في فعاليات ندوة مديرية الزراعة بالغربية بديوان المديرية ، وجائت بعنوان القيم الأخلاقية والإنسانية ودورها في بناء الأسرة والمجتمع وفق توجيهات مجمع البحوث الإسلامية وفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، وفضيلة الأستاذ الدكتور محمود الهواري الأمين العام المساعد الدعوة والأعلام الديني، برعاية اللواء أشرف الجندي محافظ الغربية ، والدكتور ناجح فوزى وكيل وزارة الزراعة بالغربية ، وبالتعاون مع منطقة وعظ الغربية ،
وحاضر فيها فضيلة الشيخ محمد نبيل أبوالخير مدير عام وعظ الغربية ورئيس لجنة الفتوى،بحضور المهندس فخرى باز مدير عام الادارة العامة للارشاد الزراعى ، ايهاب زغلول المنسق الاعلامى بمنطقة وعظ الغربية ، وعدد من السادة العاملين بقطاع الزراعة بالغربية.
وأكد مدير عام وعظ الغربية أن الأخلاق تلعب دورًا حيويًا في بناء المجتمع من خلال تعزيز القيم الأساسية مثل الاحترام، الأمانة، والعدالة، وهذه القيم تساهم في تعزيز التعاون والتفاهم بين الأفراد، مما يقلل من النزاعات ويعزز التماسك الاجتماعي، وبتطبيق الأخلاق يتم بناء علاقات قائمة على الثقة والاحترام، مما يساهم في خلق بيئة مستقرة ومنظمة تسهم في رفاهية ..
وتطرق الي أهمية دور الأسرة في بناء المجتمع،ولها اليد العليا في غرس القيم وتعزيزها لدى الأفراد، حيث يقوم الوالدان على تعزيز السلوك الحسن والتنفير من السلوكيات القبيحة مع بيان قبحها للأبناء، فتشكل مرجعية الأبناء في الحكم على ما يقابلهم من مواقف مختلفة في حياتهم وتطرق الي مواقف تربوية رائعة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم وتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم فكانوا قدوة ومثل صالح ونبراساّيهتدي به الناس قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد).