عندما يستحضر الخرف الجمعي الاردني مخاوفه ..تظهر جنياته..
تاريخ النشر: 16th, September 2024 GMT
عندما يستحضر #الخرف_الجمعي_الاردني مخاوفه ..تظهر جنياته..
ا.د #حسين_محادين*
( 1)
يؤكد علم النفس الجمعي على ان خبرات الطفولة المؤلمة والمخيفة للافراد والجموع تُمثل مخزنا كامنا في شخصياتنا قد يصل الى “الرهاب الاجتماعي” حين يتم استدعائها امام اي موقف طارىء لا يجد من يفسره بعلم مقنع ومعرفة دامغة بالوقائع والاقناع…وهذا ما حصل عندما ابتدع هذا العقل الجمعي الاردني في الكرك في غيرها ما تم اسقاطه على حادثة المرأة الغريبة في الكرك، الى حد لم يجد هذا الخرافي ما يبدد الغموض المعرفي بطريقة علمية الامر الذي دفع بالجموع الى استحضار خبراتهم المؤلمة في طفولتهم والقصص المخيفة التي تم سردها عليهم بسذاجة وعدم ادراك من قِبل الاجداد والاباء غالبا في طفولتهم ومنها قصص الجان/الجنية التي كانوا ويرتعدون خوفا منها قبل نومهم، وبعد ان كبروا بقيت جذور هذه الخرافات حاضرة في دواخلهم وبالتالي فهي عرضة الى الاستحضار كما حدث مع امرأة الكرك على سبيل المثال.
(2)
غالبا ما تُصاب الجموع/الجماهير وبغض النظر عن مستوى تعليمها بعدوى التعميم لكل ما يوازي اي حدث نادر او غير مألوف، فالخوف والغموض المعرفي بأي حدث يقود عادة الى سعي الجموع للبحث عن تبديد الغامض وصولا الى التوازن في حال وجود مفسر علمي مقنع للعوامل الفعلية التي قادت الى هذا الحدث الطارىء والغريب غالبا ، اي ضرورة تبديد الجهل الذي احاط به اصلا.
( 3)
ولعل التساؤل الواخز هنا هو ؛ اين دور العلماء ،والجامعات ووسائل الاعلام الراشدة ومؤسسات الدولة المختصة بهذا الدور التنويري السريع الذي غاب او تأخر كثيرا في التفسير العلمي لما جرى مع (امراة الكرك/الجنية) وبالتالي اهمية إبعاد هذا الحدث الغامض او غير المألوف عند تفسيرنا له عن الماورائيات، وضرورة إرجاعه الى حدود الفعل البشري والجرمي المنحرف ان كان كذلك سواء اقترف من قبل امرأة او رجل وبالتالي هو فعل بشري خالص وان كان غريبا جدا عن الواقع مقارنة بمخزون وخبرات الجموع المزروع فيها اصلا مفاهيم غامضة كالحديث عن الجنية التي تشربناها وسمعنا عنها الكثير والرهيب اثناء طفولتنا تجنبا للي عدوى تعبيرية او اعتقادية خاطئة، فالواقع يمكن تكثيفه تماما كالاشاعة المُختلقة لسبب ما، ومع ذلك نجدها تنتشر وتتقافز في وعلى عقول الجموع وتغذو مِفتاحا لأي حديث شعبي فيها وعنها وبالتالي يصعُب مقاومتها…اليس هذا ما حدث مع قصة” إمراة الكرك” بحقيقتها وممارساتها وبزيّها الاغرب على المخيال الجمعي غير العلمي والواقعي معا..؟.
*استاذ علم الاجتماع -جامعة مؤتة -الأردن.
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
عندما يفوت الأوان !
يقول الأديب المصري الراحل د.أحمد خالد توفيق: «ما فائدة كلمة «أنا بجانبك» بعد المعافاة، و«أنا أحبك» وأنت لا تتقبل عيوبي، و«أنا آسف» بعد أسبوع من الخصام !!
ما فائدة «أنا فخور بك» وأنت لم تشاركني معاناة الوصول !!
وما فائدة أن تخبرني بكلمة كنت أتوق لسماعها في حين من الزمن، لتقولها أنت في زمن آخر تماما !! ماتت فيه لهفة الاستماع !!».
أحيانا كثيرة نتنبّه إلى أخطائنا في حقوق من حولنا، أو ممن كانوا بقربنا، هذا التأخير لن يشفع له الاعتذار؛ لأن الوقت الذي يمضي لن يعود ثانية خاصة إذا وصلنا بعد فوات الأوان وأن كل شيء قد انتهى من الوجود!
مبعث كل ذلك أن الكلمات أو النداءات والحسرات لن تقدم أو تؤخر شيئا قد انتهى وذهب مع الريح، وكم فقدنا أشياء مهمة في حياتنا عندما كنا لا ندرك قيمتها إلا عندما أصبح الغياب واقعًا يذكرنا بفشلنا في واجب كان يجب أن نقوم به تجاه الآخرين والمحافظة عليه ليبقى ممتدا لنا أو ذكرى لا نشعر من خلالها بالتقصير. والعجيب في أمرنا، أننا عندما عدنا لنتأسف على ما فات، لم نجد شيئا يرجع لنا الأشياء التي اختفت من مكانها الصحيح، تماما وكأننا نسقي الورد بعد موته.. فلا الماء يحييه.. ولا الاهتمام به يعيده إلى ما كان عليه !.
أسرف كثيرا في التفكير بأمر الاهتمام المتأخر للأشياء التي أنسى الاهتمام أو العناية بها، وقررت أن أسأل بعض الأصدقاء والأقرباء، لماذا يهتم البشر كثيرا بالأشياء بعد فوات الأوان؟
أغلب الإجابات كانت متوقعة وبعضها كانت منطقية، واتفق الكثير ممن حدثتهم على أن الناس يهتمون بالأشياء بعد ضياع الفرص من بين أيديهم، ببساطة؛ لأن هذا الاهتمام المتأخر سببه أنهم وضعوا أمام الأمر الواقع، فلا مفر منه سوى البحث عن الأشياء المفقودة، بمعنى أنهم وصلوا إلى مرحلة يتعذر معها معالجة الأمور وأصبح البحث هو السبيل نحوها حتى وإن كان الأمر قد انتهى.
يهتم الناس بالأشياء في وقت الخسارة؛ لأنها أصبحت مكشوفة أمام أعينهم، فكم من صديق أو قريب تذكرناه في موته ونسيناه في مرضه! وهذا ما يوجع القلب ويدخل الكآبة في النفس.
أرضية الواقع تشير إلى أن العودة إلى الوراء قليلا بعد فوات الأوان ترجع بالدرجة الأولى إلى الشعور بالفقد فيزيد اهتمام الناس بهذا الشعور فيبحثون عن منفذ يجعلهم لا يلومون أنفسهم في المستقبل، فدائمًا تأتي معادلة الاهتمام متأخرة عند الشعور بالخسارة وضياع الوقت !.
يقول الكاتب الأمريكي مارك توين ناصحا الناس: «لا تنتظر حتى يمر الوقت لتقول كلمات الحب والتقدير، فقد لا يكون الوقت التالي كافيا أبدا لعودة الأشياء إلى ما كانت عليه قبل مدة من الزمن».
إذًا نحن في سباق محتدم ودائم مع الزمن، نركض في كل الاتجاهات بدون توقف، نحاول أن نلم أوراقا تبعثرت وتطايرت نحو الأفق البعيد، لكن شرف المحاولة في اللحاق بقطار الذكريات هو من يقودنا نحو تذكر من أهملنا وجودهم دون أن نشعر.
في كل خسارة تدمينا، نقول إن الحياة ومشاغلها هي من أفقدتنا الأشياء الجميلة، ونعود لنؤكد للعالم كله بأن جوهر الحياة ليس إلا لحظات من الحب الذي يجب علينا أن نشاركه مع الآخرين حتى وإن كان يسيرا، أو دون تساوٍ مع الكل، وبأن فقدان الأشياء والعودة إليها بعد فوات الأوان ما هو إلا حفظ لماء الوجه لا أكثر من ذلك.
في بعض الأوقات نتمنى أمنيات لن تتحقق أبدًا، ولذا نظل في مكاننا واجمين نعتقد أنها جزء من لحظة البلاء الذي نحن فيه أو الامتحان الصعب الذي لا نجد إجابته، أو أنه مجرد حلم سيختفي مع ضوء الشمس، لكن الواقع الذي كنا نغيبه عن عقولنا، هو أن الأمنيات لن تعيد لنا الوقت الذي ذهب نحو الغياب، والوجوه التي رحلت البارحة لن تعود ثانية إلى مكانها، أما اليوم فنحن نعيش واقعًا آخر غير الذي كنا نفكر فيه، أو نتمنى أن نعيش فيه الآن.
ومع كل الذي قلناه تظل كلمات الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيورا حاضرة في عقولنا، لكننا لا نعمل بما ذهب إليه بقوله: «على الإنسان ألّا ينبش في الذاكرة إذا أراد أن يكون سعيدا، لذا نشعر بالتعاسة كثيرا حينما ننتبه إلى من كان حولنا متأخرين جدا».