جريدة الرؤية العمانية:
2024-09-18@18:23:59 GMT

التسامح

تاريخ النشر: 15th, September 2024 GMT

التسامح

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

"المُسامح كريم".. عبارة نُردِّدُها ونفتخر بنطقها على الدوام لتشجيع أنفسنا والآخرين للتسامح والعفو عن من أساء إلينا بالقول أو بالفعل من أجل استقرار الأمور في هذه الحياة التي تشهد خلافات في وجهات النظر بل وحتى سلب الحقوق والاعتداء على الممتلكات والأرواح في كثير من الأحيان.

بالطبع الأقوياء هم الذين يبادرون بالصفح عن الآخرين، لكونهم يمتلكون الشجاعة وينطلقون من مراكز القوة وليس الضعف ويحتسبون عند الله سبحانه وتعالى أعمالهم العظيمة وماوقفهم الشجاعة والمتمثلة بالتسامح وفتح صفحات جديدة مُضئية من العفو والغفران لإسعاد الآخرين من حولهم من الذين لا يدركون ما اقترفوه من أعمال شريرة وأقوال سوقية بحق من حولهم من الناس.

صحيحٌ أن هناك من ينظر لهؤلاء المسامحين والمتنازلين عن حقوقهم؛ إذ يوصفهم البعض بالضعفاء ولا حيلة لهم سوى التنازل عن حقوقهم والعفو عن من اعتدى عليهم. وحقيقة الأمر أن الحياة تتطلب من البشر أن يتحلوا بأعلى درجات الصبر والعفو عند المقدرة لكي نعيش بسلام مع من حولنا، فالله عزَّ جلاله تكفل بدخول الصابرين على الأذى من عباده للجنة بغير حساب جزاءً على صبرهم وإحسانهم.

لا يمكن أن تسقيم أمور الدنيا والناس تتخاصم وتقاضي بعضها بعضا في المحاكم والمجالس العرفية على كل كبيرة وصغيرة، وذلك لكي لا تكبر الأمور وتتدهور العلاقات الإنسانية بين الأهل والجيران والأصدقاء وتتحول الحياة إلى جحيم، لا شك بأنَّ هناك من يتربص وينتظر حماقات الناس للاستفادة من تلك الصراعات التي لا تنتهي؛ فهؤلاء يحاولون بكل إمكانياتهم نشر الفتن ونقل النميمة ثم المحاولة من جديد إطفاء تلك النيران المشتعلة مقابل مصالح مادية وكسب صداقات أحد الأطراف المتخاصمين. يجب أن يعرف الجميع بأن من يبادل السيئة بمثلها وما أكثرهم من حولنا، سوف يدركون بعد فوات الأوان أنهم في طريق الخطأ، والأجدر بهؤلاء القوم أن يُجرِّبُوا الطريق الآخر، وهو أن نُحسن لمن أساء ونمنحه فرصة لعله يُصحِّح من سلوكه العدواني، ويتعلم من تجارب الحياة، وأن نتجاهل من يُسيء إلينا؛ فهناك 3 أشياء وصفها الله بالجمال: "صفحٌ جميل.. صبرٌ جميل.. هجرٌ جميل".

في واقع الأمر، إننا لكي نعيش سعداء لا نحتاج إلى معجزات؛ بل أكثر ما نحتاجه في هذا الكون الرحب، قلوبٌ متسامحة مُحِّبة لبعضها بعض، إذ إن نسيان إساءات الغير بمثابة هدية لنفوسنا ورحمة لقلوبنا. فما أجمل ابتسامتنا في وجه الآخرين للتعبير عن المحبة الصادقة مهما حصل من الذين يكيدون لنا ويحاولون التقليل من شأننا؟! ردُنا عليهم دائمًا هو التسامح ونسيان تلك العثرات والكلمات البذئية التي لا تُعبِّر إلّا عن أصحاب النفوس الضعيفة التي تعودت دائمًا على الحروب الكلامية والضغائن التي لا تنتهي.

يجب أن يدرك الجميع أننا مغادرون هذه الدنيا وراحلون عنها إلى الأبد، وتبقى خلفنا الذكرى الطيبة والأعمال الصالحة فقط. أما اصطياد أخطاء من حولنا من النَّاس وعدم التجاوز عنها بأي حال من الأحوال فسوف يجعلنا نعيش في مستنقع القلق الدائم بزعم المطالبة بالحقوق واتباع ما يعرف بمبدأ المحاسبة بالمثل والمطالبة بمكاسب الدنيا التي لا جدوى منها. صحيحٌ أننا إذا رجعنا إلى الأعراف الموروثة في بعض المجتمعات العربية، فثمة اعتقاد على نطاق واسع بأن التنازل عن الحقوق والتغاضي عنها يعني ضعفًا وتهاونًا في المكانة الاجتماعية للأشخاص وتشجيع الآخرين على الاستمرار في الابتزار وتكرار تلك الأخطاء والإساءات، وأن الرد على هؤلاء يجب أن يكون بالمثل. وعلى الرغم من ذلك، يبدو لكثير من النَّاس أنَّ الاعتذار للآخرين يُشير إلى أعلى درجات الكرم والتسامح، وليس بالضرورة الاعتراف بالأخطاء المزعومة؛ فالعظماء هم الذين يتحملون تلك المسؤولية التي تمكن هؤلاء النُبلاء من احتواء المواقف الصعبة وإذابة الجليد وحل المشاكل بسبب الاعتذارات التي تهدف إلى التئام الجروح وتهدئة النفوس والخواطر ونشر ثقافة التسامح بين الناس.

هكذا.. بالتسامح تُبنى الأوطان وتتآلف القلوب بين أفراد المجتمع الواحد، ذلك لكون أن التسامح قيمة إنسانية نعترف من خلالها بقبول الآخرين بمختلف معتقداتهم ومذاهبهم الفكرية، في إطار مظلة وطنية تسوعب الجميع وتمنحهم آفاقاً رحبة من التعاون والاندماج الفكري مع اختلاف الحوارات في سوق مفتوحة يتنافس فيه الكل لتحقيق التكامل وليس التنافر؛ مهما اختلفت الآراء والتوجهات الفكرية التي تساعد في نهاية المطاف على الاجتهاد والإبداع في خدمة الإنسانية وتوحيد الصفوف والاستفادة من تجارب الغير، انطلاقًا من روائع الإمام الشافعي رحمه الله الذي قال في هذا المعنى: «رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ».

وفي الختام.. تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف أفردت قيماً ومبادئ خالدة في التسامح والتعامل بحسن الخلق مع الآخرين من البشر مع المحافظة على حرية المعتقد لأهل الكتاب، فقد عاش اليهود والمسيحيون في كنف الدولة الإسلامية عبر التاريخ بأمن وسلام في الوقت الذي تعرض اليهود- على وجه الخصوص- للقتل والاضطهاد من الأوروبيين، ولعل التسامح مع أتباع الديانة اليهودية قد شجّع اليهود على الإقامة الدائمة والعمل كأطباء وتجار ومستشارين للخلفاء والحكام في كل من بغداد والأندلس وبعض الأقطار العربية الأخرى، لكن ردهم على ذلك المعروف هو التنكيل بالشعب الفلسطيني وإبادته في قطاع غزة، وقبل ذلك كله احتلال فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

السجن 10 سنوات لطبيب المحلة لاتهامه بالتخلص من طفل وبراءة المتهمين الآخرين

أصدرت الدائرة الثالثة بمحكمة جنايات المحلة الكبري في محافظة الغربية، في أولي جلسات محاكمة طبيب نساء وتوليد، ومتهمين آخرين في قضية التخلص من طفل بالقمامة، بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات وبراءة المتهمين الآخرين.

كانت جلسة المحاكمة عقدت برئاسة المستشار سامح عبد الله عبد الواحد وعضوية كلا من محمد عادل شاهين وأحمد زغلول المنوفي وأمانة سر عمرو جمال، واستمع رئيس الدائرة إلي مرافعات الدفاع وأقوال الأم وابنتها المتهمه، ثم أصدر حكمه في نهاية الجلسة.

كانت جهات التحقيق بالمحلة قررت إخلاء سبيل طبيب نساء وتوليد، على ذمة القضية المتهم فيها بإلقاء كيس أسود بداخله طفل حديث الولادة في القمامة بمنطقة مقابر الشهداء، بعد أن أجرى عملية ولادة لسيدة حملته بشكل غير شرعى، مع اتخاذ تدابير احترازية للمتهم بحيث يتوجه لقسم الشرطة يومين في الأسبوع لإثبات حضوره والتأكد من عدم هروبه.

كانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض على الطبيب المتهم، بعدما عثر نباش قمامة على كيس أسود ومشاهدة حركة بالكيس، وفوجئ بوجود طفل حديث الولادة بداخله، وتم إخطار الشرطة التي انتقلت لمكان البلاغ، وبفحص كاميرات المراقبة ظهرت سيارة الطبيب المتهم وهو يتخلص من كيس أسود بالقمامة.

وكشفت التحقيقات أن المتهم أجرى عملية ولادة قيصرية لسيدة حملت في الطفل، وقرر التخلص من المولود، وتم ضبط الطبيب وحبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات، وإخلاء سبيله على ذمة القضية مع اتخاذ تدابير احترازية وإلزامه بالحضور لقسم الشرطة وإثبات حضوره للتأكد من عدم هروبه.







مقالات مشابهة

  • وزير موريتاني: ندعو للاحتذاء بالإمارات في ترسيخ التسامح ونشر السلام
  • الصحة اللبنانية تطلب من جميع المواطنين الذين يمتلكون أجهزة pagers الابتعاد عنها
  • وزارة الصحة اللبنانية تطلب من جميع المواطنين الذين يمتلكون أجهزة pagers الابتعاد عنها
  • المباريات التي سيغيب عنها أولمو مع ريال مدريد بعد إصابته
  • الدرعي: التسامح والتعايش والتعاون قانون كوني وضرورة وجودية
  • جامعة الشارقة تستقبل رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة
  • الأردن يُعلن تسلم جثمان ماهر الجازي منفذ هجوم معبر اللنبي ويكشف وضع الإفراج عن المعتقلين الآخرين
  • السجن 10 سنوات لطبيب المحلة لاتهامه بالتخلص من طفل وبراءة المتهمين الآخرين
  • «استشاري»: عدم التقدير من الآخرين يهز الثقة بالنفس.. ويسبب خوفا من المجهول
  • حظك اليوم الاثنين| توقعات الأبراج النارية.. حياتك موضع حسد الآخرين