المعتزلة أهم فرق الإسلام دفاعاً عن الدين:
تاريخ النشر: 14th, September 2024 GMT
يقول الدكتور محمد سلام مدكور: “ولقد كان المعتزلة بحق فلاسفة الإسلام، وهم الذين كان لهم الفضل -عن طريق نظر العقل- في صد الملاحدة والزنادقة”( ).
وقال عنهم الشيخ محمد أبو زهرة: “إن هؤلاء يعدون فلاسفة الإسلام حقا، لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية غير منطلقين في غير ظلها، فهم يفهمون نصوص القرآن في العقائد فهما فلسفيا، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها، غير خالعين للشريعة، ولا متحللين من النصوص”( ).
وقال عنهم: “إنهم قاموا بحق الإسلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد كيد الزنادقة والملاحدة والكفار في نحورهم، وكان لا بدّ من وجودهم ليوقفوا تيار الزندقة الذي طم في أول ظهور الدولة العباسية، ولذا كان الخلفاء الأول من هذه الدولة يشجعونهم، وقد ناوأهم الرشيد زمانا واعتقل بعضهم، ولكنه اضطر لإطلاقهم لما علم أنهم الذين يستطيعون منازلة الوثنيين من السّمنيّة وغيرهم”( ).
ويرى مؤرخ الفكر الإسلامي الأستاذ أحمد أمين أنه في أوائل القرن الثاني للهجرة ظهر أثر من دخل في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية، فكثير من هؤلاء أسلموا ورؤوسهم مملوءة بأديانهم القديمة وسرعان ما أثاروا في الإسلام المسائل التي كانت تثار في أديانهم التي تسلحت بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني في مواجهتها وتنظيم طريق بحثها. كل ذلك دعا المعتزلة إلى التسلح بالعقل والفلسفة لمجادلتها جدالاً علمياً يعتمد على سلاح العقل والمنطق والبرهان، وكان من أشهر رجال المعتزلة في استخدام سلاح الفلسفة أبو الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام وأبو عثمان الجاحظ( ).
ويرى المفكر الأستاذ الدكتور محمد صالح محمد السيد أستاذ الفلسفة الإسلامية أنه يرجع إلى المعتزلة الفضل في تحديد معالم العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، ويرجع إليهم الفضل أيضاً في تأسيس الحركة العلمية الإسلامية بوجه عام. ذلك لأنهم لم يكونوا فقط رواداً للفكر الديني، بل كانوا رواداً للفكر العلمي في عصرهم، لتمكنهم من دراسة علوم عصرهم، والعصر السابق عليهم، وانتهائهم إلى آراء مبتكرة سبقوا بها عصرهم إلى عصور أخرى لاحقة، ومهدوا بها السبيل إلى مفكرين غيرهم، وأقصد بهم فلاسفة الإسلام. وإذا كانت المعتزلة قد استخدمت العقل منهجاً لها في مجال الأصول الاعتقادية فإنها مدت استخدامه إلى مجالات أخرى، كالأخلاق والطبيعة، وما بعد الطبيعة فساهمت في بناء فلسفة الإسلام في فترة مبكرة -منذ أوائل القرن الثاني الهجري- تميزت بأصالتها وطرافتها، فاستطاعت أن تصمد في مواجهة الحملات التي وجهت للإسلام، وأن تنتصر لمبدأ التوحيد وتعمق مفهوم العدل في نفوس المسلمين، وتشارك بالرأي في حل مشكلات عصرها، كما أخذت على عاتقها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لها دورها في النهوض بالمسلمين ومقاومة الجمود الفكري. وبرغم وضوح مبادئهم وسلامة طويتهم، وحسن نيتهم في الذود عن الإسلام، فقد شنت الحملات ضدهم من قبل خصومهم، وكان مصيرهم في هذا الشأن مصير أكثر رجال الإصلاح، فرموهم بشتى التهم، وطعنوهم من كل جانب، فأجهضوا هذا الحركة في بدايتها( ).
وهناك من مخالفيهم من أنصف معهم وكان ينظر لهم باحترام وتقدير، مثل أبو بكر الخوارزمي (ت383هـ) الذي امتدح الاعتزال البصري ( )، والمقدسي (ت391هـ) الذي كان ينظر إلى الاعتزال كمذهب كلامي لا ينفصل عن مذهب السنة، ويعده أحد المذاهب الأربعة الممتدحة في الإسلام ( )، والغزالي (ت505هـ) عد المعتزلة من أصحاب الاجتهاد في الدين، وكل مجتهد مأجور( )، وغيرهم.
وأما ما حصل من فتنة بمحاولة فرض فكرة عبر السلطة في زمن المأمون والمعتصم، فلم يكن كل المعتزلة فغالبية المعتزلة وهم معتزلة البصرة لم يكونوا مع السلطة، وإنما كان معهم اثنان من معتزلة بغداد، ولا يصح تعميم ذلك لكل المعتزلة، أما ما مورس من أهل الحديث واستخدام السلطة ضد المعتزلة فحدث ولا حرج، لقد أتلفوا كل تراثهم وكتبهم ولم يتبق لنا إلا القليل النادر، وهذا أكبر إرهاب فكري، ولكن الناس تذكر حادثة واحدة لأحمد بن حنبل وتنسى أفعالا أكبر وأعظم حدثت بحق المعتزلة.
ومسألة خلق القرآن ليس كما يظنها المتدين المعاصر بعد أن صورها له الخطاب السلفي بصورة زائفة بعيدة عن سياقها، وإنما جاءت في سياق الدفاع عن الدين ضد أسئلة اليهود والنصاري، ومن أراد أن يفهم المسألة بموضوعية فليقرأ ما كتبه الشيخ محمد أبو زهره في كتابه “أحمد بن حنبل”. فقد شرح المسألة وأبعادها بشكل أدق عما هوله الخطاب السلفي المعاصر. أو ما كتبه فهمي جدعان أو عبدالجواد ياسين فكل تلك الكتابات حاولت أن تظهر السياقات كلها للمسألة.
كان في القرون الأولى من الإسلام علم اسمه “علم الكلام” وهو بتعريف ابن خلدون: “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية”، وبتعريف عضد الدين الأيجي: “علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه”، وأول فرسان هذا العلم هم المعتزلة وربما كانوا آخر فرسانه.
تم صد وهجر هذا العلم والهجوم على أصحابه، ثم تفرغوا للتبديع والتفسيق والتكفير والإكراه وأحكام الردة للمخالف، والانغلاق داخل قوقعة مذهب واحد وغاب ذلك الحجاج العقلي الجميل.
حين كان المعتزلة يناقشون مسائلهم ويطرحون أفكارهم ورؤاهم لم يكونوا يخاطبون الداخل الإسلامي فقط وإنما كانوا يخاطبون الخارج أيضاً، ملاحدة وأديان وفلسفات أخرى، يضعون رؤية في مقابل تلك الأسئلة التي يطرحها الخارج، بينما كان أهل الحديث يخاطبون الداخل فقط ولذا لم يتنبهوا لما يطرح من أسئلة وإشكالات وتناقضات عندهم واستنكروا واستغربوا إجابات المعتزلة.. ليس بالضرورة أن تكون إجابات المعتزلة بتنوعهم صحيحة أو قوية، ولكن تلك المحاولات جعلت الفضاء الإسلامي يفكر ويطور ويراكم التجربة والتفكير، وهذا يوصلنا لمقاربات أقوى.
اليوم يحدث ما يشبه الأمس، من يقرأ ويتابع القراءات والفلسفات المختلفة يحاول أن يقدم إجابات لما استجد من الأسئلة على الدين، ولكن الداخل المتقوقع على نفسه يظن ذلك خروجاً وضلالاً، ولو أنه فتح أذنيه وعينيه على ما يطرح خارج دائرته لعرف قيمة جهود واشتغالات لطالما هاجمها، وأنها في الحقيقة حائط صد يحميه مما هو أكبر.
بعد توسع العالم الإسلامي بشكل كبير في عهد الدولة الأموية وجد المسلمون أنفسهم أمام فرق وأديان كثيرة، زرادشتية ومانوية ومزدكية ويهودية ومسيحية وفلسفات يونانية وغيرها، وكل هؤلاء يضعون أسئلتهم على الدين الجديد الذي بدأ بالانتشار، ولم تكن أسئلة عادية وإنما أسئلة عميقة تحتاج إلى إجابة عقلية قوية، وإلا استطاعوا الحد من انتشار الإسلام، وأوقعوا المجتمعات حديثة العهد بالإسلام في حالة تشتت وشك كبير، هنا تصدى مفكرو المعتزلة بجدارة لتلك الأسئلة، وأصّلوا الأصول ووضعوا المناهج، وتجاوزوا بعض الأفكار الظنية التي كانت متداولة في الساحة الإسلامية، كي ينطلقوا من أرضية صلبة في مواجهة تلك الفرق والأديان، ثم جاءت الفرق الأخرى وصارت معركتها داخلية فقط ومع المعتزلة تحديدا، وبدأوا يلتقطوا تلك القضايا الظنية التي رفضها المعتزلة ليجعلوا منها مثالب وإشكالات وتهم، دون وعي بسياقات تلك الأفكار في مواجهة أسئلة أكبر..
يتكرر اليوم نفس ذلك السياق كله، فبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي انفتح المسلمون على العالم كله، وبدأوا يسمعوا كل تلك الأسئلة الموجهة للإسلام بعد أن كانوا مغلقين في دائرة جدلهم الداخلي، وهناك تصدى مجموعة من المفكرين والباحثين لتلك الأسئلة، وكي ينطلقوا من أرضية صلبة كان لابد من تجاوز الظنون والأوهام التي كانت مدخلاً لمشاغبات كثيرة، وكي يعطوا إجابات في ضوء منهج متسق، لكن كثيراً من شباب الجماعات والطوائف لم يدرك بعد حجم الأسئلة ولا حجم الجهد المبذول، ولا حجم الشكوك التي تسربت بشكل كبير إلى مجتمعاتنا.. ولذا يشاغبون على تلك القضايا الظنية، ويهاجمون كل باحث ومفكر صادق، ويتعامون عن الجهد الكبير الذي يقدمه أولئك في مواجهك تلك الأسئلة وطرح الإسلام كرسالة عالمية تستطيع أن تواجه كل الأفكار والمذاهب.
نقلاً من صفحة الكاتب على فيسبوك
المصدر: يمن مونيتور
كلمات دلالية: الإسلام الدين المعتزلة عبدالله القيسي تلک الأسئلة
إقرأ أيضاً:
موقف النخب الحداثية التونسية من الإسلام السياسي الشيعي
بصرف النظر عن الأصول المشرقية للعديد من السرديات السياسية الكبرى المتنازعة (خاصة السردية الإسلامية بفروعها الإخوانية والوهابية والتحريرية، والسردية القومية بفرعيها الناصري والبعثي)، يبدو أن "المشرق" -باعتباره المقابل الفكري لمرجعية التحديث في السردية البورقيبية، أي سردية الدولة-الأمة التي ترى في تونس أمّة برأسها- قد كان وما يزال يُمثل نقطة تظهر فشل تلك السردية التأسيسية أو على الأقل هشاشتها، وكذلك نقطة محورية في تجذير الانقسامات الداخلية بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين.
فرغم تحرك الجميع "دستوريا" تحت سقف الدولة الوطنية بالمعنى البورقيبي الويستفالي للدولة-الأمة، فإن الانتماء إلى هويات جماعية تتجاوز الانتماء "القُطري" -بالإضافة إلى تأثيرات دول المشرق في الشأن المحلي قبل الثورة وبعدها- هو أمر لا يحتاج إلى برهان.
يلاحظ المتابع للشأن التونسي أن مفهوم "الإسلام السياسي" في السجال العمومي يكاد ينحصر في الدلالة على الإسلام السياسي ذي المرجعية الإخوانية. وهو أمر يمكن ردّه إلى أهمية حركة النهضة بعد الثورة وما، أحدثه دخولها إلى الحقل السياسي القانوني من شرخ بنيوي في ذلك الحقل "اللائكي" والمتجانس من جهة "تحييد" المرجعية الدينية، بل رفضها في إدارة الشأن العام. فهذه الحركة، على خلاف حزب التحرير أو التنظيمات الوهابية العلمية والجهادية، لم تتحرك ضد الحقل السياسي القانوني -مثل التنظيمات الوهابية التي تعتبر الديمقراطية مقولة كُفرية فضلا عن علاقتها المؤكدة بملف الإرهاب- أو على هامشه -مثل حزب التحرير ذي الوزن الشعبي المحدود والعلاقة الملتبسة بالإرادة الشعبية وبنوازع الانقلاب بعد "التمكين"- ولذلك كانت هذه الحركة هي المستهدف الأساسي من "وصم" الإسلام السياسي في استراتيجيتي الاستئصال الناعم والاستئصال الصلب.
لقد حرصت النخب "الحداثية" المهيمنة على وسائل إنتاج المعنى وتداوله بين عموم التونسيين على عدم إدخال التخصيص على عبارة "الإسلام السياسي". فرغم أن حركة النهضة هي حركة إسلامية سنّية، فإن توصيفها بهويتها "الطائفية" سيكون ضرّه أكثر من نفعه على خصوم النهضة، فخيار "العلمنة" لم يستطع فصل الوعي الجمعي التونسي عن تاريخه ومخياله السُّنيين. ولذلك سيكون من المفيد عدم ربط النهضة بالتراث السني الذي تحتكره المؤسسة الدينية الرسمية المتحالفة تاريخيا مع السلطة، أو على الأقل "المدجنة" من طرف الجهاز الأيديولوجي لتلك السلطة في لحظتيها الدستورية والتجمعية.
إن اعتراف السرديات "الحداثية" بالانتماء السُّني لحركة النهضة سينقل السجال العمومي إلى مناطق ليس من مصلحة "القوى الديمقراطية" -أي القوى اللائكية الرافضة لوجود حزب ذي مرجعية دينية- أن تتحرك فيها، من مثل علاقتها الملتسبة بالإسلام السياسي الوهابي ومحور الثورات المضادة، وعلاقتها الأكثر التباسا بالإسلام السياسي الشيعي أو التشيع السياسي والعقدي.
رغم سلبية موقف النخب "الحداثية" من الإسلام السياسي السني انطلاقا من مبدأ الفصل بين الدين والسياسة، بل رغم إصرارهم "نظريا" على أن القضية الفلسطينية هي قضية صراع ضد الإمبريالية وذراعها الوظيفي الصهيوني وليست صراعا دينيا، فإنّ هذا الموقف يتغير بصورة جذرية فيما يتعلق بالإسلام السياسي الشيعي، أو ما تحرص تلك النخب على توصيفه بـ"محور المقاومة". وإذا كان "محور المقاومة" هو محور ما بعد طائفي -بحكم انتماء مكوناته إلى الجناحين السني والشيعي على حد سواء- فإن مساندة "الحداثيين" لهذا المحور ترتبط أساسا بالمكّون الشيعي فيه.
فالبعد المقاوم لحماس -باعتبارها حركة ذات مرجعية إخوانية- لم يشفع لها عند بناء موقف من الانقلاب العسكري المصري الذي اتهم الحكومة المصرية الشرعية -أي إخوان مصر- بالتخابر معها، كما لم يشفع لها في الموقف من النظام الطائفي البعثي في سوريا الذي أغلق مقرات الحركة وأعدم العديد من قياداتها، ولا عندما تصدّرت بعض الأصوات "الحداثية" المحسوبة على "العائلة الديمقراطية" في تونس -مثل رئيسة الحزب الدستوري الحر- لتصنيف حماس، المنتمية لما تسميه بـ"التنظيم العالمي للإخوان المسلمين"، حركة إرهابية.
لقد دفعت المقاومة الفلسطينية -خاصة بعد طوفان الأقصى- النخبَ "الحداثية" إلى "تحييد" موقفها السلبي من الإسلام السياسي السني في تعبيرته "الإخوانية". ولمنع أي مكاسب لحركة النهضة في صورة حصول انفراجة سياسية، كان على تلك النخب "تعويم" التعاطف الشعبي الجارف مع المقاومة الفلسطينية "الإخوانية" في إطار هوية أكبر هي "محور المقاومة"، مع التركيز على الدور المركزي للمكوّن الشيعي فيه.
وقد يكون علينا في هذا الموضع أن نؤكد أنّ موقف النخب الحداثية من "الإسلام السياسي الشيعي" لا يقبل الاختزال في أنه المقابل الفكري للإسلام السياسي السُّني، أو في أنه يمثل حليفا للقوى الرافضة لمشروع "أخونة" الدولة. فعلاقة النخب "الحداثية" بالسرديات الشيعية تجد جذرها في النظام التعليمي ذاته، وفي الموقف "النقدي" من التراث السني باعتباره التراث المهيمن على التاريخ التونسي.
لقد مثّل الشيعة دائما -في السرديات الحداثية- مشاريع ثورة على سلطة الغلبة والقهر، ومشاريع تمرد على الفهم "الزائف" للتاريخ المؤسس للوعي الجمعي السُّني، وهو ما يجعلهم أقرب فكريا إلى المناهج الحداثية المشككة في السرديات السُّنية "الرسمية". كما أن البعد "الثوري" -الحقيقي أو المتخيل- في التراث الشيعي يوفر للنخب "الحداثية" (خاصة اليساريين والقوميين) نوعا من الإشباع النفسي المرتبط بمساندة المقهورين ومنازلة القوى الإمبريالية، وهو إشباع يُغطّي على كل تلك التقاطعات الموضوعية والتحالفات الاستراتيجية مع أعداء المقهورين ووكلاء القوى الامبريالية في محور التطبيع والثورات المضادة، خاصة السعودية والإمارات ومصر.
ولذلك فإن "التشيع السياسي" ليس مجرد خيار سياسي سياقي مشروط بالموقف من "الإسلام السياسي" محليا وخارجيا، بل هو خيار يرتبط -من جهة أولى- بنسق معرفي "حداثي" يتعارض جوهريا مع التراث السني أو على الأقل لا يجد ما يُقنع عقله ويشبع احتياجاته النفسية فيه، كما أنه خيار يرتبط -من جهة ثانية- برهانات ومشاريع سياسية لا يمكن فصلها عن التأثيرات الإقليمية المتداخلة في هندسة المشهد التونسي.
ليس "التشيع السياسي" -وأحيانا التشيع العقدي- في جوهره مجرد مشروع "نخبوي" مقاوم للتسنن السياسي، وليس أيضا مجرد "غطاء أيديولوجي" لمصالح شخصية وقضايا صغرى لا علاقة لها بالقضايا الكبرى، كما يزعم بعض الطائفيين المدافعين عن صفاء/تجانس متخيل للفضاء السني. إن "التشيع السياسي"، رغم تملص النخب "الحداثية" من هذا التعبير الذي يتعارض مع مرجعيتهم العلمانية ويشكك فيها، هو خيار تلتقي فيه النخبة "الحداثية" بالإسلام السياسي الشيعي لكن دون أن تتماهى معه. إنه التقاء "موضعي" لا يمكن أن يحجب التناقضات الفكرية والسياسية العميقة بين طرفيه.
فأغلب النخب التي تدافع عن "محور المقاومة" هي ذاتها النخب التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع عدو المقاومة الأساسي: محور التطبيع. ولكنّ هذه التناقضات يتم تجاوزها والدفع بها إلى خلفية المشهد -سواء في العلاقة بإيران أو بمحور التطبيع- بحكم اتفاق الجميع على معاداة الإسلام السياسي "الإخواني" خارج المقاومة الفلسطينية، كما هو الشأن في سوريا أو مصر أو تونس أو ليبيا. إن تعقد المشهد "المشرقي" فيما يتصل بالقضية الفلسطينية وأهمية المكون الشيعي في محور المقاومة؛ هو واقع كان يجب أن يتحول "نظريا" إلى مناسبة لكسر الاصطفافات الطائفية -بما فيها تلك الاصطفافات الطائفية المُعلمنة في السرديات اليسارية والقومية- ولكنه تحوّل في سرديات التنافي والصراع الوجودي إلى مناسبة أخرى لتأزيم المشهد العام وتعميق انقساماته على قاعدة هوياتية بائسة، وهي قاعدة لا يبدو أن أغلب النخب "العلمانية" و"الإسلامية" في تونس مستعدة للتحرك خارجها في المدى المنظور.
x.com/adel_arabi21