اليوم 24:
2025-03-28@02:49:29 GMT

الفضاء الرقمي بين التفاهة والمسؤولية ورهان المعالجة

تاريخ النشر: 14th, September 2024 GMT

يشهد الفضاء الرقمي اليوم زيادة ضخمة في حجم المحتوى بمختلف أنواعه وأشكاله، حيث يمكن من خلاله لأي شخص الوصول إلى جمهور واسع بسرعة وسهولة، دون الحاجة إلى معرفة عميقة أو خبرة كبيرة، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار المحتوى السطحي على منصات التواصل الاجتماعي، مما يثير تساؤلات حول العوامل التقنية، الاقتصادية، القانونية، والاجتماعية التي تعزز هذه الظاهرة.

وعلى الرغم من أن التكنولوجيا أتاحت الفرصة للجميع للمشاركة، إلا أن هذه المشاركة غالبًا ما تأتي مع ثقة زائدة ومحتوى لا يرتقي إلى المعايير المعرفية أو الذوق العام.

تأثير دانينغ-كروجر ودور الاقتصاد الرقمي

للإحاطة بهذه الظاهرة، يمكن الإشارة إلى تأثير « دانينغ-كروجر »، وهو مفهوم يوضح كيف يميل الأشخاص الذين يمتلكون معرفة محدودة إلى المبالغة في تقدير قدراتهم. هذه الثقة الزائدة تدفعهم إلى نشر محتوى رقمي سطحي وغير مستند إلى أسس معرفية متينة، في المقابل، يميل الأشخاص الأكثر معرفة إلى الشك والتدقيق، مما يقلل من تواجدهم الرقمي.

من جهة أخرى، يلعب الاقتصاد الرقمي دورًا رئيسيًا في هذه الظاهرة، حيث تعتمد منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير على الربح السريع من خلال الإعلانات، وهذا يدفع صناع المحتوى، في بحثهم عن دخل مادي، إلى إنتاج مواد تجذب المزيد من المشاهدات والتفاعل، حتى وإن كانت ذات جودة ضعيفة، هذا التركيز على الانتشار الواسع والسريع غالبًا ما يأتي على حساب المحتوى المفيد والمثمر.

الفضاء الرقمي كامتداد للفضاء العام

وفي نفس السياق نحتاج لفهم الفضاء الرقمي، وذلك بالرجوع إلى مفهوم الفضاء العام الذي طرحه الفيلسوف يورغن هابرماس. في الأصل، كان الفضاء العام يمثل الساحة التي يجتمع فيها الناس لمناقشة القضايا العامة بشكل عقلاني ومنظم ويشكل دائرة تتوسط السلطة والمجتمع، تأثر مع مرور الوقت لعوامل اقتصادية وسياسية. لكن اليوم، في عصر الأنترنت وما تلاها من تطورات تكنولوجية، امتدت هذه الساحة التقليدية إلى فضاء جديد للتواصل والتفاعل وصياغة الرأي العام، وبدوره أصبحت الساحة الرقمية خاضعة لتأثيرات أخرى، مثل الخوارزميات والمصالح الاقتصادية. 

هذه الخوارزميات، التي تدير منصات التواصل الاجتماعي، تفضل المحتوى الذي يولد أكبر قدر من التفاعل، بغض النظر عن جودته. وبالتالي، نجد أن المحتوى السطحي والمثير هو الذي يهيمن على هذه المنصات، في حين يتم تجاهل المحتويات التي تقدم معلومات معرفية أو نقاشات هامة، مما يساهم في تشكيل مزاج ورأي عام بطرق غير صحيحة تعتمد على الإثارة أكثر من المعرفة.

أهمية التنظيم التقني ودور التأهيل والتكوين

وللحد من هذه الظاهرة، هناك حاجة ملحة لتطوير إطار تنظيمي وتقني يحكم الفضاء الرقمي، بجعل هذه الفضاءات شفافة الخوارزميات وتُوجه نحو تشجيع المحتويات ذات الجودة وتثري الفضاء، بدلًا من تلك التي تركز فقط على الانتشار الواسع والسريع دون قيد ولا شرط.

إلى جانب التنظيم التقني، يبقى التأهيل والتكوين أمرًا أساسيًا لتحسين جودة المحتوى الرقمي، ويحتاج صناع المحتوى إلى تطوير مهاراتهم الفكرية والرقمية، ليكونوا قادرين على إنتاج مواد ذات قيمة حقيقية، كمايشمل التأهيل أيضًا تعلم مهارات التفكير النقدي وفهم أخلاقيات الإعلام الرقمي والحقوق والواجبات في هذا الفضاء.

المقاربة القانونية بين الحرية والمسؤولية

كما يحتاج الفضاء الرقمي إلى إطار قانوني ينظم السلوك الرقمي بنفس المقاصد التي تنظم الفضاء العام التقليدي. اذ لا يمكن السماح للممارسات غير الأخلاقية أو المحتويات التي تتسبب في إلحاق الضرر أو التي تحمل مخاطر للأفراد أو المجتمع بأن تكون شائعة في الفضاء الرقمي في حين أنها مجرمة في الفضاء العام. لذلك، هناك حاجة لوضع قوانين تنظم هذه المحتويات بهدف الحفاظ على سلامة الجميع. فالعديد من الدول شرعت في تطوير تشريعات تهدف إلى مكافحة انتشار الأخبار الزائفة والمحتويات المسيئة لعقلنة وتنظيم الفضاء الرقمي. هذه القوانين يجب أن تكون مرنة لتواكب التطورات التكنولوجية السريعة، وأيضًا أن تكون صارمة في التعامل مع التهديدات الرقمية الجديدة. 

في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها الفضاء الرقمي، تبرز الحاجة إلى تنظيم تقني وقانوني يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية. وذلك بتضافر جهود الحكومات، الشركات الكبرى للتكنولوجيا، وصناع المحتوى وفعاليات المجتمع المدني من أجل تعزيز الشفافية في عمل الخوارزميات، والتأهيل المستمر لصناع المحتوى، وتطبيق قوانين صارمة لحماية المتلقي، لجعل الفضاء الرقمي ساحة مثمرة للنقاشات الجادة والمعرفية، تعزز جودة التفاعلات ومساهمة في صياغة حقيقية للرأي العام ودعم لمجتمع المعرفة، وليس فقط ساحة مليئة بالفوضى والإثارة والانتشار الواسع والسريع للتفاهة.

المصدر: اليوم 24

كلمات دلالية: الفضاء الرقمی الفضاء العام هذه الظاهرة

إقرأ أيضاً:

الكنيسة القبطية والتكنولوجيا.. كيف يغيّر العصر الرقمي شكل الخدمة الروحية؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تشهد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تطورًا ملحوظًا في استخدامها للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر تعاليمها وخدمة أبنائها، في ظل التحول الرقمي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية. ومن خلال منصات مثل "فيسبوك"، و"يوتيوب"، وتطبيقات الهواتف الذكية، تسعى الكنيسة إلى الوصول إلى الأقباط في مصر والمهجر، وتقديم محتوى ديني يلائم الأجيال الجديدة.

مع انتشار الإنترنت، أصبحت الكنائس تبث القداسات والعظات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يسمح للمؤمنين بالمشاركة في الصلوات حتى لو كانوا غير قادرين على الحضور الفعلي، وأصبحت صفحات الكنائس الرسمية منصة للتواصل الفعال مع الشعب، حيث يتم نشر جداول القداسات، وتأملات يومية، وأخبار الكنيسة المحلية والعالمية.

كما طورت الكنيسة العديد من التطبيقات الإلكترونية التي تساعد الأقباط على متابعة صلواتهم اليومية، مثل تطبيقات الأجبية الرقمية، وتطبيقات تعلم الألحان القبطية، بالإضافة إلى منصات خاصة لتقديم دروس في العقيدة والكتاب المقدس.

ولم تقتصر التكنولوجيا على نشر العظات والقداسات، بل امتدت إلى التعليم الديني، حيث ظهرت مبادرات لتقديم كورسات لاهوتية أونلاين، يشارك فيها الشباب من مختلف دول العالم، كما أصبح بإمكان الشمامسة والخدام حضور تدريبات عبر الإنترنت دون الحاجة إلى السفر، مما ساهم في توسيع نطاق الخدمة.

ورغم الفوائد الكبيرة، تواجه الكنيسة بعض التحديات في العالم الرقمي، مثل انتشار المعلومات المغلوطة عن العقيدة، وظهور صفحات غير رسمية تنشر محتوى غير دقيق باسم الكنيسة، ولذلك، تحرص الكنيسة على تقديم محتوى رسمي موثوق من خلال قنواتها الرسمية، والتوعية بكيفية استخدام الإنترنت بطريقة صحيحة تتماشى مع القيم المسيحية.

مع استمرار تطور التكنولوجيا، تواصل الكنيسة القبطية البحث عن وسائل جديدة لتطوير خدمتها الرقمية، سواء من خلال تحسين جودة البث المباشر، أو تطوير منصات تفاعلية تتيح للأقباط فرصة أكبر للمشاركة في الحياة الكنسية، مما يعبر عن  رؤية الكنيسة في مواكبة العصر مع الحفاظ على أصالتها الروحية.

مقالات مشابهة

  • 15 ترخيصًا جديدًا لـ ”الري“ في مجال المياه المعالجة ومرافق الخدمة
  • الأزهر يحيل مبروك عطية لجلسة استماع
  • تنظيمات المرتزقة في عصر التفاهة
  • أحمد بن محمد يشهد توقيع تفاهمات بين «دبي للصحافة» وشركاء «صُنّاع محتوى دبي»
  • «طرق دبي» تحصد 3 جوائز عالمية عن التحول الرقمي
  • المراقبة الرقمية تحمي الأطفال من المحتوى الضار
  • أحمد بن محمد يشهد توقيع مذكرات تفاهم لبرنامج "صُنّاع محتوى دبي"
  • مركز حقوقي: الأجدر بالحكومة العراقية فرض رسوم على شركات التواصل وليس صناع المحتوى
  • ليس المهم كيف تنشر.. ولكن كيف تكتب؟!
  • الكنيسة القبطية والتكنولوجيا.. كيف يغيّر العصر الرقمي شكل الخدمة الروحية؟