تحدث رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، اليوم الجمعة، في عبر قناة الـ "أم تي في"، تحت عنوان "بين بشير وسمير"، في مناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد الرئيس بشير الجميّل عن تفاصيل يوم اغتيال الرئيس الجميّل وعن بشير القائد، والأحداث التي رافقت تلك الفترة من تاريخ لبنان.
  يروي جعجع: "كنت في مكتبي في الثكنة، وإذ نادوني للنزول إلى غرفة الإشارة.

لم يكن هناك التطور التكنولوجي الموجود اليوم... نزلت إلى غرفة الإشارة، وكانوا يتواصلون معنا من "المجلس الحربي" عبر الجهاز اللاسلكي. أخبرونا بأن الشيخ بشير كان يعقد اجتماعاً في بيت الكتائب في الأشرفية، ودوّى انفجار كبير في المبنى".   ولفت إلى أنه بعد تلقيه النبأ توجّه فوراً إلى "المجلس الحربي".   وقال: "عند وصولي، وجدت الساحة تعج بالناس ومكتب الشيخ بشير يزدحم بالسياسيين وعلى رأسهم الشيخ بيار الجميّل رحمة الله عليه، ولكن لم تكن هناك معلومات مؤكدة".   وأشار إلى أنه التقى بعد فترة من الإنتظار بصديق له في "الكتائب" يدعى أسعد سعيد الذي أكّد له استشهاد الشيخ بشير بعدما تعرف الأخير على جثمانه في المستشفى من خاتمه.   يؤكد جعجع أن هاجس اغتيال بشير الجميّل كان موجوداً منذ فترة طويلة، حتى قبل انتخابه رئيساً، منذ أن افتدته ابنته مايا.   وأوضح أن "الشيخ بشير كان لديه هذا الهاجس، ولذلك شكّل فريقاً أمنياً خاصاً لحمايته".   ورداً على سؤال عمّا إذا كان اغتيال بشير هو السبب في اتخاذه الحيطة الأمنيّة، اشار الى أن اغتيال بشير لم يكن الهاجس الأمني الوحيد لديه لاتخاذ كل هذه الإجراءات. وقال: "صحيح أن اغتيال الشيخ بشير شكّل هاجساً أمنياً بالنسبة لنا، ولكنه ليس الوحيد، باعتبار أنه منذ الشيخ بشير مرورا بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً إلى اللواء وسام الحسن الذي كان رجلاً أمنياً، كلها مجتمعةً تدفعنا إلى اتخاذ الحيطة الأمنية اللازمة، باعتبار أننا في مواجهة أطراف من الممكن في أي وقت أن تقدم على الاغتيال لأهداف سياسية. لذلك المسألة بحاجة إلى احتياطات كبيرة".

ويروي جعجع كيف كانت بدايته مع بشير الجميّل في السبعينيات عندما كان من القاعدة الكتائبية ولم يكن في موقع قيادي بارز.   التقى بشير لأول مرة في اجتماعات عامة في الحزب.   وقال: "الشيخ بشير كان يحضر اجتماعات عادية بالرغم من كونه نجل مؤسس حزب الكتائب"، لافتاً إلى أن العلاقة تطورت تدريجياً بعد حرب الكورة في العام 1976، حيث عُيّن قائداً لـ"ثكنة دده" وبدأ يحضر اجتماعات عسكرية رسمية برئاسة بشير.   يشير جعجع إلى أن بشير الجميّل كان يتميز بجرأة كبيرة في اتخاذ القرارات، حتى تلك التي كانت تتطلب تضحية شخصية، ويشدد على أن "بشير اتخذ الكثير من القرارات التي لم تكن في مصلحته الشخصية"، معتبراً أن "واحدة من المشاكل الأساسية التي يعانيها لبنان اليوم هي غياب الجرأة لدى المسؤولين في اتخاذ القرارات الصعبة". بحسب جعجع، كان بشير شخصاً يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، من دون أن يفكر بالسياسة أو تأثير القرارات على صورته الشخصية. وفي سياق آخر من المقابلة، تطرق جعجع، ردا على سؤال عما إذا كان يفصل ما بين بشير كشخص وانتمائه إلى عائلة سياسيّة تقليديّة باعتبار أنه كان ولا يزال ثائراً على العائلات السياسيّة التقليديّة، قال: "لم أكن أؤيد الزعماء التقليديين الذين يرعون مصالح عائلاتهم فحسب".   وأضاف: "إن حزب الكتائب لم يكن يمثل عائلة سياسية تقليدية في بداياته مع بيار الجميّل الجد. فقد كان أقصى اهتمامه هو الشأن العام، وأكبر دليل على ذلك، أنه بدأ عمله السياسي في العام 1937 في قتال الانتداب الفرنسي على لبنان. في حين أن العائلات السياسية التقليدية لا تقاتل انتداباً ولا تقاتل أحداً".   وأكّد: "العائلات السياسية التقليدية تمشي بركاب الانتداب إذا كان موجوداً، ولحظة رحيله يشتمونه. آل الجميّل عندما انضممنا الى حزب "الكتائب" لم يكن طابعهم طابعاً عائلياً تقليدياً. هذا بما يتعلق ببيار الجميّل الجد، وهنا أفصل هذا الأمر كلياً عمّا عاد وحصل لاحقاً، باعتبار أن هذا بحث آخر. أما بالنسبة لبشير الجميّل، فهو أساساً كان ثائراً على العائلات التقليدية".   تابع: "لذا لم أجد نفسي في أي لحظة في حالة انفصام مع ذاتي، بمعنى أنني ضد العائلات التقليدية في بشري بينما أنا مع عائلة تقليدية في لبنان، باعتبار أنني لم أكن أصلاً مع عائلة تقليدية. كنت مع أفراد من عائلة تقليدية، ولكنهم يتصرفون بكل ما هو مغاير للتقليد".

وحول ما إذا كان، في حينه، جناحان داخل حزب "الكتائب"، جناح يمثل بشير الجميّل وآخر يمثل بيار الجميّل الجد وأمين الجميّل، نفى جعجع ذلك وأكد أن بيار الجميّل كان دائماً على علم ودراية بما يقوم به بشير.

وقال: "في حقيقة الأمر، لو لم يكن بيار الجميّل راضياً، لا بل موافقاً على ما يقوم به بشير، لكان أوقفه منذ اللحظة الأولى. وهنا جدياً لا أدري ما إذا كان وصول الرئيس أمين الجميّل نائباً في المتن وراءه بيار الجميّل او قرر أمين ذلك شخصياً أو أن هذا الأمر أتى ضمن إطار التسلسل الطبيعي للأمور. لا أدري ولا أريد الحكم على أمور أجهلها. ولكن ما أدركه هو أنه يجب ألا تظن للحظة واحدة أن بشير الجميّل كان يمرّر خيط قطن واحدا من دون معرفة بيار الجميّل الجد. الأخير كان يتظاهر أمام الجميع بأن لا دراية له بما يحصل، لأنه طيلة حياته السياسية كان يعمل بنمط مختلف عن بشير. ولكن يمكنني أن أؤكد أنه كان دائماً على علم ودراية بما يقوم به بشير. لذا ما يمكن أن نقوله إنه كان هناك نمطان في العمل: نمط بشير ونمط أمين، وشاءت الظروف أن يكون بيار الجميّل والد الاثنين، وبالتالي هنا تصرّف كأب أكثر مما تصرّف كرئيس للحزب".

وأكد جعجع انه بعد استشهاد بشير، كانت المدرسة القديمة في حزب الكتائب ما تزال متحكمة. وبيّن أن هذا كان السبب الذي دفع بشير لتأسيس "القوات اللبنانية"، حيث شعر أنه لم يعد بإمكانه التعايش مع الحرس القديم. ورغم محاولات جعجع ورفاقه البقاء داخل الحزب، إلا أن المدرسة القديمة كانت أقوى، ما دفعهم للتركيز على "القوات اللبنانية".   وقال: "لا يمكن أن أقول إننا حوربنا، ولكن يمكن أن أقول إن المدرسة القديمة في حينه كانت متحكمة بشكل كبير بحزب "الكتائب". في الأحوال كافة، هذا هو السبب الذي دفع بشير الجميّل إلى إنشاء "القوات اللبنانية"، التي كان من المفترض أن تكون "مجلس الأمن" في حزب "الكتائب اللبنانية" أو القوى النظامية في الحزب. كان من المفترض أنه بدلا من أن يكون هناك "القوات اللبنانية"، أن تكون هناك القوى النظامية في حزب "الكتائب". الشيخ بشير أسس "القوات اللبنانية" لأنه شعر، بالرغم من كل قوته ومحبة الآخرين له، حتى داخل الحزب، بأنه لم يعد باستطاعته التعايش مع المدرسة القديمة ومع الحرس القديم الذي في الحزب. فكم بالحري عندما استشهد بشير الجميّل، كيف لهم أن يقبلونا نحن. بقينا موجودين، والمعركة التي حاولنا القيام بها داخل حزب "الكتائب" لم يقم بها الشيخ بشير وفضّل الذهاب إلى "القوات اللبنانية". نحن حاولنا باعتبار أننا في حينه أصبحنا أقوى. وبخلاف ما يعتقد البعض، فنحن قلنا يومها بما أن لدينا "القوات" و"الكتائب" كانت موجودة وبشكل وازن ونحن جميعاً كتائبيون مخضرمون، لماذا لا نحاول بدل أن نخلي الساحة؟ حاولنا، إلا أن المدرسة القديمة كانت أقوى منا".

ويعتبر جعجع أن بشير الجميّل لو بقي على قيد الحياة لكان رئيساً مختلفاً عن كل من سبقوه.   تابع: "بشير كان يملك جرأة اتخاذ القرار، وكان يريد بناء دولة سيادية حقيقية".

ويؤكد جعجع أن بشير كان لينجز نسبة كبيرة من الأهداف التي كان يسعى لتحقيقها، حتى لو واجه عوائق سياسية.

وقال: "يمكن "ما يخلوك" بنسبة 5%، 10%، أو 20%. وإن قاموا بذلك، عليك أن تجد السبيل لتتخطى الصعوبات والأشخاص الذين يعرقلونك. ولكن في كل الأحوال، هؤلاء جماعة "ما خلونا". إذا كان صحيح أنهم "ما خلّوهم" في ملف الكهرباء، فلماذا أصرّوا دائما على هذه الحقيبة؟ ولماذا يكملون عملهم السياسي اليوم؟ هذا بحث آخر، ولا نريد أن نتحول من الكلام الجدي إلى المزاح، باعتبار أن هؤلاء مزحة قبالة ما كنا نتكلم عنه".   وأكّد: "بشير الجميل تصدى للكثير من الأمور التي عرقله فيها كثيرون، وكان يُحارب في بعض الأحيان من داخل حزب "الكتائب اللبنانية". يمكننا القول إن بشير الجميّل كان أكثر شخص يمكنه قول "ما خلونا" وبكل راحة ضمير وسهولة، إلا أنه كان يقوم بمئة محاولة ومحاولة من أجل الالتفاف حول المصاعب والمشاكل وحول من يعارضه، من أجل الوصول إلى مبتغاه. وهذا هو القائد الفعلي. ومن المؤكد أن فترة حكمه كانت لتكون مختلفة تماماً عن كل ما رأيناه سابقاً وحالياً. السبب الأساسي لذلك هو أنه شخص لديه الجرأة في اتخاذ القرار".   وأوضح: "توجهه السياسي كان واضحاً، وكان يريد قيام دولة سيادية، وليس دولة "خنفشارية"، أبوابها مخلوعة يدخلها من يشاء ويخرج منها من يشاء. أما بالنسبة للنظافة والاستقامة، فبمجرد انتخابه رئيساً، وقبل استلامه مقاليد الحكم، انتظمت الإدارة اللبنانية. هذا على صعيد مشروعه السياسي. أما بالنسبة لمسألة الترجمة الفعلية، فقد تبين لنا أنه مختلف تماماً. أي شخص غير بشير الجميّل، وفي تلك الظروف ما بين العامين 1975 و1982، لم يكن ليتمكن من اجتياز كل ما اجتازه بشير وفي تلك الأوضاع".   وإعتبر:"هناك الكثير من الملفات التي لا أريد العودة إليها، ولكن على سبيل المثال، ليس هناك من ثورة اندلعت بأقوى مما اندلعت فيه الثورة السورية، إلا أنها تشرذمت ولم يستطع أي طرف الاتفاق مع الآخر، وتفتتت إلى مئات الأجزاء. إلى حد أنه كان من الممكن لهذه الثورة أن تكون الأكبر في القرن الـ 21 لتخلّص السوريين أنفسهم و"يخلّصونا" معهم. إلا أننا رأينا إلى ماذا انتهت. بشير الجميّل كان في وضع لا يُحسد عليه أبداً، ورأينا جميعاً ما تمكن من القيام به. لذا، من المؤكد أن بشير كان ليكون رئيساً لديه جرأة اتخاذ القرار. عندما يكون لديك رئيس يتخذ قراراً معروف الاتجاه، عندها يجب ألا تخاف أبداً. صحيح أنه من الممكن ألا يتمكن من إنجاز كل ما يريده، إلا أنني متأكد من أنه كان لينجز ما يزيد عن 50% مما كان يريد القيام به. ونحن كنا لنرضى بـ 20% فقط مما كان يريد القيام به".

وأكد جعجع أن العقبة الأكبر أمام السيادة اللبنانية اليوم هي "حزب الله"، الذي يسيطر على أكثرية الطائفة الشيعية. رغم ذلك، يرى جعجع أن الحلول السياسية لا تزال ممكنة. وقال "لو بقي بشير على قيد الحياة، لما كان هناك "حزب الله"، ولما كان هناك أي تنظيم مسلح آخر".

أما بالنسبة لقضية حبيب الشرتوني، المدان باغتيال بشير الجميّل، فقال جعجع: "فتح الملف وحوكم، ولكن المشكلة الأساسية هي نظام الأسد الذي كان وراء الاغتيال". جعجع أضاف أن الشرتوني ربما يقضي وقته في سوريا اليوم، حيث لا يمكن للقوى الأمنية اللبنانية أن تصل إليه.

ويصف جعجع علاقته بالشيخ بشير بأنها كانت عادية قبيل فترة استشهاده، مشيراً إلى وجود خلاف حول "حاجز البربارة" أثر على العلاقة. وقال: "العلاقة لم تكن في أحسن حالاتها، ولكنها كانت عادية".

ويرى جعجع أن بشير الجميّل لا يزال حياً في "القوات اللبنانية"، وأن الحزب لا يزال يواجه  التحديات ذاتها التي كان يواجهها بشير، بما في ذلك التنظيمات المسلحة ومحاولات الهيمنة الخارجية.

وقال: "القوات" لا تزال تواجه المشاكل عينها العقبات ذاتها التي واجهها بشير. كان هو يواجه التنظيمات المسلحة الفلسطينية، في حين أن لدينا نحن اليوم "حزب الله" الذي هو أصعب لسبب بسيط، وهو أن أولئك كانت نقطة ضعفهم كبيرة في عصب وجودهم، باعتبار أنهم غرباء وموجودون على الأراضي اللبنانية. في حين أن "حزب الله" لبناني. الصعوبة الثانية كانت سوريا ومحاولاتها للهيمنة على لبنان، أما الآن فجل ما في الأمر أنها استبدلت بإيران، التي هي أكبر بكثير من سوريا وأذكى بكثير في تصرفاتها من سوريا. لا نزال في مواجهة الوضعية نفسها، ونواجه بالطريقة نفسها التي كان يواجه بها بشير. لذا يمكنني القول وبشكل مؤكد إن "بشير حي فينا". أما لناحية الدولة والتصرفات تجاه الدولة، فالجميع يعلمون ما هو موقف "القوات" من الفساد وكيف هي ممارساتها في الشأن العام، والوزارات والنيابات وفي الأماكن التي توجد فيها. لذا "بشير حي فينا" من النواحي كافة، وأكثر من أي وقت مضى، لأنه وللأسف، بعد 42 عاماً على استشهاد بشير الجميّل، لا نزال نواجه، ولو بأسماء وأوجه مختلفة، الصعوبات ذاتها،  والقضايا ذاتها التي كان يواجه".

في الختام، شرح جعجع شعار "الغد لنا" الذي يرفعه حزب "القوات اللبنانية" والذي بالشكل يناقض شعار "مات الحلم" الذي رفع عقب استشهاد بشير، قال: "في تلك اللحظة، كان هذا شعورنا جميعاً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل بعدها. يومها كان الحلم يتجسد ببشير الجميّل، ولكن لا يمكننا أن نبقى في الماضي. علينا أن نقوم بلملمة جراحنا ووجعنا ونستمر، لكي نحاول تحقيق الحلم من جديد. وهذا ما قامت به مجموعة كبيرة من الرفاق في "القوات اللبنانية". هناك مجموعة رحلت مع زوال الحلم في رأيها، وتركت "القوات"، ولكننا اخترنا نحن الاستمرار لكي نعيد الكرّة في محاولة تجسيد الحلم. وأنا أعتقد أن بشير من المكان الذي هو فيه الآن سيكون فخوراً جداً بـ "القوات" الموجودة في الوقت الراهن، لأنها تماماً كما كان يريدها أن تكون، وكما كان يأمل أن تكون، وكما كان يتصورها. وفي المشروع السياسي ذاته وفي الاتجاه والممارسات"، موضحاً أن الغد هو لجميع اللبنانيين الذين يسعون لبناء دولة تحترم الدستور والقوانين. "وإذا لم نلتزم هذه الأمور، فلن يكون لدينا بلد".

المصدر: لبنان ٢٤

كلمات دلالية: القوات اللبنانیة المدرسة القدیمة أما بالنسبة الشیخ بشیر فی اتخاذ حزب الله کان یرید بشیر کان التی کان أنه کان جعجع أن إذا کان أن تکون ل بشیر کان من إلى أن لم یکن إلا أن

إقرأ أيضاً:

ما الصلاة التي يجوز فيها ترك القبلة؟ عالم أزهري: في هذه «الصلوات فقط»

هل استقبال القبلة من واجبات الصلاة؟ استقبال القبلة شرط في صحّة الصلاة، وقال الله تعالى: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (البقرة: 144).

الديليل استقبال القبلة في الصلاة من السُّنَّة
عن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه: «أنَّ رجلًا دخَلَ المسجدَ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ في ناحيةِ المسجدِ، فصلَّى ثم جاءَ فسَلَّم عليه، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وعَليكَ السَّلامُ، ارجِعْ فصلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ، فرجع فصلَّى، ثم جاء فسَلَّم، فقال: وعَليكَ السَّلامُ، ارجِعْ فصلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ، فقال في الثانية، أو في التي بعدَها: عَلِّمْني يا رسولَ الله، فقال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأَسْبِغِ الوضوءَ، ثم استقبلِ القِبلةَ فكبَّر... ».


عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، قال: لَمَّا دخَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم البيتَ، دعا في نواحيه كلِّها، ولم يُصلِّ حتى خرَج منه، فلمَّا خرج ركَع ركعتينِ في قُبُل الكَعبةِ، وقال:«هذه القِبلةُ»


عنِ البَراءِ بن عازبٍ: «أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجدادِه - أو قال: أخوالِه - من الأنصارِ، وأنَّه صلَّى قِبلَ بيتِ المقدسِ سِتَّةَ عَشرَ شهرًا، أو سَبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان يُعجِبُه أن تكونَ قِبلتُه قِبلَ البيتِ، وأنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ صلَّاها صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممَّن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ مَسجدٍ وهم راكعون، فقال: أشهدُ باللهِ لقدْ صَليتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قِبلَ مَكَّةَ، فدَاروا كما هم قِبلَ البيتِ... ».


ما الصلاة التي يجوز فيها ترك القبلة؟

أكد الدكتور يسري جبر، من علماء الأزهر الشريف، أن ما ورد عن سيدنا عبد الله بن عمر في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء رحلاته الطويلة، حيث كان سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستغل أوقات السفر الطويلة في العبادة، حيث كان يصلي النوافل على راحلته، سواء كان يركب الجمل أو الحمار أو الفرس.

وأوضح العالم الأزهري، خلال حلقة برنامج “اعرف نبيك”، أن هذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ملزمًا باتجاه القبلة في صلاة النفل، لأن اتجاه القبلة يتحدد بناءً على اتجاه راحلته.

وأضاف أن هذا الاستثناء في صلاة النافلة لا ينطبق على الصلاة المفروضة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقف الركب كله عندما يحين وقت الصلاة، ثم ينزل ليصلي من قيام، متوجهًا نحو القبلة، مشيرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ييسر الصلاة للمسافرين، حيث كان يصلي ركوعًا وسجودًا بإيماء في صلاة النفل، دون أن يلمس الراحلة أثناء السجود، مما يعكس التيسير والمرونة في تعاليم الإسلام.

وفيما يخص الصلاة المفروضة، قال الدكتور يسري جبر، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا يجمع بين صلاتي الظهر والعصر أو المغرب والعشاء في السفر، إما تقديمًا أو تأخيرًا، مع قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، تيسيرًا على الأمة في السفر.

سنة صلاة الجمعة البعدية في المسجد أم البيت؟.. ماذا فعل حضرة النبي؟دار الإفتاء توضح أماكن لا يجوز فيها الصلاة وأسباب المنع الشرعي

حكم صلاة المسافر في وسيلة المواصلات
 

قالت دار الإفتاء، إنه أجمع الفقهاء على أنه يجوز للمسافر أن يصلي صلاة النافلة على الراحلة حيثما توجهت به؛ والدليل على ذلك قول الله تعالى: «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» [البقرة: 115]… وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "نَزَلَت في التطوع خاصةً". وقد عمَّم الجمهور ذلك في كل سفر، خلافًا للإمام مالك الذي اشترط كون السفر مما تُقصَر فيه الصلاة.

وتابعت: أما الصلاة المكتوبة فلا يجوز أن تُصَلَّى على الراحلة من غير عذر بالإجماع.. قال العلامة ابن بطال في "شرح البخاري" (3/ 90، ط. مكتبة الرشد): [أجمع العلماء أنه لا يجوز أن يصلي أحد فريضةً على الدابة من غير عذر] اهـ. فإن استطاع المكلَّف أداء الفريضة على الراحلة مستوفيةً لأركانها وشروطها -ولو بلا عذر- صحت صلاته عند الشافعية والحنابلة وعند المالكية في المعتمد عندهم.


وواصلت: قال الحنابلة: وسواء أكانت الراحلة سائرة أم واقفة، لكن الشافعية قيدوا ذلك بما إذا كان في نحو هودج وهي واقفة، وإن لم تكن معقولة، أما لو كانت سائرة فلا يجوز؛ لأن سيرها منسوب إليه.. وقد عدَّد الفقهاء الأعذار التي تبيح الصلاة المفروضة على الراحلة؛ فمما ذكروه: الخوف على النفس أو المال من عدو أو سبع، أو خوف الانقطاع عن الرفقة، أو التأذي بالمطر والوحل، غير أن الشافعية أوجبوا عليه الإعادة؛ لأن هذا عذر نادر. وفي معنى ذلك: عدمُ القدرة على النزول من وسيلة المواصلات للصلاة المكتوبة مع فوات وقتها إذا لم يُصلِّها المكلَّفُ فيها.


وأكملت: وعلى ذلك فالمسافر في وسائل المواصلات -من سيارة وطائرة وقطار وغيرها- بين حالين:


 إما أن يكون متاحًا له في وسيلة المواصلات التي يسافر بها أن يصلي فيها قائمًا متجهًا إلى القبلة مستكملًا أركانَ الصلاة وشروطَها، فالصلاة حينئذ صحيحة عند الجمهور بشرط أن تكون وسيلة السفر واقفة، وهي جائزة عند الحنابلة (الصلاة) مع كونها سائرة أيضًا، ولا مانع من الأخذ بقولهم عند الحاجة إليه إذا لم يمكن إيقاف وسيلة السفر.


وإما أن يكون ذلك غير متاح، كأن لا يكون فيها مكان للصلاة مستوفيةً لأركانها ولا حيلة للمكلَّف إلا أن يصلي قاعدًا على كرسيه مثلًا، وإذا انتظر حتى ينزل من وسيلة السفر فإن وقت الصلاة سينقضي أو سيفوته الركب، فإذا كانت الصلاة المكتوبة مما يُجمَع مع ما قبلها أو مع ما بعدها فالأفضل له أن ينويَ الجمع -تقديمًا أو تأخيرًا- ويصليها مع أختها المجموعة معها عند وصوله؛ عملًا بقول من أجاز ذلك من العلماء، أما إن كانت الصلاة مما لا يُجمَع مع غيرها، أو كان وقت السفر يستغرق وقتي الصلاتين كليهما، فحينئذٍ يتحقق في شأنه العذر في الصلاة في وسيلة المواصلات على هيئته التي هو عليها، ولا حرج عليه في ذلك، ويُستَحَب له قضاء هذه الصلاة بعد ذلك؛ خروجًا من خلاف الشافعية في ذلك.

متى يسقط استقبال القبلة؟

استثنى من ذلك العلماء ثلاث حالات، يسقط فيها وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وتصح الصلاة فيها لغير القبلة.

أولها: إذا كان المسلم عاجزًا، مريض وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة ، فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال.

واستندوا في ذلك بلقوله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم » التغابن/16 ، وقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا » البقرة/286 ، وكذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رواه البخاري (7288) ومسلم (1337).

الحالة الثانية: هي إذا كان في شدة الخوف كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من سيل يغرقه، فهنا يصلي حيث كان وجهه، ودليلهم قوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» (البقرة:239).

وقوله: « فَإِنْ خِفْتُمْ» عام يشمل أي خوف، وقوله: « فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» يدل على أن أي ذِكْرٍ تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه، ومن ذلك: استقبال القبلة، ويدل عليه أيضًا ما سبق من الآيتين الكريمتين، والحديث النبوي في أن الوجوب معلق بالاستطاعة.

الحالة الثالثة: تكون في النافلة في السفر سواء كان على طائرة أو على سيارة، أو على بعير فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل : الوتر، وصلاة الليل ، والضحى وما أشبه ذلك.

والمسافر ينبغي له أن يتنفل بجميع النوافل كالمقيم تمامًا إلا في الرواتب، كراتبة الظهر، والمغرب ، والعشاء ، فالسنة تركها، فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر فليتنفل حيث كان وجهه، ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

مقالات مشابهة

  • جعجع يرفض منح «وزارة المالية» لـ«الثنائي الشيعي»: نرغب بالمشاركة في الحكومة
  • أمريكا تضغط لإقصاء حزب الله من الحكومة اللبنانية..ما السبب؟
  • ما الصلاة التي يجوز فيها ترك القبلة؟ عالم أزهري: في هذه «الصلوات فقط»
  • وزير الخارجية في لقاء مع «جعجع»: نثق في تكاتف جميع الأطراف اللبنانية لتجاوز المرحلة الدقيقة
  • رويترز: خط أحمر أميركي على مشاركة حزب الله بالحكومة اللبنانية
  • ضغوط أمريكية لمنع حزب الله من تسنم وزارة المالية اللبنانية
  • طلاب المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام أي قرار يستهدف حقوقنا
  • مُسيّرة لحزب الله تجتاز الحدود اللبنانية للمرّة الأولى منذ وقف النار
  • الأطفال يسألون لماذا خلق الله بعضنا فقراء وبعضنا أغنياء؟ الإمام الأكبر يجيب
  • الجميّل استقبل رئيس الجامعة اللبنانية