الواقع الثقافي الراهن للتراث السوري المادي واللامادي.. حلب أنموذجاً
تاريخ النشر: 11th, August 2023 GMT
حلب-سانا
لطالما تميزت سورية بآثار مدنها التي عكست حقباً تاريخية متعددة على مر العصور، وقدمت هوية شعبها للعالم ومنها مدينة حلب التي شغلت حيزاً ضمن التراث الإنساني العالمي بشقيه المادي واللامادي كقبلة جذبت علماء الآثار والمفكرين للبحث في ثنايا كنوزها الثقافية والتراثية، والتي تعد من أقدم المدن المأهولة بالتاريخ.
الباحث والمؤرخ محمد قجة وخلال ندوة تراثية بعنوان (الواقع الثقافي الراهن للتراث الثقاقي السوري المادي واللامادي.. حلب أنموذجاً) احتضنها مسرح دار الكتب الوطنية بحلب، تحدث عن ماهية مفهوم التراث المادي واللامادي، وماهية العولمة، وعناصر التراث بشكل عام ومنها الثقافات المتنوعة، والآثار، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات والطقوس الدينية، والاحتفالات الاجتماعية والدينية، ومعارف السكان الأصليين، والفنون والحرف والموسيقا، والمعتقدات السياسية والإيديولوجية، والتقاليد العلمية، واللغة، والرياضة، والحكايات الشعبية.
واستعرض قجة أبرز معالم العمارة في مدينة حلب والمدن العربية والعالمية التي قام بزيارتها وكانت شبيهة بالطراز المعماري لمدينة حلب، وأهم المخطوطات العربية وتوزعها في أنحاء العالم، والكتب الأثرية وأهميتها العلمية والمعرفية.
وبيّن الباحث قجة أن على عاتق الخبراء في مجال التراث بجوانبه كافة نقل صورة وكنوز هذا الإرث الإنساني إلى المهتمين محلياً وعالمياً، في سعي للحفاظ عليه بظل التحديات الراهنة، وإظهار قيمته كهوية وطنية تميز البلاد.
وقدم الباحث الدكتور محمد عبد المحسن عرضاً لأهم المأثورات الشعبية الحلبية التي ساهمت بصيانة التراث بشقيه المادي واللامادي، موضحاً أن للمواطنة حيزاً واسعاً وكبيراً في الأدب الحلبي، وأهم ما يميز مدينة حلب المآثر الشعبية التي حفظها أهالي حلب ويتم تداولها حتى الوقت الحاضر.
وبيّن مدير مؤسسة أرض الشام المنظمة لسلسلة الندوات التراثية في المحافظات باسل الدنيا أهمية العمل التشاركي ضمن خطة ممنهجة على موضوع الهوية الثقافية السورية، والانطلاق إلى المحافظات التي طالتها الحرب، وأثرت على تراثها الثقافي المادي واللامادي، وتسليط الضوء على الواقع الثقافي الراهن لكل مدينة سورية.
تضمنت الأمسية أيضاً تكريماً لأبرز الشخصيات العاملة في التراث بحلب منهم الباحث والمؤرخ محمد قجة والباحث محمد حسن عبد المحسن والدكتور أحمد زياد محبك والممثل المسرحي نديم شرباتي والأديب والروائي محمد أبو معتوق والباحث الأثري عبد الله حجار.
أوهانيس شهريان
المصدر: الوكالة العربية السورية للأنباء
إقرأ أيضاً:
سوريا اليوم: عناصر لقراءة سوسيولوجية- تاريخية حول الراهن
عندما نراجع الأحداث المستجدة على الساحة السورية يتضح أن الانهيار المفاجئ لنظام الأسد قد خدم هيئة تحرير الشام وتركيا، ولكن بصورة وقتية وقد تكون عابرة. مسارعة الكيان بتدمير البنى التحتية والمقدرات العسكرية لمنظومة الدفاع السابقة، بقطع النظر عن أي تفسير أو تأويل لأسبابها أو مبرراتها، وكذلك قرار الاستغناء عن الجيش الوطني السابق برمته والاعتماد فقط على قوات هيئة تحرير الشام الفاقدة على ما يبدو لأي لقدرات دفاعية جوية أو قدرات قتالية جدية على الأرض، جعلت سوريا عزلاء وعارية أمام هجومات جيش الكيان وتوسعه داخل أراضيها وتعمده إذلالها، بل العمل على تقسيمها مسنودا في ذلك بضوء أخضر من القيادة السياسية الأمريكية (وليس بالضرورة قيادة الجيش). وعلاوة على تحدي حكم الشرع وتهديده، يعمد الكيان إلى تهديد الوجود العسكري التركي بسوريا ويقرر منع أي خطر يتأتى منه من خلال تدمير القواعد والمطارات العسكرية السورية حتى لا يستعملها الجيش التركي، كما يوجه وزير حربه إنذارا صارما إلى أردوغان.
هذه المعطيات الموضوعية تفيد بأن التطورات السورية المتسارعة أوقعت كلا من سلطة هيئة تحرير الشام وتركيا في ورطة، وأن الوضعية حبلى بالتوترات والمخاطر. فمن ناحية لا نتوقع أن تخاطر تركيا بالزج بمقدراتها العسكرية بما فيها صواريخ S400 الروسية والطائرات من كل صنف في مجابهة قاسية وربما خاسرة مع الكيان؛ المتوفر على أحدث التكنولوجيات العسكرية الأمريكية وفي رهان غير حيوي وإن كان هاما كإقامة قواعد في سوريا.
المعطيات الموضوعية تفيد بأن التطورات السورية المتسارعة أوقعت كلا من سلطة هيئة تحرير الشام وتركيا في ورطة، وأن الوضعية حبلى بالتوترات والمخاطر
وبالنسبة لسوريا، فمما يعزز وضعية المأزق والعجز عن مجابهة العدوان ضعف مقومات الصلابة الضرورية للجبهة الداخلية، ذلك أن مقاربة النظام الجديد عجزت حتى الآن عن استيعاب تنوع واختلاف مكونات المجتمع السوري والتعاطي المطلوب وطنيا مع تنوع واختلاف مكونات المشهد السياسي السوري، وهو أمر غير مستغرب باعتبار ماضيه القريب. هذا ما عبر عنه الإعلان الدستوري المؤقت المعلن بعد مؤتمر وطني صوري ووجد تجسيده في تركيبة حكومة أريد منها أن تظهر كتنازل لمطلب التنويع بالانفتاح على التكنوقراط أو المستقلين؛ ولكنها في الصميم خاضعة بالكامل للتوجه السياسي لهيئة تحرير الشام ومجموعة حكومة إدلب، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك ما لم توجد إرادة حقيقية لتشريك مختلف القوى المعارضة أو أبرزها في تصور المستقبل وإدارة الشأن السوري. وعليه فالتعلل بحداثة عهد النظام الجديد وهو الذي توفرت له فرصة التشريك الفعلي للفعاليات السياسية الديمقراطية الليبرالية التي كانت في معارضة نظام الأسد؛ يصبح محض تبرير مرفوض للانفراد بالقرار.
تقديرنا أن المصلحة الوطنية السورية (إلى جانب مصلحة الأمتين العربية والإسلامية) تقتضي الإقدام على حوار وطني واسع ومعمق حول مبدأ القبول بقدر من اللامركزية في الحكم، بما لا يتعارض مع وحدة السلطة الوطنية ووحدة الدولة، كما تتطلب الاعتراف بحقوق الأقليات القومية والدينية وتمثيلية التيارات والأطراف السياسية.
الغريب والمفارقة أن حكومة الشرع تتصرف تماما كما كان يفعل نظام البعث مع هذه المسألة، أي بفرض تحكم عصبية حزبية- عسكرية في إدارة البلاد وإقصاء من يختلف عنها أو معها.
والطريف في الأمر أن التنوع والاختلاف في ظل سلطة الدولة الواحدة كان هو القاعدة منذ استقر الأمر للإسلام، سواء في بلاد الشام أو غيرها حتى الحقبة المعاصرة، حيث كان المجتمع الأهلي يدير الكثير من شؤونه بعيدا عن التدخل اليومي لأجهزة للدولة، وكانت مكوناته القومية أو القبلية والدينية والمذهبية تتمتع باستقلالية واسعة في حياتها الاقتصادية والثقافية والفكرية وحتى التحكيم في خلافاتها باللجوء إلى العرف أو إلى الشريعة. بعبارة أخرى، فإن الدولنة والمركزة المفرطة ظاهرة حديثة، وهي تجسيم لأنموذج الدولة القومية التي أنتجها التطور الأوروبي وفي المقدمة النموذج اليعقوبي الفرنسي إلى جانب النماذج المتفرعة عنه واللاحقة له، كالشيوعية والفاشية في الغرب وكسلطة الدولة القومية و"الوطنية" (القُطرية) والإسلاموية في العالم الإسلامي المعاصر.
المطلوب موضوعيا وبعد انهيار النظام البعثي وانكشاف هشاشة الوضع الداخلي والخارجي؛ هو استخلاص درس التاريخ المعاصر، وذلك بإقامه بناء وطني جديد جامع لا يفرق ولا يستثني أحدا، مع إرساء وحدة وطنية كفاحية في وجه الكيان الصهيوني المعربد وحاميه الأمريكي الجديد
وبناء على ما تقدم نقترح الفرضية التالية: الأنموذجان القومي والإسلاموي من تصور وممارسة السلطة وجهان مختلفان لعملة واحدة في الحالة السورية الراهنة وحتى في غيرها من تجارب الدولة "القومية"، والتي هي قومية في الظاهر والخطاب وقُطرية في الحقيقة والممارسة، الفارق الأساسي هو أن الأول يفرض سلطانه باسم شرعية الطموح الوحدوي العربي المعبر عنه بمفردات الخطاب القومي، والثاني يفرض سلطانه خدمة لطوبى الوحدة السياسية لأمة المسلمين.
طبعا نتوقع أن يرفض الكثير من القوميين والإسلاميين هذا التشبيه، ولكن ذلك لا يثنينا عن اقتراحه كفرضية عمل لتناول المسار التاريخي بالفهم وتنسيب تعارضات تبدو مطلقة لأول . فرغم اختلاف العقيدة الأيديولوجية ونمط تكوين وانتقاء النخبة القيادية/ الحاكمة وحتى المشروع والتحالفات.. الخ، إلا أن التعامل هو نفسه مع مسألة السلطة وذلك عبر التصور العضوي بل الكلّيّاني لهذه الأخيرة وما يؤدي إليه بالضرورة، من احتكار وإملاء ينتهي في خاتمة المطاف إلى شخصنة وانفراد واستبداد، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وبالرجوع إلى سوريا الآن، المطلوب موضوعيا وبعد انهيار النظام البعثي وانكشاف هشاشة الوضع الداخلي والخارجي؛ هو استخلاص درس التاريخ المعاصر، وذلك بإقامه بناء وطني جديد جامع لا يفرق ولا يستثني أحدا، مع إرساء وحدة وطنية كفاحية في وجه الكيان الصهيوني المعربد وحاميه الأمريكي الجديد، والسؤال: هل ستكون الأطراف السياسية السورية في مستوى هذا التحدي؟