بغداد تؤكد والبنتاغون ينفي.. من يحدد مستقبل التواجد الأمريكي في العراق؟
تاريخ النشر: 13th, September 2024 GMT
تتضارب التصريحات حول حقيقة الاتفاق على الانسحاب الأمريكي من العراق، فبعد مارثون سياسي تتخلله قفزات عسكرية، أعلنت حكومة السوداني انتهاء المفاوضات مع واشنطن والاتفاق على آلية لسحب قوات التحالف الدولي، إلا أن البنتاغون نفى تلك الأنباء وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء.
وتتعدى قضية الوجود الأمريكي في العراق، حدود الشرقية والغربية، خصوصا أنها تمثل حلقة ضمن صراع أكبر في المنطقة قطباه الولايات الأمريكية وإيران وحلفاء الطرفين.
وجاء الحديث عن الاتفاق بعد محادثات استمرت أكثر من ستة أشهر بين بغداد وواشنطن بدأها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في كانون الثاني/ يناير، وسط هجمات شنتها جماعات مسلحة عراقية مدعومة من إيران على قوات أمريكية متمركزة في قواعد بالعراق.
الانسحاب من عدمه
تأكيد حكومي
مطلع الشهر الجاري، نقلت وكالة رويترز، عن مصادر مطلعة أن واشنطن وبغداد توصلتا إلى تفاهم بشأن خطة لانسحاب قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق.
وأوضحت المصادر أن الخطة تنص على خروج مئات من قوات التحالف بحلول أيلول/ سبتمبر عام 2025، والبقية بحلول نهاية العام التالي.
وقال مسؤول أمريكي كبير: "توصلنا إلى اتفاق، وحاليا يتعلق الأمر فقط بموعد الإعلان عنه".
وقالت المصادر، إن الإعلان الرسمي كان مقررا في البداية أن يصدر قبل أسابيع، لكنه تأجل بسبب التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ولتسوية بعض التفاصيل المتبقية.
بدوره قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني "خطونا خطوة مهمة لحسم ملف بقاء قوات التحالف الدولي في العراق وإنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة".
من جانبه، قال فرهاد علاء الدين، مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، إن المحادثات الفنية مع واشنطن حول الانسحاب انتهت.
وأضاف: "نحن على وشك نقل العلاقة بين العراق وأعضاء التحالف الدولي إلى مستوى جديد يركز على العلاقات الثنائية في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية".
يقول الكاتب السياسي العراقي، محمد الأسدي، أن إعلان الاتفاق محاولة من السوداني الذي تعصف الأزمات بحكومته لرسم صورة انتصار سياسي ضمن محاولاته رسم توازن في علاقة العراق مع الولايات المتحدة وإيران.
وأضاف في حديث لـ "عربي21"، أن الانسحاب قائم بكل الأحوال وقد تحدث عنه مرارا المسؤولون العراقيون قابله حديث لنظرائهم الأمريكيين عن رسم أطر جديدة للعلاقة، التي تغضب أطرافا فاعلة في الحكومة.
نفي البنتاغون
تباعا ظهرت آلية الانسحاب الأمريكي المنتظر والذي تدفع به جهات شيعية في الحكومة إذ نقلت وسائل إعلام عن خالد اليعقوبي مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الأمن قوله إن انسحاب قوات التحالف الدولي سيكون على مرحلتين، الأولى تمتد من سبتمبر/أيلول من العام المقبل إلى نهاية عام 2026.
وأضاف، أن اللجان الفنية للبلدين اتفقت على انسحاب القوات من قاعدة عين الأسد (غرب) والعاصمة بغداد في مرحلة أولى.
بيد أن الاتفاق الذي ينتظر التوقيع والإعلان مرهون بالوضع المتأزم في الشرق الأوسط وفقا لليعقوبي، الذي أشار إلى أن جزءا من عملية تأجيل الإعلان عن اتفاق انسحاب قوات التحالف هو التصعيد الذي حدث في المنطقة.
بعد الحديث العراقي بأيام، جاء الرد الأمريكي غريبا، حيث فندت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” مزاعم حكومة السوداني عن جدولة الانسحابمن العراق. مؤكدة أنها تواصل مع العراق مباحثات التعاون الأمني التي تتضمن دور قواتها في المنطقة.
وقال المتحدث باسم “البنتاغون” الميجر جنرال بات رايدر في لقاء مع الصحفيين، الثلاثاء الماضي، إن المباحثات الأمنية بين البلدين مستمرة من خلال مجموعة العمل التابعة للجنة العسكرية العليا الأمريكية العراقية.
وأضاف بأن الوزارة تعتزم مشاركة مزيد من التفاصيل حول الأمر عند انتهاء المباحثات التي قال إنها تتضمن أيضا “دور القوات الأمريكية في المنطقة”.
وأفاد المتحدث الأمريكي بأن العراق “يلعب دورا مهما للغاية” في المنطقة، دون مزيد من التفاصيل.
العراق.. ساحة صراع متقدمة
وبالنظر إلى التصريحات المتناقضة لا يبدو أن الانسحاب قد يتم قريبا، لكنه يسلط الضوء على أزمة حكومات العراق المتعاقبة وهي بين نقيضين كل طرف يسعى لإفراغ العراق من خصمه.
يرى الأسدي، أن "فكرة الانسحاب الأمريكي ليست جديدة ولا وليدة الساعة فمنذ سنوات لم يعد العراق أولوية للولايات المتحدة كما أن اهتمامها بالمنطقة ككل لم يعد بذات المستوى السابق خصوصا مع فتح جبهات أوسع وأهم سواء في شرق أوروبا أو بحر الصين الجنوبي".
وأوضح، أن "الولايات المتحدة فشلت بفرض إرادتها في العراق عدة مرات منذ 2003 وحتى الآن وربما أهمها انتخابات 2010، لكن دخول تنظيم داعش في 2014 أعاد لها بعضا من المساحة في البلاد، ومن ثم عاد الوضع إلى ما كان عليه وربما أسوأ بالنسبة للإدارة الأمريكية فمن يحكم الآن هي الأجنحة المسلحة للأحزاب الشيعية وتلك على عداوة صريحة مع الولايات واشنطن".
وبحسب الأسدي، فإن اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني برفقة رئيس أركان الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس مطلع 2020 كان اللحظة الحاسمة التي دفعت الأطراف العراقية القريبة من إيران للدفع باتجاه إنهاء الوجود الأمريكي.
واستبعد الأسدي، انسحابا أمريكيا سريعا حتى لو تم الاتفاق فعليا، بسبب التوتر المتصاعد في المنطقة نتيجة العدوان على غزة، فإفراغ العراق من الأمريكيين لا يصب بمصلحة إسرائيل التي تحتمي كما هو معلوم بالقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
خارطة الانتشار
ويوجد حوالي 2500 عسكري أميركي بالعراق في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، كما ينتشر في البلاد مئات العسكريين من دول أخرى، أغلبها أوروبية.
وتعرضت القوات الأميركية في الشرق الأوسط لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من قبل فصائل مسلحة في العراق وسوريا، على خلفية الدعم الأميركي لإسرائيل في حربها على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأبرم العراق والولايات المتحدة، اتفاقية الإطار الاستراتيجي عام 2008، الذي نظم خروج القوات الأمريكية المحتلة (2003- 2011)، والعلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها بين البلدين، في مرحلة ما بعد إنهاء الاحتلال.
في كردستان العراق وفق اتفاقية مع أمريكا، تستخدم القوات الأمريكية "قاعدة قرب سنجار، وأخرى في منطقتي أتروش والحرير، إضافة إلى قاعدتين حلبجة بمحافظة السليمانية والتون كوبري في كركوك"، وفقا لمصادر عراقية.
وعلى صعيد محافظات الغرب والشمال، فإن القوات الأمريكية اتخذت قاعدة "عين الأسد" في قضاء البغدادي وقاعدة "الحبانية" في الأنبار كقاعدتين عسكريتين، عقب سيطرة تنظيم الدولة على أغلب مدن المحافظة في 2014.
كما تنتشر قرب مطار بغداد وفي قاعدة الرستمية وقاعدة بلد الجوية في صلاح الدين.
ليست المرة الأولى
تناقض التصريحات بين بغداد وواشنطن ليس الأول من نوعه، فقد اندلعت موجة تصريحات في أيلول/ سبتمبر العام الماضي، بعدما أعلن السوداني، أنه لم تعد هناك ضرورة لوجود التحالف الدولي، الذي تشكل لمواجهة تنظيم "داعش"، باعتباره لم يعد يمثل تهديدا للدولة.
وأضاف السوداني أنه "خلال هذا الشهر ستجتمع اللجنة المشتركة مع الجانب الأمريكي، ونؤكد على العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة للتعاون الأمني، ومنفتحون في كل المجالات".
سريعا ردت وزارة الخارجية الأمريكية على السوداني قائلة، إن انتشار القوات الأمريكية في العراق، أمر متفق عليه مع الحكومة في بغداد، وذلك ردا على تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بأن تنظيم الدولة لم يعد يشكل تهديدا، وأن بلاده لم تعد بحاجة إلى التحالف الدولي.
وذكر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، "أن قوات بلاده، تتواجد في العراق، بناء على دعوة من الحكومة العراقية للقيام بمهمة تقديم المشورة والمساعدة والتمكين".
وأضاف ميلر، "أن البنتاغون أكد في آب/ أغسطس العام الماضي، عبر بيان مشترك مع العراق على أن الوجود العسكري الأمريكي هناك جاء بناءً على دعوة من بغداد، بالإضافة لعزمنا على التشاور بشأن عملية مستقبلية تشمل التحالف لتحديد كيفية تطوير المهمة العسكرية للتحالف".
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات سياسة دولية الانسحاب العراق الولايات المتحدة العراق الولايات المتحدة الجيش الأمريكي الانسحاب المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة رئیس الوزراء العراقی الولایات المتحدة القوات الأمریکیة التحالف الدولی قوات التحالف فی المنطقة فی العراق لم یعد
إقرأ أيضاً:
خزعل الماجدي.. ابن المدينة الذي عبثَ بالثوابت وجادل المُقدس
بقلم : فالح حسون الدراجي ..
الكتابة عن الدكتور خزعل الماجدي ومنجزه الجدلي الصادم، محفوفة حتماً بالمخاطر، وتتطلب الحيطة والحذر، فهي عندي أشبه بالمشي على حافة ( جبل النار ) الشهير في تايوان، إذ قد تدفع حياتك ثمناً لأية غفلة أو سهو غير مقصود .
وطبعاً فأن هذه الخطورة لم تاتِ بسبب موقف سياسي معارض أعلنه خزعل الماجدي، ولا بسبب تصريح يمس أحد الشخصيات النافذة في العراق أو في غير العراق، إنما المشكلة تكمن في أن الرجل ذهب في دراساته التاريخية واستنتاجاته البحثية إلى أبعد من المقبول، أقصد ان الرجل ذهب إلى الملعب الذي لايُسمح الذهاب اليه، ولم يكتفِ بالزيارة، والمناظرة، إنما راح يعبث بالثوابت الخالدة، ويخلخلها ويحفر عميقاً تحت أُسسها.. ولم يكتفِ بذلك ايضاً بل مضى إلى منطقة أخطر، وأشد حساسية، وهل هناك أخطر من منطقة الدين، سواءً اكانت يهودية او مسيحية او إسلامية الهوية.. ؟! ولعل المشكلة التي وضع خزعل نفسه فيها تتمثل في نيله من المقدس، فالشرقي مهما كان نوع مقدسه، مستعد للموت الف مرة دون أن يقبل المساس بمقدسه، حتى لو جاء ذلك بطريق البحث العلمي والجدل التاريخي، وحتى لو استحضر الباحث كل سندات الموروث، وكل الدلائل والأساطير وما يشهد له صحة نظريته وسلامة تطبيقاته، بما في ذلك المنحوتات والتماثيل والهياكل المتوفرة، والمخطوطات المحفوظة في المتاحف ..
نعم، فكل هذا لا يشفع للباحث لو تجرأ واقترب من مقدسه..
لقد اختلف الناس في ما يفعله الدكتور خزعل الماجدي وما يتعلل به في محاضراته الكثيرة، وكتبه الوفيرة، فثمة الملايين الذين يتفقون مع طروحاته وبراهينه ومشروعه بالكامل، بينما هناك الملايين الذين يختلفون معه، ويتهمونه بالإلحاد، والكذب، واستخدام حجة الأساطير للنيل من الكتاب المقدس وثوابت الأديان..
لقد فوجئت شخصياً بمشروع خزعل الماجدي، وما أحدثه من صدمة في رأس المجتمع الشرقي، وسبب مفاجأتي يعود إلى أني اعرف خزعل زناد الماجدي الطالب في ثانوية (قتيبة) في مدينة الثورة، وزميلي تقريباً في صفوفها، بخاصة ونحن بعمر واحد- فكلانا من مواليد 1951- وقد درسنا في ثانوية قتيبة بفترة زمنية واحدة، كما أني أعرفه كواحد من أبرز شعراء الجيل السبعيني الذي ضم سلام كاظم ورعد عبد القادر و كمال سبتي و شاكر لعيبي و هاشم شفيق وصاحب الشاهر وعبد الزهره زكي وعواد ناصر وحميد قاسم وكريم العراقي وغيرهم، وأعرف كم هو مخلص ومتحمس لمشروعه الشعري، لاسيما بعد صدور مجموعته الشعرية الاولى (يقظة دلمون) في العام 1980، والتي أكد فيها خطه الشعري المميز عن أقرانه شعراء الجيل السبعيني .. وإذا كانت دراسته التخصصية في الماجستير والدكتوراه قد رمت به خارج جغرافيا الشعر، وأهّلته إلى ان يكون باحثاً مُتخصصاً في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، فهو لعمري أمر لم اكن اعرفه قط، لاسيما بعد أن قطعت اخباره عني بسبب سفر كلينا، فصرنا في واقعَين متباعدين تماماً ..
بالمناسبة تحدثت قبل فترة مع احد الأخوة العراقيين الذين يقيمون في أستراليا، حول الدكتور خزعل الماجدي، وقد استغرب هذا الصديق كثيراً حين قلت له، إن الدكتور خزعل ابن مدينة الثورة، وخريج ثانوية قتيبة، ولا اعرف لماذا كان هذا الاستغراب، ولا أتذكر أيضاً تبريره على ذلك ..!
لكني أتذكر أنه سألني إن كان الماجدي شيوعياً؟
فقلت له : كلا كلا لم يكن شيوعياً ولا حتى صديقاً للحزب الشيوعي، بل ولم يقترب أبداً من البيئة الشيوعية، فالرجل كان مشغولاً بمشروعه الشعري الذي قال بنفسه عنه يوماً : ” إنني، ومنذ نشأتي الثقافية لم أنشغل بشيء آخر سوى الكتابة. لم تجذبني إغواءات المال أو السياسة أو الاحزاب أو حتى الحياة الاجتماعية، بغوايتها البرّاقة بشكل خاص، وكان مشروعي الثقافي، منذ وقت بعيد، ماثلاً أمامي، ومضيت فيه، أطوّره ويطوّرني في اتجاه أهدافي الروحية والمعرفية، حتى أنجزت ما أنجزته.. لقد أدركت منذ صباي، أن الحياة الروحية للإنسان مهمة جداً كما الحياة المادية، ولكنني وجدت أن الدين يحتكرها بشكل كامل على وجه التقريب، فقررت أن أصحح الأمر، وكان أن وجدت الشعر أشمل من الأدب، وهو أيضاً عكس الدين، لا تقيده الأيديولوجيا، فاعتبرت الشعر ديانتي الأولى. كانت الحياة التي من حولي، كلها، مثبطة لي ولمشروعي، ولكنني كنت مصرّاً عليه وحده فقط، وكان يزداد وضوحاً، وتتكشف تفاصيله كلما مضى بي الوقت”.
ويكمل خزعل موضوعه قائلاً : ” لم أستلم في حياتي كلها، حتى الآن، منصباً أو وظيفة مهمة. ولم أسعَ إلى ذلك، ولم أحلم بثروةٍ سوى الكتب، ولم أضيّع وقتي إلا في القراءة والكتابة الثقافية، وما يناظرها بالمستوى نفسه في الحياة، وكنت، وما زلت، أحاسب نفسي بصرامة على هدر أي وقت أنفقه في أمورٍ جانبية. الحياة في العراق تشبه التدلّي على حافة هاويةٍ، نتعلم منها أن الموت تحت أقدامنا كل يوم، وعلينا أن نكتب موتنا مراراً كي ندفعه عنا في الواقع. وهذا نوع من الممارسة السحرية العميقة، حيث الكتابة تؤجل الموت سحرياً. لا يوجد هدر فرص وحيوات على وجه الأرض، أكثر مما يوجد في العراق. الأرقام المليونية لموت وقتل وهجرة وعذاب وفقدان ناس وخسارتهم لمواهبهم، وأرقام مليارية لنهب وسرقة ثروات البلاد وعبثية صرف الأموال، كل ذلك ليس له مثيل إلا في العراق، بلد ضاع في مهبّ الريح، ضيّعه سياسيون مهووسون بالفتن والجهل
، بلدٌ دمّره أهله قبل أن يدمّره الأعداء ومن حوله. عندما أدركت ذلك منذ زمن بعيد، ربما مع نهاية السبعينيات (حيث انفجار العنف الدموي مع مجيء صدام حسين للسلطة)، وسيطرة العنف الشامل على العراق، ودخوله أول حرب مليونية أيضاً، هي الحرب العراقية – الإيرانية أدركت أننا ذاهبون إلى حتفنا، صار الموت يتمشى في حياتنا جذلاً مرحاً، وصرت أشعر بأنني قابل للموت في أي لحظة، وبطريقة مجانية. ولذلك اتخذت قراراً مهماً في حياتي، وهو أن أنصرف كلياً إلى مشروعي الثقافي والشعري، وألّا أدع أمراً يحول دونه أو يعطّله. وعندما تشتغل بحاسة الموت، يلتهب كل شيء في حياتك، وتتحوّل أنت بذاتك إلى ورشات عمل داخلية تعمل بنشاط نوعي. لقد قررت أن أدافع عن نفسي بوجه صنّاع الموت، وكانت الكتابة سبيلي إلى ذلك. وكان لي ما أردت، عندما أبعدت نفسي عن كل ما يتعلق بالسياسة والمال والمنافع الاجتماعية. ولم أزل على هذا النهج حتى اللحظة.. وعلى الرغم من كل المتغيرات الشكلية في وضع العراق، غير أن هذا البلد المنكوب يزداد عنفاً واضطراباً.. وهكذا تراني أكتب، كي أدفع عني هذا الكابوس..”!
لم يتركني صديقي عند هذا الحد، إنما سألني :
وما هو رأيك بمشروع خزعل الماجدي؟
فضحكت، وقلت له: إنه مشروعه وليس مشروعي، ألم تقل أنت في سؤالك: (مشروع خزعل الماجدي) ؟!