لجريدة عمان:
2024-09-17@10:52:40 GMT

أغاني هذا الزمان

تاريخ النشر: 10th, September 2024 GMT

أعني بهذا الزمان زماننا الخاص الذي نعيشه في عالمنا العربي. وقد سبق أن أفصحت عن مسائل مرتبطة بهذا السياق في مقالات بعنوان: «الفن وروح العصر»، و«الأغنية والوطن»، و«أغاني المهرجانات»؛ فليرجع إلى ذلك من يشاء في موقعي الخاص على شبكة المعلومات. ولكني أريد هنا أن أضيف شيئًا إلى ما سبق أن قلته في هذه المقالات.

الأغنية هي أكثر الفنون قدرة على التعبير المباشر عن روح عصرها أو زمانها؛ لأنها تعبر من خلال اللغة المعيشة، أعني اللغة كما يتحدثها وينطقها الناس في عصر ما، وكما يعبرون من خلالها عن رؤيتهم للحياة وشعورهم بتفاصيلها الصغيرة كما تتبدى في مشاعر الحزن والأسى والفرحة والحب والفخر والتغني بالأرض والوطن، وغير ذلك من المشاعر التي لا تُحصى. وتتميز الأغنية عن غيرها من الفنون بأنها تعبر عن كل ذلك بحميمية ومباشرة بسبب ارتباطها باللغة المعيشة التي يتم تجسيدها فنيًّا في لحظات قصيرة نسبيًّا. وإذا كان الزمان يتجسد في الأغنية بكثافة على نحو ما؛ فعلى أي نحو تتبدى الأغنية في زماننا هذا. الواقع أننا يمكن أن نرصد أنحاءً عديدة تتبدى عليها الأغنية في زماننا، ولكنها مع ذلك مترابطة:

الأغنية أصبحت مرتبطة بالصورة فيما يُعرَف «بالفيديو كليب»، وتلك ظاهرة عامة ليست مقصورة على زماننا الخاص. لم يعد المغنِّي في زماننا هو ذلك المطرب الذي يقف على خشبة المسرح- أو في ساحة ما- ليغني أغنية طويلة أو قصيرة، مثلما كنا نجلس أمام التلفاز أو في حفل حي لنستمع إلى أم كلثوم أو عبد الوهاب أو فيروز أو فريد الأطرش أو عبد الحليم أو شادية أو وردة، وأقرانهم من أهل الغناء؛ أو مثلما كنا نستمع -على سبيل المثال- إلى شارل أزنافور وإنجلبرت هامبردنك وإلفيس بريسلي وماري ماتيو، وديميس روسوس، وخوليو أجليسياس، وأمثالهم من كبار المطربين. الصورة غزت الكلمة واللحن والأداء الموسيقي بحيث أصبحت لها الصدارة: فلقد تحولت الأغنية إلى قصة قصيرة يتم تمثيلها من خلال الحركة والأحداث والإيماءات الرمزية التي يقوم بها المغني أو المغنية بمصاحبة شخصيات ثانوية من الممثلين الذين يعملون على إكمال القصة والحركة المرئية في المشهد، وهي غالبًا حركات راقصة؛ وهكذا توارت الأغنية كفنٍّ من فنون الشعر يقوم على الكلمة، لحساب الصورة والحركة وفن الرقص. لا حاجة للبرهنة على ذلك؛ لأننا نشاهده في القنوات العربية المخصصة لفن الغناء. ولا غرابة في ذلك؛ لأننا في عصر الصورة بالفعل، فالصورة أصبحت لها سطوتها على الكلمة، وهذا أمر نعايشه في حياتنا اليومية، ونحن نرى ذلك يوميًّا حتى على مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال: لو أنك نشرت مقالًا عميقًا أو رصينًا على الفيسبوك، لن تجد إلا قلة من المتابعين؛ في حين أنك لو نشرت صورة جذابة لك في موقف أو سياق ما، فسوف تجد كثرة من المتابعين والمعجبين، وياحبذا لو كان الناشر امرأة تنشر صورتها في وضع مغرٍ يستعرض مفاتن الجسد!

لا غرابة إذن في أن الصورة أصبحت مهيمنة على عالمنا، بما في ذلك عالم الأغنية. ولا غرابة في أن يحدث ذلك في عالمنا العربي، لأن الأغنية العربية الراهنة سعت إلى التشبه بتيار أو طوفان الأغاني التي تُذاع على بعض القنوات الغربية. الغرابة الحقيقية هي أن الأغنية العربية التي يتم الترويج لها على بعض القنوات العربية، قد حصرت نفسها في ارتباط الأغنية بصورة العُري، فالعُري هو السبيل الوحيد لمرور الأغنية واجتذاب المشاهدين، بحيث يحق لنا أن نتساءل: هل هذه المطربة تغني أم تستعرض جسدها في أوضاع مثيرة؟ وهل هذا المطرب يستطيع أن يستغني عن الراقصة التي تتمايل على كلماته في نوع من الإثارة الجنسية الصريحة؟! وبذلك تتحول الأغنية في النهاية إلى نوع من الإثارة الجنسية أو المتعة العابرة التي تخاطب الحواس. وهكذا انفصلت أغلب الأغاني العربية الرائجة عن فن الغناء نفسه؛ إذ أصبحت مرتبطة بفن الرقص والتلاعب بالجسد، ناهيك عن ضعف وسطحية الكلمات التي يتم التغني بها، وعن ضعف اللحن والأداء.

الغرابة إذن لا تكمن في ارتباط الأغنية بالصورة، فالصورة يمكن أن تضفي قوة إقناعية على كلمات الأغنية من باب تداخل الفنون وتعاضدها. وإنما الغرابة هنا تكمن في الإصرار على السقوط الفني من خلال ارتباط الصورة بالُعري، وكأن هذا العري هو نصير الأغنية وداعمها! وليس مهما الأغنية ذاتها أو معنى كلماتها وعمقها أو دلالاتها الإنسانية، طالما أنها تعبر عن حالة تافهة من البهجة أو اللذة الجنسية العابرة بطريقة صريحة أو إيحائية.

وربما يُقال إن هذا ليس مقصورًا علينا وحدنا، وإنما هو تيار شائع في الدول المتقدمة، وهو قول حق يُراد به باطل؛ لأن المرء في الدول المتقدمة لا يزال لديه الفن مطروحًا في أعمق صوره، بحيث يستطيع المرء العادي بما لديه من ثقافة أن يرتاد مسارح الأوبرا ليستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وأن يستمتع بهذه الموسيقى من خلال أجهزة التلفاز، وأن يتعلم شيئًا عنها في المدارس، وأن يشاهد مطربين عظامًا على خشبة المسرح يذكروننا بالأيام الخوالي. حقًا إن هؤلاء أصبحوا قليلين في عالمنا، ولكنهم لا يزالون موجودين.

د. سعيد توفيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: من خلال

إقرأ أيضاً:

سفراء 3 دول في جنوب إفريقيا يشيدون بدور المملكة العالمي في خدمة الإسلام

أشاد عدد من سفراء الدول العربية في جمهورية جنوب إفريقيا بالدور العالمي العظيم الذي تتبناه المملكة في خدمة الدين ونشر قيم التسامح، مؤكدين أن زيارة إمام وخطيب المسجد الحرام د. ياسر الدوسري إلى جنوب إفريقيا جانب من جوانب نشر رسائل المملكة للتسامح والاعتدال.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1600588014572-0'); }); وقال سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى جمهورية جنوب إفريقيا د. وصفي عياد: جهود المملكة العربية السعودية الشقيقة، في نشر الصورة الحقيقية السمحة، والمعتدلة، عن الدين الإسلامي، تُعد انعكاسًا واستمرارية لجهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أطال الله في عمره-، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-.نشر الصورة الحقيقية للإسلاموأضاف عياد: هي حقيقة جهود مقدرة ومباركة، في نشر الصورة الحقيقية عن الدين الإسلامي المعتدل.
أخبار متعلقة حتى 8 صباحًا.. ضباب خفيف على أجزاء من 7 مناطقتحذير من استغلال المحتالين اليوم الوطني السعودي 94 بعروض وهميةوأكد أن زيارة إمام الحرم المكي د. ياسر الدوسري إلى جمهورية جنوب إفريقيا في وقت أحوج ما يكون إليه العالم الإسلامي حقيقة بالتعريف بسماحة الإسلام والمسلمين، والأفكار المعتدلة خاصة للشباب في هذه المرحلة.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى جنوب إفريقيا د. وصفي عياد - اليوم
وأوضح أن الدوسري كانت موضع ترحيب وحفاوة، وكان لها الأثر الكبير في نفوس الناس، سواء في الحضور في المسجد، أو أيضًا في الوسط الدبلوماسي حتى في بريتوريا، مؤكدًا الحاجة إلى مثل هذه الزيارات لما لها من أثر في نشر الصورة الحقيقية عن الدين الإسلامي.رعاية الحجاج والمعتمرينوأشاد السفير الأردني في ختام تصريحه، بالجهود التي تبذلها المملكة لخدمة الحجاج والمعتمرين بقوله: ما وجدناه من رعاية كبيرة في الديار المقدسة من لحظة وصولنا إلى المطار، وأداء مناسك الحج والمشاعر، حقيقة لمسنا الجهود الكبيرة والجبارة التي تبذل لتسهيل أداء هذه الفريضة المباركة لضيوف الرحمن.
كما نوه بجهود الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد - وفقهما الله - في نشر القيم السمحة للدين الإسلامي ، ونشر الرسالة الحقيقة التي تعرف بالوسطية ودين الاعتدال إللي هو الدين الإسلامي الكريم، والشريعة السمحة.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } سفير دولة الكويت في جنوب إفريقيا سالم بن راشد الشبلي - اليومتعزيز الوسطية والاعتدالوقال سفير دولة الكويت في جنوب إفريقيا سالم بن راشد الشبلي: "لا شك أن زيارة فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام اد. ياسر الدوسري إلى جنوب إفريقيا لها أثر كبير، ولاقت ترحيبًا واسعًا من الجاليات المسلمة، لما لهذه الزيارة من رمزية وأثار مباركة في تعزيز الوسطية والاعتدال والتعايش السلمي بين أصحاب الثقافات المختلفة".
وأشاد بالجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وبمتابعة من الوزير الشيخ د. عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ في نشر الصورة الحقيقة لسماحة الدين الإسلامي ببرامج نوعية.
وواصف الأعمال التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة العمل الإسلامي ونشر قيم التسامح والوسطية ومحاربة التطرف والغلو، بأنها أعمال جليلة في كل أرجاء المعمورة لرفعة ونصرة الدين الإسلامي، وإظهار الصورة الحسنة للإسلام ولرعاية المسلمين في كل بقاع الأرض وتقديم العون لهم، ويتجلى ذلك بوضوح في خدمة الحجاج والمعتمرين خلال أداء مناسك الحج والعمرة والزيارة.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } السفير الليبي في جنوب إفريقيا د. عبدالقادر عبدالوهاب - اليومدور عالميأما السفير الليبي في جنوب إفريقيا د. عبدالقادر عبدالوهاب فقال: "سعدنا بلقاء إمام وخطيب المسجد الحرام د. ياسر الدوسري في لقاءات هادفة ونقاشات جادة، في بلد مثل جنوب إفريقيا المتنوع في الأعراق والثقافات، واللغات، وكانت الزيارة مهمة وكرسالة للتسامح، ولتعزيز التعايش، وبيان سماحة الدين الإسلامي، وما يحمله من الخير للبشرة".
وأكد السفير الليبي أن دور المملكة العربية السعودية العالمي في نشر قيم الوسطية والتسامح والتعايش السلمي، دور كبير تبنته المملكة بإقتدار، منوهًا بالدور العظيم الذي تنفرد به المملكة في رعاية الحرمين الشريفين وتجويد خدمات الحج والعمرة والزيارة.
وقال: لمست شكر وامتنان الحجاج والمعتمرين في ليبيا لما لمسوه من خدمات نوعية وتقنية، سهلت لهم أداء المناسك.

مقالات مشابهة

  • ولد الهدي فالكائنات ضياء … وفم الزمان تبسم وثناء
  • أولاد نوال الزغبي في صورة نادرة.. “أرواح من أشعة الشمس”
  • بـ أغاني سينجل ..محمد كيلاني يكشف عن خطته الغنائية المقبلة
  • نقيب الموسيقيين: أغاني المهرجانات لا تمثل مصر
  • الشيخة جواهر توجّه «القلب الكبير» بتطوير المرافق العامة لـ 12 مدرسة في زنجبار
  • الأربعاء.. القومي للسينما يقيم حفل اعلان الفائزين بمسابقة "مونودراما الصورة"
  • فينيسيسوس يغازل بنزيما بعد "الهاتريك"
  • سفراء 3 دول في جنوب إفريقيا يشيدون بدور المملكة العالمي في خدمة الإسلام
  • سديم "خوذة ثور" يظهر في سماء الإمارات
  • سديم «خوذة ثور» من سماء الإمارات