أعني بهذا الزمان زماننا الخاص الذي نعيشه في عالمنا العربي. وقد سبق أن أفصحت عن مسائل مرتبطة بهذا السياق في مقالات بعنوان: «الفن وروح العصر»، و«الأغنية والوطن»، و«أغاني المهرجانات»؛ فليرجع إلى ذلك من يشاء في موقعي الخاص على شبكة المعلومات. ولكني أريد هنا أن أضيف شيئًا إلى ما سبق أن قلته في هذه المقالات.
الأغنية أصبحت مرتبطة بالصورة فيما يُعرَف «بالفيديو كليب»، وتلك ظاهرة عامة ليست مقصورة على زماننا الخاص. لم يعد المغنِّي في زماننا هو ذلك المطرب الذي يقف على خشبة المسرح- أو في ساحة ما- ليغني أغنية طويلة أو قصيرة، مثلما كنا نجلس أمام التلفاز أو في حفل حي لنستمع إلى أم كلثوم أو عبد الوهاب أو فيروز أو فريد الأطرش أو عبد الحليم أو شادية أو وردة، وأقرانهم من أهل الغناء؛ أو مثلما كنا نستمع -على سبيل المثال- إلى شارل أزنافور وإنجلبرت هامبردنك وإلفيس بريسلي وماري ماتيو، وديميس روسوس، وخوليو أجليسياس، وأمثالهم من كبار المطربين. الصورة غزت الكلمة واللحن والأداء الموسيقي بحيث أصبحت لها الصدارة: فلقد تحولت الأغنية إلى قصة قصيرة يتم تمثيلها من خلال الحركة والأحداث والإيماءات الرمزية التي يقوم بها المغني أو المغنية بمصاحبة شخصيات ثانوية من الممثلين الذين يعملون على إكمال القصة والحركة المرئية في المشهد، وهي غالبًا حركات راقصة؛ وهكذا توارت الأغنية كفنٍّ من فنون الشعر يقوم على الكلمة، لحساب الصورة والحركة وفن الرقص. لا حاجة للبرهنة على ذلك؛ لأننا نشاهده في القنوات العربية المخصصة لفن الغناء. ولا غرابة في ذلك؛ لأننا في عصر الصورة بالفعل، فالصورة أصبحت لها سطوتها على الكلمة، وهذا أمر نعايشه في حياتنا اليومية، ونحن نرى ذلك يوميًّا حتى على مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال: لو أنك نشرت مقالًا عميقًا أو رصينًا على الفيسبوك، لن تجد إلا قلة من المتابعين؛ في حين أنك لو نشرت صورة جذابة لك في موقف أو سياق ما، فسوف تجد كثرة من المتابعين والمعجبين، وياحبذا لو كان الناشر امرأة تنشر صورتها في وضع مغرٍ يستعرض مفاتن الجسد!
لا غرابة إذن في أن الصورة أصبحت مهيمنة على عالمنا، بما في ذلك عالم الأغنية. ولا غرابة في أن يحدث ذلك في عالمنا العربي، لأن الأغنية العربية الراهنة سعت إلى التشبه بتيار أو طوفان الأغاني التي تُذاع على بعض القنوات الغربية. الغرابة الحقيقية هي أن الأغنية العربية التي يتم الترويج لها على بعض القنوات العربية، قد حصرت نفسها في ارتباط الأغنية بصورة العُري، فالعُري هو السبيل الوحيد لمرور الأغنية واجتذاب المشاهدين، بحيث يحق لنا أن نتساءل: هل هذه المطربة تغني أم تستعرض جسدها في أوضاع مثيرة؟ وهل هذا المطرب يستطيع أن يستغني عن الراقصة التي تتمايل على كلماته في نوع من الإثارة الجنسية الصريحة؟! وبذلك تتحول الأغنية في النهاية إلى نوع من الإثارة الجنسية أو المتعة العابرة التي تخاطب الحواس. وهكذا انفصلت أغلب الأغاني العربية الرائجة عن فن الغناء نفسه؛ إذ أصبحت مرتبطة بفن الرقص والتلاعب بالجسد، ناهيك عن ضعف وسطحية الكلمات التي يتم التغني بها، وعن ضعف اللحن والأداء.
الغرابة إذن لا تكمن في ارتباط الأغنية بالصورة، فالصورة يمكن أن تضفي قوة إقناعية على كلمات الأغنية من باب تداخل الفنون وتعاضدها. وإنما الغرابة هنا تكمن في الإصرار على السقوط الفني من خلال ارتباط الصورة بالُعري، وكأن هذا العري هو نصير الأغنية وداعمها! وليس مهما الأغنية ذاتها أو معنى كلماتها وعمقها أو دلالاتها الإنسانية، طالما أنها تعبر عن حالة تافهة من البهجة أو اللذة الجنسية العابرة بطريقة صريحة أو إيحائية.
وربما يُقال إن هذا ليس مقصورًا علينا وحدنا، وإنما هو تيار شائع في الدول المتقدمة، وهو قول حق يُراد به باطل؛ لأن المرء في الدول المتقدمة لا يزال لديه الفن مطروحًا في أعمق صوره، بحيث يستطيع المرء العادي بما لديه من ثقافة أن يرتاد مسارح الأوبرا ليستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وأن يستمتع بهذه الموسيقى من خلال أجهزة التلفاز، وأن يتعلم شيئًا عنها في المدارس، وأن يشاهد مطربين عظامًا على خشبة المسرح يذكروننا بالأيام الخوالي. حقًا إن هؤلاء أصبحوا قليلين في عالمنا، ولكنهم لا يزالون موجودين.
د. سعيد توفيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: من خلال
إقرأ أيضاً:
المفوض العام لـ"الأونروا": في غزة.. حتى الأنقاض أصبحت هدفا
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قال فيليب لازاريني؛ المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين “الأونروا” أعلن أن القوات الإسرائيلية قصفت امس الأربعاء مبنى تابعًا للوكالة في جباليا شمال القطاع.
وقال في منشور على منصة “إكس”: "إن المبنى كان سابقًا مركزًا صحيًا، وكان قد تضرر بشدة في وقت سابق من الحرب، وأضاف: "في غزة، حتى الأنقاض أصبحت هدفا".
وأفاد لازاريني بأن التقارير الأولية تشير إلى أن المنشأة كانت تؤوي أكثر من 700 شخص عندما قُصفت، وأن "من بين القتلى، حسب التقارير، تسعة أطفال، بمن فيهم رضيع عمره أسبوعان"، مشيرا إلى أن العائلات النازحة بقيت في الملجأ بعد تعرضه للقصف لأنه ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.
وأوضح أنه منذ بدء الحرب، تم تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 300 مبنى تابع للأمم المتحدة، رغم مشاركة إحداثيات هذه المواقع بشكل منتظم مع أطراف النزاع. وقال إن أكثر من 700 شخص قتلوا أثناء سعيهم للحصول على حماية الأمم المتحدة.
وأفاد كذلك بورود تقارير عن استخدام عدد كبير جدا من مباني الأونروا لأغراض عسكرية وقتالية من قبل الجماعات المسلحة الفلسطينية، بما في ذلك حماس، أو من قبل القوات الإسرائيلية.
وقال لازاريني: "إن التجاهل التام لموظفي الأمم المتحدة أو مبانيها أو عملياتها يُعد تحديا صارخا للقانون الدولي. أدعو مجددا إلى إجراء تحقيقات مستقلة لمعرفة ملابسات كل هذه الهجمات والانتهاكات الخطيرة. في غزة، تم تجاوز جميع الخطوط مرارا وتكرارا".