مذكرات مغترب في دول الخليج (١٢)
تاريخ النشر: 10th, September 2024 GMT
الحمدُ لله لمْ يطُل مَقامِي في النِعيرِية وفي مدرسة مِليجة الثانوية ، فقد أوْفّى المُشرِفُ التَّربوي بوَعْدَه لي بِأنّها سنةٌ واحدةٌ وسوفَ يُعيدُني إلى الدّمام ، وقد انقَضَى العامُ إلا أنَّ عَودَتي كانتْ إلى الجُبَيل ، وقد كانتْ مَصحُوبةً بِخيرٍ كَثِير . فقد عُدتُ إلى السُّودان " يا سادتي " في نِهايةِ يُونيو ۱۹۹۰ .
أُقيمَ العُرسُ الحَدَث بِقرْيَة "وَد الهندي " في قَلبِ الجَزِيرةِ الخَضْرَاء في يوليو ۱۹۹۰ . ولمْ تَكُنْ هُنالِك صَالاتُ أفْرَاحٍ ولا " فَشْخَرة " ! فقدْ امْتَلاتْ صَالوناتِ الفَرِيق / الحَي ( الدَواوِين ) على اتِسَاعِها وكَثرَتِها بالمُشارِكينَ والمُهنِئينَ مِن دَاخِل وخارِج البَلدةِ وسِعَتْهُم جَمِيعاً بالإضَافةِ إلى البُيوتِ الكَبِيرةِ الوَاسِعةِ والحيشان . وعلى صِلةٍ بالزَّفافِ أقَمنَا حَفلاً حَفِيلاً عند أهلِ العَرُوس في قرية " القُصَيْرة " وهي مِن أعَمال ريفي " الحاج عبد الله " . واسْتَمرَّ الحَفلُ حتى السَّاعاتِ الأُولى مِن الصَّباح . وبالمُناسَبة أحْببتُ في هذ القريةِ وتَزْوَجتُ مِنها لأنَّ جَدِّي لأُمي كانَ مُتزِوجاً مِنها زَوجَته الثَّانِية وكانَ يُحِبُّني ويأخُذُني بِرفقَتِه دائما عِندَما كُنتُ طَالِباً بالمَرحَلتينْ الوُسطَى والثَّانوِية رَغمَ أنفِ جَدَّتي لأُمي .
كانَ شهرُ العَسَل في " كَسَلا " " الوَرِيفَة الشَّارْبة مِن الطِّيبَة ديمة " . ولَكِنَّه لمْ يَخْلُ مِن مُنَغِّصَات ، فقد أُصِيبتْ العَرُوس بالمَلارْيا لبِضْعةِ أيَّام مِن كَثرَة السَّهَر والإرْهَاقٍ قبلَ يَومِ الزَّفاف . ثُمَّ خَلُصَ العَسَلُ - بلْ قُلْ شَهرُه - وخَلُصَتْ الإجَازة كَلمْحِ البَصَر ، وعُدتُ أدْرَاجِي إلى الجُبَيل وَحِيداً - لمْ تَكتَملْ أوْرَاقُ الاسْتِقدَام حِينَذاك - مُتَلفِعَاً بِبقايا عِطرِ الصَّندل الفَوَّاحِ وأصْوَاتِ الفَرَحِ " العَدِيل والزَّين " لها رَجْعٌ مُمَوْسَقٌ في أُذُنِ الذَّاكِرةِ الطَّرُوبْ .
محمد عمر الشريف عبد الوهاب
m.omeralshrif114@gmail.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
الأمن المائي في الخليج التحدي الأكبر
كلما حدّث العالم قائمة أخطاره الوجودية، التفتت دول الخليج العربي إلى التحدي الأكبر الذي يواجهها وهو الأمن المائي الذي بات أحد أكبر أخطارها الوجودية الذي بقي طويلا في الظل خلف قضايا الطاقة والنمو الاقتصادي والتحديات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة.
ومع تزايد النمو السكاني الداخلي أو المستورد نتيجة احتياجات النمو الاقتصادي، ومع اتساع المدن والتغيرات المناخية التي يشهدها العالم وفي قلبه الجزيرة العربية تتعاظم الحاجة إلى وجود رؤية استراتيجية متكاملة تضمن استمرار الحياة والنمو دون تهديد مستقبلي يوصل السكان إلى حد ظهور أزمة عطش حقيقية.
وناقش أسبوع عمان للمياه ضمن الاجتماع الإقليمي الأول للجان الوطنية للبرنامج الهيدروجيني الدولي لدول الخليج العربية هذه القضية عبر قراءة تحديات ندرة المياه والتلوث المائي والبحث عن حلول مستدامة من خلال تعميق الوعي العام بأهمية الحفاظ على موارد المياه.
ورغم أهمية مثل هذه الاجتماعات وما تضعه على الطاولة من تحديات إلا أن الأمر يبدو أكثر إلحاحا مما يعتقد البعض في ظل حالة الجفاف التي تمر بها المنطقة متأثرة بالتغيرات المناخية.
وإذا كانت دول الخليج في سياق عملها من أجل المساهمة في حل قضايا التغيرات المناخية تحاول الذهاب نحو الطاقة الخضراء البديلة فإن بقاء اعتمادها على تحلية مياه البحر كمصدر رئيسي وأساسي لتأمين احتياجاتها من الماء يحيطها بتعقيدات كبيرة؛ سواء من حيث التكلفة الباهظة أو التقنيات التي ليست دائما صديقة للبيئة، كما أن منشآتها تحتاج إلى طاقة ضخمة في وقت تتجه فيه دول العالم نحو خفض الانبعاثات. لكن هناك مخاطر أخرى غير تقليدية قد تبرز في المرحلة القادمة في ظل الصراع السياسي المتزايد فيما لو حدثت تسريبات أو انبعاثات نووية الأمر الذي معه يمكن أن تتوقف عملية التحلية وتدخل المنطقة في وضع حرج جدا.
إن الأزمة المائية في الخليج لا تقف عند حدود الموارد فقط لكنها تتصل، دائما، بثقافة الاستهلاك. فمعدلات استهلاك الفرد للمياه في عدد من دول الخليج تُعد من الأعلى عالميا، وتتم في كثير من الأحيان دون مقابل مادي حقيقي يُشعر المستهلك بقيمة المورد. وهنا تكمن أهمية إصلاح السياسات المائية، ليس عبر فرض الضرائب أو الرسوم فقط، بل من خلال التوعية، وتحسين البنية الأساسية، وتوظيف التكنولوجيا الذكية في رصد التسربات، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة.
وأكد الاجتماع الإقليمي الخليجي أن ضمان أمن المياه يتطلب تعاونا خليجيا واسع النطاق، تُبنى فيه شراكات استراتيجية للمياه كما هو الحال مع مشاريع الطاقة والدفاع. كما أن الاستثمار في الزراعة الذكية، والتقنيات البديلة للري، والبحوث في الطاقة المتجددة لتحلية المياه، يشكّل مداخل واقعية لحلول مستدامة.
وإذا كان الخليج يخشى من أن معركته الأهم تكمن في التحول من الاعتماد على طاقة النفط إلى تنويع مصادر الدخل المستدامة فإن البعض يتصور أن المعركة الأخطر تتعلق بمياه الشرب النظيفة، والانتصار في هذه المعركة يتطلب رؤية وإدارة ومجتمع واع بهذا الخطر الكبير.