أسامة حمدان: تصعيد الاحتلال بالضفة يهدف إلى ترحيل مليوني فلسطيني للأردن
تاريخ النشر: 9th, September 2024 GMT
قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أسامة حمدان إن إسرائيل كانت تخطط لترحيل مليوني فلسطيني من الضفة الغربية إلى الأردن، وإن هذا المشروع خطير جدا ليس على الفلسطينيين وحدهم، بل على المنطقة كلها، وإن جبهة جديدة للمقاومة بدأت في الضفة.
ونفى حمدان -في مقابلة مع الجزيرة نت- تأكيدات سابقة لجيش الاحتلال الإسرائيلي عن اغتيال القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام محمد الضيف، وقال إنه بخير ولا زال على رأس عمله ويمارس دوره كقائد للمقاومة.
وشدد على أنه لا توجد مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة بمعزل عن إسرائيل، وقال "نحن سمعنا في الإعلام بأن هناك حديثا أميركيا عن صفقة مباشرة مع حركة حماس، لكن حتى اللحظة لم يكن هناك شيء عملي، فالأميركيون لم يتصلوا بنا بشكل مباشر، ولا أرسلوا عبر الوسطاء شيئا من هذا القبيل".
وتطرق كذلك إلى المعايير التي على أساسها اختارت حماس يحيى السنوار رئيسا لمكتبها السياسي، ونفى أن يكون هذا الاختيار جاء ردا على اغتيال إسماعيل هنية في طهران، "لأن ذلك لم يتم بطريقة ثأرية ذاتية فردية".
وإلى تفاصيل الحوار..
لماذا تصعد إسرائيل عملياتها الآن في الضفة الغربية؟
إسرائيل راهنت طويلا على نجاحها في القضاء على قدرة المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبعد ذلك دخلت في مرحلة جديدة من الطمع لأن ترحل مليوني فلسطيني إلى الأردن، وهذا مشروع خطير ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على كل المنطقة، لأن ترحيل كتلة بشرية بهذا الحجم من فلسطين إلى أي مكان في العالم معناه أن أي قوة غاشمة في العالم تستطيع أن ترحل من تشاء.
وهذه الرهانات الإسرائيلية نشأت نتيجة تراكم المواجهات مع المقاومة الفلسطينية في الضفة، وفي ظل معركة "طوفان الأقصى" كانت المفاجأة عكسية تماما للإسرائيليين، وانطلق فعل مقاوم تجاوز كثيرا مراحل النشأة والتطور، وقفز قفزة نوعية.
الضفة التي يريد الاحتلال أن يفرغها من السكان لصالح الاستيطان هي التي ستدق المسامير في نعشه
وأنا أعتقد أن العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة في شمال الضفة لن تنجح في تقويض هذا الفعل المقاوم، وأنا أقول بكل وضوح إن الأيام القادمة ستكشف عن واقع في الضفة سيكون مختلفا تماما عما يريده الاحتلال، وإن الضفة التي يريد الاحتلال أن يفرغها من السكان لصالح الاستيطان هي التي ستدق المسامير في نعشه.
هل ستفتح المقاومة جبهة جديدة في الضفة؟الجبهة بدأت بالفعل، ونحن نتكلم الآن عن التصاعد في العمليات، وما فعله الاحتلال في جنين ليس من أجل القضاء على المقاومة وإنما يركز جهده في البطش بالبنية التحتية المدنية الفلسطينية، وهذا مؤشر واضح على أنه يعبر عن عجز في مواجهة المقاومة أو القضاء عليها.
وهذه هي عقلية إسرائيل نفسها في البطش بالفلسطينيين، والطريقة ذاتها التي تجري في غزة، لكن النتيجة التي ستنشأ عن ذلك أن الاحتلال يبني جدارا إضافيا من الدم بينه وبين الشعب الفلسطيني، وكثير من الأطفال والشباب الذين رأوا بطشه اليوم كمراقبين سيكونون مقاتلين في صفوف المقاومة غدا بإذن الله.
محمد الضيف بخير ولا زال على رأس عمله ويمارس دوره كقائد للمقاومة، وكل ما نُشر إشاعات لم تدفعه إلى الوراء، وما زال في موقعه يؤدي دوره مع إخوانه
هل نجحت إسرائيل في اغتيال محمد الضيف كما تقول؟الإسرائيليون تحدثوا عن ذلك، وبالنسبة لنا كحركة فإننا نعلن إذا كان لدينا شهداء، فأن ينال الإنسان الشهادة ليس عيبا ولا كارثة ولا خسارة؛ فهذه معركة وفيها جهاد واستشهاد وانتصار.
أما إذا أرادت إسرائيل أن تمارس حربا نفسية فنحن نرد على ذلك بأن الأخ أبو خالد (محمد الضيف) بخير ولا زال على رأس عمله ويمارس دوره كقائد للمقاومة، وكل ما نُشر إشاعات لم تدفعه إلى الوراء، وما زال في موقعه يؤدي دوره مع إخوانه، ورغم مرور أكثر من 330 يوما من القتال لا هو ولا جنوده كلت لهم عزيمة ولا تراجعت لهم إرادة.
ما المعايير التي على أساسها انتُخب يحيى السنوار رئيسا لحركة حماس؟
لدينا في حماس معايير يتضمنها النظام الداخلي للحركة وشروط يجب أن تتوافر في أي قائد، ومنها ما يتعلق بالعمر والأدوار التنظيمية التي شغلها وسيرته التنظيمية الخالية من الإشكالات أو الشوائب.
وهناك أيضا معايير غير مكتوبة؛ مثل أن يكون شخصا يلقى القبول العام داخل الحركة وفي البيئة العامة الوطنية الفلسطينية، فلا تستطيع أن تختار شخصا لقيادة الحركة مشتبكا مع بيئته العامة أو المجتمع الذي يعيش فيه.
أما الأخ يحيى السنوار فقد لعب دورا مهما في المصالحة الفلسطينية التي أفضت إلى الانتخابات عام 2021 التي عطلها الاحتلال، وبالتالي هو في بيئة الحركة الداخلية له مكانته وفي البيئة الوطنية له قبوله.
أيضا من العوامل التي دفعت إلى انتخابه بالإجماع موقعه في قيادة المعركة وحضوره في الصف الأول في هذه المعركة مع الاحتلال، فقد كان القائد السياسي لقطاع غزة، وبالتالي فإن دوره في هذه المعركة واضح وبصمته واضحة.
كما أن البيئة العامة في الحركة لا يوجد فيها تدافع حول من يكون رئيس الحركة بقدر ما هو بحث عن الأصلح والأنسب في هذا الظرف الزمني، وحصل التوافق عليه.
الإسرائيليون سيفهمون أن اغتيال قائد في الحركة لن يؤدي إلى التراجع، بل سيأتي قائد آخر يبني على ما تقدم، ويوجعهم أكثر
ألم يكن انتخابه في هذا التوقيت ردا على اغتيال إسماعيل هنية في طهران؟نحن لن نتعاطى مع المسائل بطريقة ثأرية ذاتية فردية، فالأخ يحيى السنوار عضو في قيادة الحركة، وهو قائد في غزة، وله أدوار كثيرة سابقة، ومن الطبيعي بعد استشهاد أبو العبد (إسماعيل هنية) أن ينتخب شخص يفهم الإسرائيليون من انتخابه أنه قادر على الاستمرار، وأن الحركة ستحافظ على مساراتها الإستراتيجية، وأن القائد الجديد لن يتراجع، بل سيتقدم إلى الأمام وسيبني على ما بناه من سبقوه.
وسيفهم الإسرائيليون أن اغتيال قائد في الحركة لن يؤدي إلى التراجع، بل سيأتي قائد آخر يبني على ما تقدم، وسيوجعهم أكثر.
وقد سبق أن استشهد الشيخ أحمد ياسين، وتسلم من بعده عبد العزيز الرنتيسي، ثم قاد الحركة في مقطع زمني طويل الأخ أبو الوليد خالد مشعل، ثم جاء الأخ إسماعيل هنية، وكان المسار يتصاعد ويتقدم، ونحن نحسب أن السنوار بإذن الله ثم بعون إخوانه سيدفع الحركة إلى الأمام كذلك.
هل هناك صفقة مباشرة بين حماس والولايات المتحدة بعيدا عن إسرائيل؟نحن سمعنا في الإعلام بأن هناك حديثا أميركيا عن صفقة مباشرة مع حركة حماس، لكن حتى اللحظة لم يكن هناك شيء عملي، فالأميركيون لم يتصلوا بنا بشكل مباشر، ولا أرسلوا عبر الوسطاء شيئا من هذا القبيل.
لكن أعتقد أن إثارة هذا الموضوع في الإعلام أميركيا يعد تعبيرا عن غضب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفقدان الثقة فيه، فهو لا يريد أن يصل إلى صفقة تؤدي إلى الإفراج عن الأسرى بقدر ما يريد أن يطيل أمد المعركة، وما يعنيه ذلك من خسائر إضافية في أرواح هؤلاء الأسرى.
ما الجديد في مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة؟
إن مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا تحتاج إلى مبادرات جديدة من أجل التفاوض بشأنها، لأن كل المشاريع السابقة فشلت لعدم وجود ضمانة بأن تقبلها إسرائيل، فلماذا البحث عن مشروع جديد لا يوجد ما يضمن أن يقبله نتنياهو؟.
كما أن الولايات المتحدة لا تمارس ضغطا حقيقيا على رئيس الوزراء الإسرائيلي من أجل قبول المقترحات الأميركية التي سبق أن أعلنت حماس موافقتها عليها.
وهل أميركا قادرة على ممارسة هذا الضغط؟الموقف الأميركي يملك خيارات واسعة جدا من وسائل الضغط على إسرائيل، ويكفي أن يقولوا لنتنياهو: سنوقف إرسال السلاح، أو سنوقف الدعم الاقتصادي، لن نغطي موقفك سياسيا. كل هذه قضايا يمكن ببساطة أن تؤدي إلى تغير في الموقف الإسرائيلي.
كما أن الضغط الذي يمارسه الفلسطينيون ميدانيا لا زال قائما، ويرهق جيش الاحتلال ويرسل رسالة لنتنياهو مفادها أن نتائج المعركة لن تكون كما يريد، وهناك أيضا التحرك السياسي الذي نطمح إليه على صعيد المنطقة يمكن أن يكون مؤثرا على الجانب الإسرائيلي.
الأسرى لن يعودوا أحياء إلا في إطار اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى
هل حماس قادرة على حماية الأسرى في أيديها إلى نهاية المعركة؟الإعداد المسبق كان على هذا الأساس، والإخوة في كتائب القسام أعدوا ما يعينهم على تحقيق هذا الهدف، والنجاح في الإبقاء على عدد كبير من الأسرى حتى الآن في قبضة المقاومة مؤشر على حسن الإعداد في هذا الجانب.
الآن نجح الاحتلال في أن يستخرج جثثا، وربما استعاد 4 من الأحياء، لكن بكل وضوح "القسام" لا تزال تتقن هذا الدور وتحافظ على هؤلاء الأسرى، وكما قلنا إن هؤلاء الأسرى لن يعودوا أحياء إلا في إطار اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
بعد 11 شهرا من العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع، ما تقييمكم لعملية طوفان الأقصى خاصة مع هذا العدد الكبير من الضحايا؟المقاربة بين عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وعدد الشهداء الذين راحوا ضحية العدوان الإسرائيلي ليست مقاربة صحيحة، لأن المقاربة هي طبيعة هذا الاحتلال وجرائمه وما يفعله بالشعب الفلسطيني، وهذه الإبادة الجماعية التي ترتكب في قطاع غزة اليوم تؤكد شيئا واحدا وأساسيا أنه بلا مقاومة لا يستطيع الشعب الفلسطيني أن يتحرر، وبلا مقاومة لن تتراجع إسرائيل إلى الوراء.
ولذلك فإن "السابع من أكتوبر" هو ناتج 75 سنة من الاحتلال، وناتج مشروع إسرائيلي إستراتيجي هدفه تصفية القضية الفلسطينية، والمجازر التي ترتكب الآن هي محاولة لاستعادة زمام المبادرة الإسرائيلية.
العالم كله بات يدرك اليوم أن المشكلة في إسرائيل، وأن الحل هو أن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة ذات السيادة، وبغض النظر الآن عن تباين وجهات النظر حول هذه الدولة ومساحتها وحدودها، وسوى ذلك لا يمكن أن تستقر الأمور، وهذه النقلة في الواقع السياسي صنعها "السابع من أكتوبر"، بينما الإبادة الحالية صنعها تاريخ إسرائيل المليء بالمجازر بحق الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى اليوم.
المقاومة خرجت من نسيج الشعب الفلسطيني، ولم تنفصل عنه، وخلقت داخله بيئة كلها مقاومة تتكون من الابن والأخ والشقيق
وهل الجبهة الداخلية قادرة على تحمل هذه التكلفة بعد نحو عام من القتل والتدمير والحصار؟الذين يسألون هذا السؤال فريقان: فريق محب وآخر كاره لنا أو كاره لفلسطين.
الفريق الكاره لا أعبأ كثيرا بالرد عليه، ولكن أنا أقول له إن حالة الصمود التي يبديها الشعب الفلسطيني لا شك أنها أغاظت الإسرائيليين، ولا شك أنها تفوقت على كل التوقعات، وهذه رسالة واضحة بأن إرادة المقاومة في الشعب الفلسطيني لا تتعلق بحزب أو فصيل أو قوة أو جناح عسكري، وإنما تتعلق بالشعب الفلسطيني بمجموعه. أما المحبون فأنا أقول لهم إن الجبهة الداخلية متماسكة، ولكنها تتطلع إلى من يدعمها من أبناء الأمة كي يكون أداؤها أعلى وبأسلوب أفضل ولمزيد من الضغط على الاحتلال.وهناك عناصر واضحة لتماسك الجبهة الداخلية في القطاع، ومنها:
التصاق الشعب الفلسطيني بقضيته على مدى نحو 75 سنة، فالآباء يورثون القضية للأبناء ثم للأحفاد رغم قسوة الظروف والأهوال التي مر بها هذا الشعب. هذا الشعب ربط نفسه وقضيته مع الله، وبالتالي نشأت عنده حالة من الإيمان واليقين والتسليم؛ مما دفعه إلى المزيد من العمل من أجل تحقيق الهدف وهو التحرير. المقاومة خرجت من نسيج الشعب الفلسطيني، ولم تنفصل عنه، وخلقت داخله بيئة كلها مقاومة تتكون من الابن والأخ والشقيق. المقاومة استهدفت جيش الاحتلال الذي يقهر الشعب، ومن ثم رأى فيها هذا الشعب الفلسطيني عنوانا للثأر من الجرائم التي ترتكب في حقه. المقاومة تعلم اليوم أنها أفضل من أمس، وتتعلم في الميدان كيف تطور أداءها وتحتضن شعبها الذي يلتف حولها دائما. المقاومة ركزت في معركتها على أهدافها ضد الاحتلال ولم تنجرف في معارك جانبية تثير ضدها الكثير من الغضب والحساسيات.
هل هناك خطوات من أجل ترميم العلاقة مع السلطة الفلسطينية من أجل بناء وحدة الصف الفلسطيني؟
نحن في الأسبوع الأول من المعركة أطلقنا مبادرة سياسية تتعلق بتحديد الأولويات والمسارات وآليات العمل الوطني الفلسطيني المشترك، وهذا قاد إلى حوارات عديدة، وربما كانت ذروتها لقاء بكين الأخير الذي جمع الفصائل وتم توقيع مذكرة تفاهم ووضعنا آلية واضحة للتنفيذ.
وتهدف هذه التفاهمات إلى السعي لتشكيل حكومة توافق وطني تدير كل المناطق الفلسطينية في غزة والضفة، وتكون لها مهمتان أساسيتان:
إعمار غزة ومعالجة آثار الحرب. الدعوة إلى انتخابات عامة فلسطينية لاختيار مجلس وطني ومجلس تشريعي ورئاسة فلسطينية ترتب البيت الداخلي الفلسطيني. وهل حماس مستعدة لتسليم السلطة في القطاع لهذه الحكومة؟نحن اتفقنا في بكين على أن تكون هناك حكومة وفاق وطني تتولى إدارة الشؤون كاملة في غزة والضفة، فنحن لسنا بحاجة لأن نسلم أحدا أو يتسلم منا أحد، فهذه حكومة وفاق وطني تدير كل شيء، والهياكل الإدارية والمؤسسات موجودة.
وهل حماس ستشارك في هذه الحكومة؟بالتأكيد سنشارك فيها، نحن سنكون معنيين بأن تتشكل الحكومة بشكل صحيح، وأن تكون بمشاركة الفصائل كلها، وسنشارك فيها إذا اتفقنا أن تكون بمشاركة شخصيات وطنية، وسنسهم في تسمية هذه الشخصيات، وما يهمنا أن تكون هذه الحكومة محل اتفاق الجميع وأهدافها واضحة ومحددة والبرنامج الزمني محدد وفق ما اتفقنا عليه.
علينا أن نركز على هدفنا وهو تحرير فلسطين وليس التعايش مع الاحتلال، والذي يريد أن يتعايش معه عليه يدرك أن الاحتلال ليس باقيا
لكن هناك تصريحات تخرج من بعض المنتسبين للسلطة الفلسطينية تنال من سياسة المقاومة في مواجهة الاحتلال؟هذا الخلاف موجود، وهو خلاف سياسي واضح ولا نخفيه، ومرده أن هناك فريقا يرى أن التفاوض مع الاحتلال يمكن أن يأتي بالحقوق، وهناك فريق ثان يقول إن المقاومة هي التي تأتي بالحقوق، ومشهد المعركة الراهنة يثبت صحة نظرية الفريق الثاني.
نتنياهو وقف أمام مؤتمرين صحفيين يعرض الخارطة الفلسطينية ولا وجود للضفة فيها، وفي آخر خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قال بكل "وقاحة" إن الأرض من البحر إلى النهر لا تحتمل سوى دولة واحدة، وهو يقصد إسرائيل، ونحن بالنسبة لنا أيضا لا تحتمل إلا دولة واحدة هي فلسطين وأرض فلسطين وشعب فلسطين.
ونحن اليوم في ظل هذه المعركة لسنا بصدد أن نتوقف عند بعض التصريحات التي أراها خاطئة ولا تخدم معركتنا مع الاحتلال، وعلينا أن نركز على هدفنا وهو تحرير فلسطين وليس التعايش مع الاحتلال، والذي يريد أن يتعايش معه عليه يدرك أن الاحتلال ليس باقيا.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الشعب الفلسطینی یحیى السنوار إسماعیل هنیة مع الاحتلال إطلاق النار محمد الضیف فی الضفة أن تکون أن یکون یرید أن من أجل فی غزة لا زال
إقرأ أيضاً:
المقاومة في قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم
خليل المعلمي
لقد أبدع الشعراء الفلسطينيون في شتى المجالات الثقافية والسياسية والعسكرية، وذلك بفعل المعاناة التي عاشها هذا الشعب عبر أجيال وعبر أكثر من مائة عام منذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى وحتى وقتنا الحالي، فقد تحالف ضد هذا الحيز الجغرافي وهؤلاء السكان الباقون على أرضهم ما بقيت الحياة قوى الشر في العالم بريطانيا وأمريكا ومعظم الدول الأوروبية.
من أجل كل ذلك لقد سعت الدول العظمى في بداية القرن العشرين إلى التخلص من أقذر شرذمة عرفها التاريخ وهو اليهود الذين عاثوا في الأرض الفساد، فزرعتهم ككيان سرطاني في قلب أمتنا العربية والإسلامية، وكان هذا أحد السببين أما السبب الآخر فهو السيطرة على مقدرات وثروات الوطن العربي والإسلامي وعدم السماح بقيام حضارة تنافس حضارتهم الحديثة.
واستمر الدعم بداية من مساعدتهم في الهجرة إلى فلسطين ومن ثم تمكينهم من السلاح والأرض والاعتراف بهم كدولة، حتى السكوت على جرائهم المستمرة والمتكررة والتي ليس لها مثيل على مدى التاريخ.
فمن رحم هذه المعاناة تتوالى الإبداعات الفلسطينية، بداية في الصمود الأسطوري على مدى أكثر من مائة عام والاستمرار بالمقاومة بشتى السبل والإمكانيات والتأقلم مع كل الظروف الحياتية والمعيشية والاجتماعية والاقتصادية، فكان من ثمار ذلك الحفاظ على القضية الفلسطينية التي تحاول قوى الشر والاستكبار العالمي القضاء عليها وتصفيتها وتحييد العرب ليبقى الفلسطينيون لوحدهم يواجهون هذا الكيان الغاصب.
تُعَد المقاومة حقاً مشروعاً في الدفاع عن الأرض والعِرض ومقدرات الأوطان، ولا تخضع المقاوَمة – بشكلٍ عام – لحسابات القوى والتوازن بين طرفي الصراع، وإلا لما كانت هناك مقاومة في مصر ضد الإنجليز، وأخرى في ليبيا تجاه الغزاة الإيطاليين، وثالثة في الجزائر نحو الفرنسيين، وغيرها من سائر البلدان التي تعرضت للعدوان والاحتلال.
وتتعدد أشكال المقاومة بدءاً من حمل السلاح، وانتهاءً باستخدام الكلمة المُحرِّضة على مجابهة العدو الغاشم الذي يريد كسر إرادة المقاومين وهزيمتهم، والتَّنعم باحتلال أراضيهم.
وبجانب المقاومة بالسلاح لا يجب أن تغيب عن سماء أفكارنا أهمية المقاومة بالكلمة، خاصة الكلمة المبدعة؛ كالقصة أو القصيدة أو الرواية أو المسرحية، فكلها وسائل تحث على مواصلة النضال، وتكشف عن بشاعة المشهد المترع بالأشلاء والدماء، وتضع أمام الجيل الحالي والأجيال اللاحقة حقائقَ دامغةً لا تقبل الزيف أو الخداع.
ولعلنا هنا بصدد الكلمة الشعرية، وتحديداً ما خطه قلم الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم (رحمه الله)، فقد جمعت قصائده بين الحماسة والتحريض والشجاعة، غير مكترثةٍ بقدرات الأعداء وتفوقهم، لأن المسألة في النهاية تتعلق بقداسة الوطن ولا شيء آخر غيره.
يقول الشاعر سميح القاسم:
دم أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني
وصهيل الخيل مازال، وتقريع السيوف
وأنا أحمل شمساً في يميني وأطوف
في مغاليق الدجى.. جُرحاً يغني
هو في حقيقة الأمر لم ينسَ ثأره القديم، مستلهماً قرع السيوف (القوة)، وراجياً أملاً لا يأفل (الشمس)، ومصراً على التطواف المُجَابِه. ورغم الظلمة الحالكة إلا أنه يجعل من جراحه غناءً يؤكد وجوده غير القابل للفَناء.
وفي نَصِّه الشعري “أمطار الدم” يصيح بأعلى صوته بُغية إيقاظ النائمين أو الغافلين من بني بلاده ليتصدوا لقوى الاحتلال الباغي:
ألقى عباءته المبللة العتيقة في ضجر
ثم ارتمى..
– يا موقداً رافقتَني منذ الصِغَر
أتُراكَ تذكُر ليلةَ الأحزان. إذ هزَّ الظلام
ناطور قريتنا ينادي الناس: هبوا يا نيام
دهمَ اليهود بيوتكم..
دهم اليهود بيوتكم
أتُراكَ تذكُر؟.. آهٍ.. ياويلي على مدن الخيام
ويذكِّرنا سميح القاسم – ضمنياً – بوعد بلفور المشؤوم الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، راصداً مرارة المشهد بإيقاع ينم عن المأساة الكبيرة، نتبين ذلك من خلال نصه “أطفال سنة 1948”:
كومٌ من السَّمك المُقَدَّد في الأزقة.. في الزوايا
تلهو بما ترك التتار الإنكليز من البقايا
أنبوبة.. وحطام طائرةٍ.. وناقلة هشيمة
ومدافع محروقة.. وثياب جندي قديمة
وقنابل مشلولة.. وقنابل صارت شظايا
ويستلهم من خلال قصيدة “توتم” التراث الإفريقي، وتوتم هي رقصة إفريقية تمثل – كما هو معروف – صراع القبيلة مع وحشٍ أسطوري مخيف يهاجم ضاربها من الغابة، ولكنها تنتصر عليه.
وكأن الشاعر – بهذا – يدعو إلى الصبر، والبشارة بانتصار قادمٍ لا محالة.
ألسنة النار تزغرد في أحشاء الليل
ويدمدم طبل
وتهدُّ بقايا الصمت طبول ضارية وصنوج
ويهيج الإيقاع المبحوح.. يهيج
فالغابة بالأصداء تموج
وتتبدى مشاعر البوح في خضم الأحداث والخطوب، عبر سطورٍ عنونها مبدعنا بـ”رماد”:
ألا تشعرين؟
بأنا فقدنا الكثير
وصار كلاماً هوانا الكبير
فلا لهفة.. لا حنين..
ولا فرحة في القلوب، إذا ما التقينا
ولا دهشة في العيون
ويتكئ على شعر الحماسة بهدف شحذ العزائم، وحث المناضلين والمقامين على مواصلة الكفاح، مؤكداً لهم أنَّ قتل الأطفال والشيخ ومشاهد الأمهات اللائي فقدن أبناءهن لا يجب أن يكون مدعاة للتهاون أو الاستسلام، وأن صور التشرد والهدم واليُتم لا يجب أنْ تكون سبباً في كسر الإرادة أو الهزيمة:
– تقدموا.. تقدموا
كلُ سماءٍ فوقكم جهنمُ
كلُ أرضٍ تحتكم جهنمُ
تقدموا..
يموت منَّا الطفلُ والشيخُ لا يستسلمُ
وتسقط الأم على أبنائها القتلى ولا تستسلمُ
تقدموا بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا وشردوا ويتموا وهدموا
لن.. لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا أشواقنا
نحن القضاء المبرمُ
وفي قصيدته الشهيرة “أمشي” يحسم الأمر، ويبين أن جهاده ضد الأعداء له ما يبرره، ومع ذلك يمد يده للسلام والعيش الآمن، وكأنه يدعو إلى إنهاء الاحتلال مقابل السلام، وأنه في سبيل ذلك لا يهاب الموت ولا يخافه، فهو في كل الأحوال يزهو بنفسه وبعروبته ووطنه:
منتصب القامة.. أمشي
مرفوع الهامة.. أمشي
في كفي.. قصفةُ زيتون وحمامة
وعلى كتفي.. نعشي
ولا عجب، ذلك أن الأديب الشاعر سميح القاسم كان يرى كل شعراء العرب الملتزمين شعراء مقاومة، ويؤمن بالقصيدة كأداة فُضْلى بالنسبة للعرب للتعبير عن أنفسهم، فالقصيدة برأيه تطلق صيحة الألم والأمل في نفس الوقت.
وكان يجزم بأن النكبة الحقيقية لأبناء الشعب الفلسطيني بدأت مع وعد بلفور، كما كان يجهر بحبه لبلاده لأن بلاده أيضاً تحب أبناءها.
ويؤمن بضرورة محاربة معاهدة “سايكس بيكو” التي أُبرِمَتْ سِراً سنة 1916، تلك المعاهدة التي قسَّمت الوطن العربي إلى مناطق نفوذ للدول الكبرى.
لقد كانت ومازالت وستظل قصائد الراحل العظيم سميح القاسم أنموذجاً يحتذى للشعر العربي المقاوِم في فلسطين وخارجها.