في اليوم الأخير لها من رحلة موسكو أصرت على المرشد السياحي أن يأخذها إلى مطعم يقدم (عيش)، فأخذها إلى مطعم عربي في قلب الساحة الحمراء، أكلت فيه (المكبوس) الذي اشتهت، والذي دفعت فيه أضعاف ما كانت ستدفعه في أفخم مطاعم مسقط، كانت رفيقتها التي نقلت لي القصة مصدومة من الفاتورة التي اضطرت إلى مقاسمتها إياها لصحن عيش.
لكنني لم أستغرب أن تدفع أي مبلغ مقابل تناول صحن عيش بعد أيام طويلة قضتها بعيدًا عن أسرتها، ذلك أنها طوال الأيام التي سبقت حدث البرياني كانت تتحدث كثيرًا عن أسرتها، وعن عمان، وعن بيتها، وصحن العيش كان يهدّئ الحنين ليس إلا.
الفتاة لم تنظر لسعر صحن العيش، فما يهم هو (قيمته)، فالقيمة التي تمثلها تلك الوجبة كانت تستحق، هي اشترت دفء العائلة، ورائحة الوطن، وألفة المكان. في حياة كل منا (صحن عيش) مستعدين لدفع الغالي من أجله، البعض هذا الصحن هو كتاب أو دورة تدريبية، أو جهاز هاتف، أو سيارة، أو لوحة فنية... إلخ،
فقبل مدة سمعت تعليق من فتاة على سعر كتاب وقعت عينها عليه، وكان (20) ريالًا عمانيًا، كانت مصدومة من السعر وقالت معلقة: من المجنون الذي سيدفع 20 ريالًا في كتاب؟! دون أن تعي أن بجانبها كانت تقف (مجنونة) مستعدة لدفع أضعاف هذا المبلغ من أجل كتاب، ولا شك أن هذه الفتاة ذاتها مستعدة لدفع ضعف هذا المبلغ مقابل شيء ذي قيمة معنوية عالية بالنسبة لها.
كلنا مجانين في عيون بعضنا البعض حين يتعلق الأمر بما نحب، فالرجل الذي يفضل دفء المرأة وحنانها على جمالها هو مجنون برأي من حوله، والشابة التي تدفع مبالغ طائلة من أجل تغيير شكل وجهها الذي كنا نراه جميلًا هي أيضًا مجنونة برأينا، لكن الواقع أن لا أحد مجنون، كما يقول مورجان هاوسل فنحن فقط نختلف في تقييم الأمور من حولنا، فما يستحق بالنسبة لك، قد أجده أنا تافها والعكس صحيح أيضا، لا لشيء سوى لكوننا نقف في زاوية أخرى.
وكما تقول الحكمة العربية (لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع).
هدى حمد كاتبة عمانية ومديرة تحرير مجلة نزوى
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
فقرات من كتاب العار
للدول الأفريقية تاريخ طويل ومحزن من العبودية والاستعمار والاستعمار الجديد على أيدي قوى أجنبية من خارج القارة. قد تعتقد أن هذا التاريخ الحزين سيمنع الحكومات الأفريقية من التآمر مع القوى الأجنبية لزعزعة استقرار وتدمير الدول الأفريقية الأخرى ولكن هذا ليس ما نراه.
فلماذا إذن يساعد الحكام والمثقفون والسياسيون الأفارقة الأجانب على تدمير ونهب الدول الأفريقية الأخرى، وفي الوقت نفسه ينسون التاريخ الحزين الذي عانى منه الأفارقة على أيدي الأجانب وينسون أيضًا أن بلدانهم مليئة بالانقسامات والضعف التي يمكن استخدامه للتسبب لهم في مشاكل خطيرة انتقامًا من تدخلهم في شؤون جيرانهم؟
الإجابة بسيطة، هؤلاء القادة والمثقفون والسياسيون مدفوعون بمكاسب شخصية ولا يهتمون بما إذا كانت الدول الأفريقية الأخرى قد دمرت أو أن بلدانهم ستدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً وتشرب من نفس الكأس لأن هؤلاء الأجانب سيتحولون ويفعلون ببلدانهم ما فعلوه بالدول الأفريقية الأخرى بمساعدتهم .
ومن السهل للغاية على قوة أجنبية أن تشتري زعيمًا أفريقيًا، وتشتري سياسيين وصحفيين وغيرهم من اللاعبين المؤثرين، ثم تحصل على خدماتهم لتدمير قارتهم. يمكن شراؤهم بشكل مباشر أو من خلال دفعيات مادية أو عينية لأبنائهم وبناتهم وزوجاتهم وإخوانهم وشركائهم في الأعمال ، لأن الرشاوى السياسية أصبحت عملاً متطورًا ومتقدمًا ليس من السهل اكتشافه وإثباته.
وهذا هو السبب أن شخصيات أفريقية نافذة تلعب أدوارا قذرة ضد مصلحة كل دول القارة ويتامرون مع الأجنبي ضد مظر أفريكا.
وهذا يعني أننا يجب أن نتجنب أخذ شعوب أفريقيا بجرائر حكوماتها التي تعمل من خلف ظهرها، ونكتفي بصب اللعنات علي الكومبردورات الأنانيين المصلحجية ونحافظ علي علاقة طيبة علي المستوي الثقافي والإجتماعي مع كل الشعوب بغض النظر عما تفعل حكوماتها.
عار عليهم جميعًا، القادة والتكنوقراط والسياسيون والوسطاء.
معتصم اقرع
إنضم لقناة النيلين على واتساب