أخر تطورات واقعة مقتل مسنة على يد حفيدها بـ 6 طعنات في الخليفة
تاريخ النشر: 8th, September 2024 GMT
جدد قاضى المعارضات بغرفة المشورى بمحكمة جنوب القاهرة، حبس طالب متهم بقتل جدته، داخل شقتها بالخليفة، 15 يوم على ذمة التحقيقات.
واعترف المتهم أمام جهات التحقيق، بارتكابه للواقعة وقال إنه طالب ويبلغ من العمر 16 سنة، وقد اعتاد علي الدخول علي تطبيق مراهنات إسمه "كونكو" على الإنترنت.
وتابع المتهم أنه خسر أمواله كلها من خلال التطبيق وجائته فكرة شبطانية للذهاب إلي شقة جدته لسرقتها، وعندما فتحت له ودخل غرفة نومها شاهدته يقوم بالسرقة فأخذ سلاح أبيض "سكين" وطعنها 6 طعنات متفرقة بالجسد، وتوفيت في الحال.
البداية عندما تلقي قسم شرطة الخليفة، بلاغا من عامل بعثوره على جثة والدته البالغة من العمر 84 سنة مقتولة داخل شقتها بدائرة القسم، وعلى الفور انتقلت الشرطة إلى مكان الواقعة، وعثر على جثة سيدة مسنة مقتولة.
و بإجراء، التحريات، تبين أن وراء ارتكاب الواقعة حفيدها.
وباعداد الأكمنة اللازمة تم ضبط المتهم، وحرر المحضر اللازم بالواقعة وتولت النيابة العامة التحقيقات.
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: مسنة 6 طعنات جنوب القاهرة لعبة مراهنات الخليفة
إقرأ أيضاً:
السيف والنار لسلاطين باشا: الخليفة عن قرب، أو: في ذكر ما أخفته الروايات الرسمية (1-3)
عرض ونقاش: الوليد محمد الأمين
ولد الضابط النمساوي رودلف أنتون كارل فون سلاطين في العام عام 1857م ﺑفيينا، ثُمَّ ذهب إلى مصر ليلتحق كضابط بالقوات الأنجلو نمساوية. وبدأت علاقته الإدارية بالسودان في أوائل فبراير 1879 عندما عينه "غردون باشا" مفتشا ماليا بعد أقل من شهر من وصوله الخرطوم، مع تعليمات بالترحال في البلاد والتحري في شكاوى السودانيين من الضرائب الباهظة وغير المعقولة، وكان عمره وقتذاك كما يذكر هو ذاته في نحو ال 22 عاماً. وهي الوظيفة التي استقال منها لأسباب يذكرها في الكتاب. المنصب المهم بالنسبة له كان عندما عيّنه غردون باشا مديرا لدارا، التي يقول عنها الكاتب إنها تشمل المناطق الجنوبية الغربية لدارفور. ويذكر سلاطين في الكتاب أنه كان قد قام برحلة إلى السودان قبلها بأربع سنوات في العام 1874 وصل فيها حتى الخرطوم ثم زار جبال النوبة ومكث لفترة في الدلنج في الإرسالية التبشيرية التابعة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية النمساوية. وظل سلاطين حاكما لدارفور حتى أوقعه حظه العاثر في أسر الدراويش، أو جنود المهدية، بعد استسلامه لهم في العام 1882، والذين بقي أسيرا لديهم حتى نجاح هروبه في العام 1895. وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدث عن فترة عمله في السودان وما تلاها من فترة أسره الطويلة ومن بعد ذلك قصة هروبه، إلا أنه من المعروف أن سلاطين عاد مرة أخرى إلى السودان مع الجيش الذي أعاد احتلال السودان بقيادة الجنرال كتشنر في العام 1898م، واستمر بعدها يعمل في خدمة الحكم الثنائي (البريطاني/ المصري) إلى العام 1914م.
ويمثل كتابه Sword & Fire in Sudan، والمترجم على نطاق واسع تحت العنوان "السيف والنار في السودان"، على الرغم من أن الترجمة الأكثر صحة للعنوان كما يشير الأستاذ نور الهدى محمد، صاحب دار عزة للنشر بالخرطوم، هي "السيف والبندقية في السودان" - وطبعة دار عزة هي الطبعة التي يعتمد عليها هذا العرض للكتاب- يمثل كتابا مهما في توضيح الحياة السرية للخليفة، أو قل الحياة التي لم يرد لها الخليفة والمقربون من أنصاره الظهور للعلن. وهو سلوك أو رغبة سايرهم فيها العديد من المؤرخين السودانيين الذين تغاضوا في كتاباتهم عن ذكر فظاعات الخليفة وقبائله من حواضنه الاجتماعية وأفعالهم ببقية الناس والقبائل في السودان النهري على وجه العموم بما فيه شرق السودان الكبير، رغبة منهم في غالب الأمر، أي هؤلاء المؤرخين أو التاريخيين السودانيين، لتثبيت سردية الدولة الوطنية الأولى في السودان الحديث، أو قل النظر للحركة المهدية كثورة سودانية خالصة تمكنت من هزيمة الانجليز وقطع رأس السير غردون حاكم السودان وقتها. ولعله من المثير للتأمل هنا أن هؤلاء المؤرخون السودانيون الكبار هم من المنتمين للإثنيات التي سامها الخليفة ودولته ما ساموهم من التنكيل والقتل والتعذيب. وظلت المرويات الشفاهية في غالبها عند الجماعات التي ينتمي إليها هؤلاء المؤرخون حافلة بالقصص والحكايات التي أخفاها أبناؤهم، أو قل بكثير حسن الظن أنهم تغاضوا عنها. ربما جاز لنا تفسير هذه الظاهرة بسعي هؤلاء المؤرخين إلى التعامل مع الحركة المهدية باعتبارها الدولة الوطنية الأولى في السودان بشكله الحالي أو الأقرب إليه، وبالتالي كان سعيهم ذلك في إطار محاولة صنع الأمة، فالأمم على كل حال تُصنع، ولا يمكن الاكتفاء بانتظار تخلقها وحدها. وربما كان بعض هؤلاء المؤرخين من المؤمنين بالمهدية نفسها، ليس كعقيدة دينية ولكن على الأقل كتيار وطني، أو كما حاول نسل المهدي وأسرته طرح أنفسهم بعدها في الساحة السياسية السودانية بتكوين حزب الأمة، والذي سموه حزب الأمة القومي. استمر هذا النهج من تزييف التاريخ وتذويقه واستخدمت فيه أدوات الدولة، الدولة التي يتهمها كل من رفع السلاح في السودان بتهميشه وباستئثار الجلابة والشماليين على وجه العموم بها وبخيراتها. إنه لمن المحير كيف أن هؤلاء الشماليين فرضوا في المناهج الدراسية وفي مقررات التاريخ بالذات، دولة يوتوبية متخيلة وأبطالا قوميين من ذات الجهات التي تناصبهم العداء. ومسألة المناهج الدراسية هذه بالذات فيما خص تاريخ المهدية دار حولها لغط واتهامات لمن كان بيدهم القلم يوما ما في ذلك الشأن. قد يفسر البعض ذلك بما قلناه أعلاه من سعيهم لصناعة الأمة، فلا يُتخيل والحال كذلك عرض الصورة الحقيقية للمهدية وقادتها، وهذه المسألة ليست بدعا لدى السودانيين، فغالب الشعوب تمجد أبطالا تتم صناعتهم بالتغاضي عن النقاط المظلمة في سيرتهم، ولكن الحال هنا مختلف، إذ تم التغاضي عن ظلامات الشعوب المقهورة التي عانت ما عانت من المهدية ودولتها. كذلك من المهم الإشارة إلى أن ما عاناه الشماليون عموما من بطش الخليفة وجماعاته وحواضنه الاثنية، كان دافعا مهما في ترحيب هذه الجماعات المقهورة بقوة السلاح وبالبطش الذي قل مثيله في التاريخ المعاصر، ترحيبها بسقوط الخليفة ودولته، حتى وإن كان ذلك على يد الانجليز. من سخرية الأقدار أن تجد اليوم في السودان من يصف من يتحدث عمن رحبوا بقضاء الانجليز على دولة الخليفة بعدما فعلته بهم بأنهم ساندوا الاستعمار! وفي الحقيقة فالمهدية نفسها بطريقة أو بأخرى كانت استعمارا للسودان القديم، أي السودان قبل ضم دارفور بواسطة الاستعمار، فالمهدية أسقطت الخرطوم في 1885 بقوات عمادها الأساس من دارفور، بينما دارفور نفسها لم تكن ضمن حدود السودان إلا في نحو العام 1874 حين ضمها الزبير باشا لصالح الخلافة التركية فصارت ضمن السودان لفترة محدودة تصادف أن ظهرت فيها الحركة المهدية والقصة بعد ذلك معروفة. ومن التاريخ غير المذكور في الكتاب، أن سلاطين عاد إلى مديريته القديمة التي كان حاكما لها، وكان ذلك في العام 1901، ولكن كمبعوث من وينجت باشا هذه المرة للتفاهم مع سلطانها علي دينار للاعتراف بالحكم الجديد في الخرطوم. ولكن علي دينار رفض استقبال سلاطين أو حتى مجرد دخوله للفاشر، فرجع للخرطوم حسيرا. وقد كان سلاطين من أنصار ترك علي دينار ما ترك الخرطوم في حكمها الجديد وشأنها، وقاوم دعوات من أراد ضم دارفور للسودان (1). ولكن ذلك موضع آخر فيه من التقاطعات ما فيه وليس هذا مكانه. الشاهد هنا أن قوات الخليفة التعايشي بهذا المنطق هي ذاتها قوات غازية بالنسبة لسكان وادي النيل وشرق السودان في القضارف وكسلا والقلابات، فهم ليسوا جزء من هذه الشعوب ولا علاقة لهم بهذه الجغرافيا التي غزوها. وثمة أبيات تنسب لشاعر الدوبيت الكبير الحاردلو يتحدث فيها عن جنود المهدية وغربتهم عنهم بقوله: ناسا قباح من دار غرب يوم جونا/ جابوا التصفية ومن البيوت مرقونا/ أولاد ناسا عزاز متل الكلاب سوونا/ يا يابا النقس ويا الانجليز ألفونا (2). ومن الثابت والمعروف والمدوّن في تاريخ دولة الخليفة ارتيابه في سكان وادي النيل وتحذيره منهم، فهو بالتالي كان مدركا لرفضهم له واعتبارهم له غريبا عنهم. وفي ذلك يقول سلاطين إنه من المعروف أن "أولاد البلد"، كما سماهم، وخاصة "البرابرة والجعليين وسكان الجزيرة"، لم يحبذوا مجيء الخليفة وقبائل الغرب إليهم، حيث أنهم، والكلام لسلاطين" يختلفون عنهم تماما سلوكا وطبعا وفكرا". وفي ذلك يقول عن الجعليين مثلا بأنهم "ربما كانوا أكثر قبائل السودان تمسكا بالفضائل"، وفي موضع آخر يصفهم بأنهم "أكثر قبائل السودان استقلالية واعتدادا بالنفس". ويقول إن الخليفة كان بالذات " يكره الجعليين ويخشاهم في نفس الوقت، وبالذات الذين يسكنون بين حجر العسل وبربر على ضفة النيل، فهم العرب الوحيدون تقريبا في السودان الذين لهم حياة أسرية منظمة جدا ويتميزون بأخلاق عالية تتيح لهم وجودا مريحا وصحيا". وفي الإطار ذاته يذكر سلاطين أن الخليفة أخبره أنه في رحلته إلى المهدي للانضمام إليه ومبايعته، أن الناس هناك كانوا يعتبرونه غريبا، حيث يقول ضمن ما يقول في هذه المسألة: " وحيثما توجهت كانت ملابسي ولهجتي توشي بأنني غريب الديار، وعندما عبرت النيل كان الكثيرون يقابلونني بمثل قولهم: عد إلى ديارك، فليس لدينا ما تسرقه". لقد كان التعايشي مدركا لغربته عن السودان الشمالي، وكان سكان النيل كما وصفهم مدركين لغرابته عنهم، ففي ذلك الوقت لم يكن قد مر على ضم سلطنة دارفور المستقلة قبلها للسودان ما يصل للسنوات العشر. ونجده يقول لسلاطين مرة أخرى: "لم يكن سكان النيل يحسنون الظن بنا، فقد كان التجار المسافرون غربا للزبير أو إلى بحر الغزال أو إلى ديارنا كثيرا ما تساء معاملتهم من قبل العرب".
وعودا إلى كتاب سلاطين باشا، فالكتاب غير روايته لحياة الرجل الأسير عند الخليفة ومعاناته معه ومع أتباعه، فهو يوضح كذلك بعض جوانب الحياة الاجتماعية للسودانيين وقتها وأحوال الناس تحت حكم الخليفة والمجاعة التي فتكت بهم.
يتكون الكتاب من تسعة عشر بابا تلتها الملاحق. وتحت اسم كل باب كان المؤلف يضع بعض الإشارات لما سيرد في الباب، فالباب الأول على سبيل المثال جاء تحت العنوان (استهلال)، والثاني تحت العنوان (إقامتي في دارفور والتاريخ القديم للمديرية)، أما الثالث فكان (حكومة دارفور)، ومن الإشارات الواردة تحت هذا العنوان نجد: العداء بين الماهرية وعرب البديات – العادات والسلوك الغريب للبديات، وغيرها. الباب الرابع كان تحت العنوان: رواية الخليفة الشخصية عن ظهور المهدي، ومن الإشارات فيه نجد: محمد أحمد يتشاجر مع زعيمه الروحي. وهكذا تستمر الأبواب. الخامس: انتشار الثورة في دارفور. السادس: حصار الأبيض وسقوطها، وفيه نجد: المبشرون بالدلنج يسقطون في أيدي المهدي – حصار وسقوط بارا – أهوال الحصار بالأبيض. فالسابع: مجهودات يائسة لإيقاف مد المهدية في دارفور، وفيه: معركة أم ورقات – ضباطي وجنودي يرجعون سبب هزائمنا لكوني مسيحيا – قراري باعتناق الدين الإسلامي اسميا، فالثامن: حملة هكس باشا، وفيه: انتشار الاعتقاد بقداسة المهدي – انتشار الثورة في الجزيرة، فالتاسع: سقوط دارفور، فالعاشر: حصار وسقوط الخرطوم، وفيه: عودة غردون للسودان – حصار الخرطوم – وصف الخليفة – احضار رأس غردون لي – أحداث الأيام الأخيرة للخرطوم – المذابح والفظائع التي تلت سقوطها – مرض ووفاة المهدي – تولي الخليفة عبد الله الحكم من بعده. ثم يليه بالطبع الحادي عشر: بواكير حكم الخليفة عبد الله، فالثاني عشر: الأحداث في أنحاء السودان المختلفة، وفيه: الشجار بين مادبو وكرم الله – إعدام مادبو – تحطيم قبيلة جهينة – أمثلة لطغيان الخليفة – بناء قبة المهدي، فالثالث عشر: الحرب السودانية الحبشية، وفيه: إعدام 67 من عرب البطاحين – أحداث المجاعة الكبرى، فالرابع عشر: الخلاف والشقاق، وفيه: ثورة الأشراف – انتقام الخليفة من الأشراف – رفضتُ الزواج بابنة عم الخليفة، ثم الفصل الخامس عشر، والذي سماه المؤلف ملاحظات متفرقة، وفيه يذكر صفات الخليفة عبد الله وخصائصه – المصير الذي لاقاه مؤرخ المهدية – تعظيم وترفيع قبائل الغرب وقهر قبائل النيل. الباب السادس عشر كذلك عنونه المؤلف بملاحظات متفرقة وفيه يذكر: الحج بالقوة إلى قبر المهدي – الفسوق والفجور. أما البابين السابع عشر والثامن عشر فقد خصصهما الكاتب لقصة هروبه تحت العنوانين: خطط الهروب وهروبي، على التوالي. ثم أخيرا الفصل التاسع عشر تحت العنوان (خاتمة).
في الباب الثالث والمعنون "حكومة دارفور"، يتحدث سلاطين عن أنه زار بنفسه تقريبا كل قرية في دارفور وتعرف على كل القبائل العربية، التي يصفها بالقوية، والتي كانت كما قال "دائما على شفا الحرب بين بعضها البعض". وأنه كثيرا ما توسط بينهم. ويذكر بالتحديد الصراع بين عرب الماهرية والبديات (3) كسبب دفعه لزيارة الجزء الشمالي الغربي من المديرية. وعن عرب البديات بالذات فيذكر باستغراب أنه وعلى الرغم من وجودهم في قلب القبائل والدول المسلمة، إلا أنهم قد يكونون القبيلة الوحيدة في ذلك الجزء من وسط افريقيا التي لا تزال تعتنق عاداتها الوثنية القديمة، ويتضرعون لإله مجهول، ويذكر بعض عاداتهم الغريبة في الحياة، ويورد صورة لواحد من البديات يصلي للشجرة المقدسة. ومن القصص التي رواها سلاطين وتشرح بعضا من التاريخ الاجتماعي لبعض المجتمعات في دارفور، أو قل القيم، وقتها، ما رواه عن الشيخ علي ود حجير زعيم المعاليا، الذي قاتل أعداءه الشرسين حتى قتل، كما قتل معه والد زوجته. أما زوجته التي كانت سبب تلك الكوارث كما يقول سلاطين، فقد أُسِرت وتم استرقاقها. وما حدث أن على ود حجير رفض الفرار حتى لا يكون " مصدر السخرية لامرأة"، كما قال، والمرأة هذه كما رأينا كانت زوجته التي أنشدت شعرا في ذمه بعد وصوله إلى دياره ناجيا من معركة مع قبيلة الرزيقات. استمرت هذه المسألة لدى عرب دارفور حتى يومنا هذا، وتعرف هؤلاء النساء لديهم بالحكّامات، وهن النساء الذين يحثون الرجال على القتال وعدم التراجع ويعتبرن ذلك جبنا وعارا يخلد في أشعارهم، بينما لا يرين في قتل الآخر ونهبه بأسا ولو كان أعزلا.
ترد في الكتاب الإشارة في عدة مواضع إلى تجارة الرقيق، كما ترد الإشارة إلى العبيد والخدم، وأحيانا إلى أعراق الناس حتى بعض قادة المهدية وانتمائهم إلى الرقيق أو كونهم غير رقيق. ورغم محاولة سلاطين الخفية إظهار نفسه كمسيحي متحضر ضد تجارة الرقيق، فإن تحيزه ضد من سماهم بتجار الرقيق العرب كان واضحا، كما أن انتهازيته أو قل براغماتيته في التعامل مع هذه المسالة كانت واضحة هي الأخرى. فهو يبدو في صورة حامل عبء الرجل الأبيض عند حديثه عن ولد من الفرتيت وصفه بالغلام النابه، قال إنه كان من الذين حررهم من تجار العبيد، وسلمه لواحد من الأوروبيين هو الدكتور فلكن. والأخير هذا أخذ الصبي معه إلى أوروبا ليكون خادما يقوم بشئونه. وبعد سنتين ونصف، يقول سلاطين، إن كبسون، وهو اسم الصبي، أرسل له خطابا بالإنجليزية يخبره فيه بأنه اعتنق الديانة المسيحية وانه أسعد ولد في العالم، وأنه يشكره على إرساله "إلى بلاد كل شخص فيها طيب للغاية"! مرسلا له صورته بالملابس الافرنجية. ولكن سلاطين حين يذكر تجارة الرقيق فهو يربطها بالعرب في سلوك شائع لدى المستشرقين والمستعمرين الأوروبيين. بالطبع شارك في هذه التجارة بعض عرب السودان، ولكن التجار الأساسيين والرأسمال الأكبر في هذه التجارة في نطاقها الواسع كان عماده الأوروبيون والرجل الأبيض على وجه العموم. وفي السودان نفسه كان هناك دور كبير يتم التغاضي عنه لسلاطين دارفور مثلا وللزعماء المحليين، ويمكن الرجوع إلى كتاب محمود ممداني (دارفور: منقذون وناجون) (4)، ومراجع أخرى في هذه الجزئية. إن رودلف سلاطين في نهاية الأمر هو مستعمر بغيض وإن تمسح بحضارة الرجل الأبيض واستعلى بما يراه من سمو قيمه المسيحية. هذه القيم التي تجعله يستنكر التجارة في الرقيق عندما يقوم بها صغار الجلابة، ولكنه يقوم في ذات الوقت عند ذهابه للخرطوم بصفته حاكما لدارفور ومقابلته للحاكم العام هناك، يقوم بالطلب منه السماح له بطلب عدد من العبيد الشبان سنويا من القبائل العربية ليتمكن من تكوين كتيبة منهم تحل محل الموتى أو المرضى والمصابين من الجنود، ويذكر سلاطين في كتابه اقتراحه الشخصي للحاكم العام وقتها رؤوف باشا، بالسماح للعرب في دارفور بدفع ما عليهم من استحقاقات عبيدا بدلا عن الماشية، مبررا ذلك بأنه سيتمكن بهذه الطريقة من كسب ولاء البازنجر الذين كانوا في خدمة سليمان الزبير. وفي حديثه ذلك يرد اسم المرحوم - كما سماه، لطيف ديبونو المالطي، الذي وصفه بتاجر الرقيق المشهور، دون استنكار لنشاطه بل بالترحم عليه. من الواضح ان تجارة الرقيق تصبح أكثر جرما إذا ما مارسها الجلابة، أما حين يمارسها الأوربيون المتحضرون، أو سلاطين القبائل الزنجية نفسها، فالجرم هناك أقل. ومن التناقض الذي لم ير فيه سلاطين بأسا أو ما يثير الانتباه، أن غردون عند وصوله للخرطوم وقبل مقتله، أرسل للمهدي موافقته على السماح له بتجارة الرقيق وعروضا أخرى مقابل التخلي عن الثورة.
وقريبا من ذلك في العلاقات بين سكان النهر من الشماليين الذين سماهم المؤلف بالجلابة وشرح الاسم بين قوسين بأن المعني بها "صغار التجار"، وبين عرب دارفور، ذكر سلاطين أن غردون كان قد أصدر أوامره لشيوخ القبائل العربية (والمقصود بها هنا بالطبع القبائل العربية في دارفور)، للقبض على كل الجلابة في مناطقهم وإجلائهم بالقوة إلى دارا والطويشة وأم شنقة والأبيض، كما حمّلهم، بحسب المؤلف، المسئولية عن أي جلابي يوجد في منطقتهم بعد تاريخ معين. يقول المؤلف إن هذا الأمر وجد ترحيبا لدى " العرب الشرهين" (والوصف لسلاطين) الذين انتهزوا الفرصة ليس لسلب ونهب التجار الجوابين فقط، بل وحتى أولئك الذين كانوا يساكنونهم عبر السنين والذين لم تكن لهم أي يد في تلك التجارة، فقد قام العرب بحسب المؤلف بجمع الصالح والطالح منهم وأبعدوهم من مناطقهم محققين أرباحا طائلة من وراء ذلك، ولم يفقد التجار بضائعهم فقط، بل حتى ملابسهم وكل ما يمتلكونه، وساقوهم كالبهائم بالمئات شبه عراة نحو دارا والطويشة وأم شنقة. يقول المؤلف إن ذلك كان عقابا رهيبا لتواصلهم غير المشروع مع أعداء الحكومة، وغالب الظن أنه يعني سليمان ابن الزبير. ليس مطلوبا من القارئ هنا على أي حال الربط بين ما ذكره سلاطين هنا وما قد يتكرر مرة أخرى بمحض المصادفة التاريخية! ولكن ذلك يلقي الضوء على أي جرم كبير قد ارتكبه من زيفوا تاريخ السودان عموما في المناهج المدرسية بل وفي كتاباتهم الأكاديمية. فماذا يمكن تسمية تلك الأفعال في أبسط توصيفاتها غير التعاون مع المستعمر؟ بالطبع كانت لأولئك العرب أحقادهم الشخصية وسلوكياتهم الخاصة في هذه المسألة. حدث ذلك على الرغم من أن معظم هؤلاء التجار الجلابة كما قال عنهم سلاطين، "كانوا قد أقاموا لسنوات طويلة وسط العرب، وكان لديهم زوجات وأطفال وسراري وثروات مقدرة، سقطت كلها في أيدي العرب". وفي تعليقه على ذلك يقول سلاطين إن معظم صغار التجار هؤلاء كانوا من الجعليين من وادي النيل، ومن ثم ترعرعت كراهية عميقة بينهم وبين العرب الذين قهروهم. ويصف سلاطين هذه الكراهية بأنها استمرت حتى يومنا هذا (يعني بالطبع وقت كتابته للكتاب)، ثم يشير إلى أن كل الدلائل تشير إلى زيادتها بدلا عن نقصانها. وما لم يتوقعه سلاطين بالطبع هو أن تستمر هذه الكراهية، بل وأن يتكرر التاريخ بعد ما يزيد قليلا على المائة عام. وأشار سلاطين إلى أنه وبما أن معظم هؤلاء التجار كانوا من الجعليين والشايقية والدناقلة، فقد كان لهم صلات وأهل وأصدقاء في وادي النيل فلم يتقبلوا أوامر غردون. وكنتيجة لذلك فعند وصوله هو لأم شنقة التي قال عنها إنه وجدها تعج بالجلابة الذين طردوا من المناطق الجنوبية، فقد كان هؤلاء الجلابة ينظرون إليه بنوع من التوجس خاصة بعدما سرى أنه ابن أخ لغردون الذي أذاقهم الأمرّين، ورغم أنه يقول إنهم كانوا في حالة محزنة، إلا أنه يقول بأن ما جرى لهم من الفظائع هو ما كانوا يستحقونه بالفعل.
يتكرر في الكتاب نسب الناس إلى قبائلهم، وتتكرر كذلك الإشارة إلى القبائل في معرض الحديث عن بعض المهن أو الحديث عن بعض الصفات. فنجده يشير إلى أن جباة الضرائب كان معظمهم من الباشبوزق والشايقية، وفي حديثه عن الجعليين نجده يشير إليهم بالقبيلة القوية، ويذكر كذلك الدناقلة الذين يقول إن بينهم وبين الجعليين ما صنع الحداد. ويقول إن ذلك العداء بينهما يفسر الكثير من القلاقل التي ستلم قريبا بالسودان، ولكنه لا يذكر بعدها شيئا عن ذلك في الكتاب. وعن أصلهم فهو يقول إن الجعليين يعودون في أنسابهم إلى العباس عم النبي، بينما الدناقلة الذين يذكر أن معظمهم من سلالة عربية، فهم فقدوا انتماءهم بالتزاوج الحر مع المواطنين الأصليين، ما جعل الجعليين، حسب قول المؤلف، ينظرون إليهم بعين الازدراء والتحقير مذكرين إياهم بجدهم العبد دنقل الذي أسس مدينة دنقلا وسماها باسمه. في الحقيقة لم أجد مصدرا يشير إلى اعتقاد الجعليين أو غيرهم بأن جد الدناقلة هو عبد اسمه دنقل، وأنه هو من أسس دنقلا، وربما كانت هذه المعلومة شائعة وقتها ولكنها اندثرت لضعفها وعدم وجود ما يدلل عليها أو يثبتها. ففي شأن اسم دنقلا تشير أغلب المصادر إلى تفسيرات محددة ليس من بينها ما ذكره سلاطين. ودنقلا التاريخية بالطبع تعود حضارتها لما قبل التاريخ، أما دنقلا الحديثة فاغلب المصادر تشير إلى أنها تأسست كمدينة حديثة في نحو العام 1812 من قبل مجموعة من المماليك الهاربين من مصر بعد انهيار دولتهم هناك ومذابح محمد على باشا ضدهم. والمماليك وكما هو معروف هم مجموعات تعود أصولهم إلى الرقيق المحرر الذين استقدمهم الخلفاء العباسيون من تركستان والقوقاز وغيرها، وقصتهم في الصعود للحكم ونهايتهم معروفة. ذكرت ذلك في معرض محاولتي لتفسير ما ذكره سلاطين من اعتبار الجعليين للدناقلة سلالة عبد، ولكن هذا التفسير رغم وجاهته يصطدم بارتباط العبودية بالسواد والانتماء للأصول الزنجية لدى الجعليين وعرب السودان عموما. فلو كان هناك من اعتبر المماليك عبيدا فهم لن يكونوا الجعليين بأي حال من الأحوال. نقطة أخرى تقدح في هذه المقولة هي رد سلاطين ذلك إلى كون الدناقلة اختلطوا وتزاوجوا بالسكان الأصليين! فمن هم السكان الأصليون لشمال السودان إن لم يكونوا النوبيين الذين بقوا على نوبيتهم أو المستعربين منهم؟ والدناقلة منهم بالطبع، أي السكان الأصليين لشمال السودان. أما نبوءته بأن العداء بين الجعليين والدناقلة سيكون سببا في القلاقل التي ستحدث، فلم تثبت صحتها بالطبع، وعلى سبيل الإشارة هنا فالرئيس جعفر النميري الحاكم العسكري الثاني للسودان بعد الاستقلال هو من الدناقلة واستمر يحكم 16 عاما لم تكن مشكلة الجعليين أو الشماليين عموما معه فيها أنه كان من دنقلا. لا يحمل هذا الأمر أي أهمية الآن بالنسبة لكل من الجعليين والدناقلة بعد التداخل الكبير والتصاهر واضمحلال القبلية بين المجموعات السكانية في شمال السودان على وجه العموم. ولكننا على وجه العموم كذلك لا يمكننا تصور أن ما كتبه سلاطين كان بعيدا تماما عن الرؤية الاستعمارية وأمنياتها أو قل تخطيطها لما سوف يحدث.
خصص المؤلف الباب الرابع من الكتاب للحديث عن المهدي. فقال إن الثورة التي أوقدها من يسمون بالدراويش اثبتت أنها ذات طبيعة غاية في الخطورة. فمحمد أحمد الذي ذكر سلاطين أنه ولد بجزيرة أرقو بدنقلا من أسرة فقيرة مغمورة تدعي انحدارها من الأشراف من سلالة النبي، محمد أحمد هذا سرعان ما أثبت أنه الأكثر حماسا وولاء وتأييدا للطريقة السمانية وازداد التصاقا بشيخها محمد شريف. ولكنه بعد ذلك توجه للاستقرار بالجزيرة أبا على النيل الأبيض بالقرب من الكوة ومعه عدد من حيرانه المخلصين. اختلف محمد أحمد مع شيخه حين استنكر عليه ما رآه اعتداء على حرمات الله التي لا يجوز حتى لشيخ الطريقة العفو عنها. فبلغ ذلك الشيخ محمد شريف الذي شطب اسمه من قائمة أتباع السمانية رغم توسلات محمد أحمد واعتذاراته. ثم رفض توسلاته مرة أخرى بعد ذلك وصرخ في المهدي بأنه خائن و"دنقلاوي آثم"، وأنه أكد صحة المثل القائل: "بأن الدنقلاوي شيطان مجلد بجلد انسان"، وهو مثل غريب لم أجد له ذكرا في أي مصدر آخر، وربما كان من الأقوال التي انتحلها معادوا المهدية من القبائل الأخرى.
التحق بعدها محمد أحمد بالشيخ القرشي، المقيم جوار المسلمية، والذي رحب به واستقبله. وعند عودته للجزيرة أبا كانت أخبار محمد أحمد كشيخ اعترض على فسوق شيخه السابق ورفضه للعفو الذي عرضه عليه فيما بعد، كانت هذه الأخبار قد انتشرت وصورت محمد أحمد كرجل ورع تعاطف معه الجميع حتى في دارفور البعيدة، وصار اسمه على كل لسان. أما في الجزيرة أبا فقد استقبل محمد أحمد العديد من الزوار من كافة الأرجاء الذين جاءوا لالتماس البركة من هذا الرجل الورع، وبدأ الناس في الاحتشاد هناك بعدما وجدوا فيه قائدا مخلصا تحدى رؤساءه، ولما كان يوزع الهدايا التي تنهال عليه للفقراء، فقد صار لقبه "الزاهد".
ولكن التغيير الدراماتيكي الكبير حدث بظهور رجل في المشهد اسمه عبد الله بن محمد من قبيلة التعايشة البقارة بجنوب غرب دارفور. فبعد بضعة أشهر من جولة محمد أحمد في نواحي كردفان توفي الشيخ القرشي، فسارع محمد أحمد وحيرانه والأتباع بالتوجه من فورهم إلى المسلمية حيث قاموا ببناء قبة فوق ضريحه. وفي المسلمية قدم التعايشي نفسه لمحمد أحمد طالبا الانضمام إلى الطريقة السمانية، وبعدها أقسم قسم الولاء الأبدي لسيده الجديد. ويقول سلاطين إن عبد الله هذا كان أصعب إخوته في التطويع، وأن والده وجد صعوبة فائقة في تحفيظه ولو سورا قليلة من القرآن تعينه في أداء الصلوات. قبل ذلك كان عبد الله هذا نفسه قد سعى للقاء الزبير باشا رحمة وحدثه عن رؤيا جاء فيها أن الزبير هو المهدي المنتظر، وأنه هو، أي عبد الله التعايشي، سيكون أحد أتباعه المخلصين! ولكن الزبير استنكر ذلك وزجره. وفي بعض الروايات أن الزبير أمر بقتله إلا أن العلماء من مستشاري الزبير لم يقروا قتله فأطلقه الزبير، وصرح بندمه على ذلك بعد قيام الثورة المهدية (5). لا يذكر سلاطين في كتابه الرواية المشهورة عن التعايشي بأنه لما التقى المهدي أخبره برؤياه المنامية التي رآه فيها المهدي المنتظر، بل إنه يقول إن المهدي وجد في شخص عبد الله أداة طيعة للقيام معه بتحقيق المهمة العظيمة القادمة، وهذا بالطبع عكس الرأي الشائع بأن عبد الله التعايشي هو من استغل المهدي في تحقيق مآربه. وفي موضع آخر من الكتاب يذكر سلاطين أن التعايشي أخبره أن المهدي بعدما وضع ثقته فيه أفشى له ذات يوم بالسر المقدس، وأن الله اختاره ليكون المهدي، وأن النبي جلس معه وسط جمع من الأنبياء والأولياء! ثم علق التعايشي على ذلك بأنه كان يعلم ذلك منذ زمن طويل سابق، منذ أن رأى طلعته! ويقول سلاطين إن عبد الله كان قادرا على تمليك المهدي كل المعلومات عن قبائل الغرب، والتي ذكر له عنها أنها "لقوتها وشجاعتها سترحب بأي فرصة للجهاد في سبيل دين الله"، وهو من نصح محمد أحمد للقيام بجولة في أنحاء كردفان.
wmelamin@hotmail.com