سودانايل:
2025-02-27@17:07:46 GMT

126 عاماً على كرري: في الحرب يستحيل التنبؤ بالماضي

تاريخ النشر: 8th, September 2024 GMT

عبد الله علي إبراهيم

مرت في الثاني من سبتمبر الجاري الذكرى 126 لمعركة كرري التي قضى فيها الجيش الإنجليزي- المصري على دولة المهدية في السودان (1885-1898). وقال ونستون تشرشل الذي رافق الحملة مراسلاً حربياً شاباً في كتابه "حرب النهر"، عن فرط بسالة المحاربين السودانيين إنهم لم يهزموهم في كرري، بل حطموهم ناظراً إلى البون الشاسع في تسليح الطرفين.

بل ومثل تشرشل انتظام جيش المهدية وحركة فرقه الأنيقة في الميدان بلوحة "بايو تابستري" التي خلدت وقائع غزو النورماند لإنجلترا في 1066.
تمتح الكتابات العامة عن تاريخ المهدية من ثلاثة كتب هي "المهدية والسودان المصري" (1891) لفرانسس ريقنالد ونجت، رئيس قلم استخبارات الجيش المصري وحاكم السودان العام لاحقاً، و"السيف والنار في السودان" (1898) لرودلف سلاطين الذي كان آخر حكام دارفور تحت الحكم التركي- المصري وأسرته المهدية، فأسلم لغرضه، وألزمته بما عرف بـ"فروة" الخليفة عبدالله، أي أن يكون حاضراً عند بابه ما كان الخليفة في ديوانه، ثم تمكن من الهرب إلى مصر في 1895. أما الكتاب الثالث فهو "10 سنوات في أسر المهدي" (1891) للقس جوزيف أوهروالدر. وكان ونجت من وراء تحرير كتابي سلاطين وأوهروالدر.
وكانت قيمة هذه الكتب الباكرة لتاريخ المهدية موضوع نقد مهني من بيتر هولت الوثائقي الأول في ديوان الدولة الإنجليزية بالسودان الذي أشرف على فهرسة وثائق المهدية وتبويبها. وكتب "الدولة المهدية في السودان" (1977) الذي لا يزال المرجع الذي لا يعلى عليه. وخلص هولت إلى أن الدراسات عن المهدية في مصر وإنجلترا لم تبذل إلا العفو في توطينها في سياق التاريخ السوداني والأفريقي والإسلامي على رغم أهميتها التاريخية الجوهرية للسودان. ونعى تحرير ونجت لكتابي سلاطين وأوهروالدر. فقال إنهما في الإنجليزية غير ما هما في الألمانية بفضل ترجمة ونجت وتحريره لهما. فلم يعد الكتابان بالنتيجة مصدرين مستقلين للمعلومات عن المهدية كما ينبغي بقدر ما هما تلميع تلفيقي لم يضف كثيراً لكتاب ونجت نفسه. فتبنى في ترجمتهما أسلوباً إثارياً في لغة عاطفية للغاية ومبالغ فيها.
ولعب ونجت في الكتابين على شعواء الإهانة والغضب الذي أحسه البريطانيون لمقتل الجنرال تشارلس غردون علي يد المهدية في قصر الحاكم العام بالخرطوم الذي يؤرق ضميرهم لأنهم ضنوا عليه بالفرج الذي انتظره ولم يأت.
وخلص هولت إلى أنه ينبغي اعتبار هذه الثلاثية "دعاية حرب" لـ"استعادة" السودان من المهدية الموصوفة بأنها دولة استبداد ديني شرقي منقطع النظير. ولم يتورع ونجت عن كشف غرضه من الكتب وحث العالم المتحضر أن حتاماً تقف أوروبا وبريطانيا غير مكترثة حيال فتك الخليفة عبدالله وتحطيمه أهل السودان. بل ورغب سلاطين أن يكون للتفاصيل الشقية التي توافر عليها في كتابه عن استبداد نظام الخليفة عبدالله أهمية كبرى "عندما يجد وقت العمل، وعندما يبحث العاملون بحثاً جدياً في خلاص المغلوبين على أمرهم في السودان، وعندما يسمح الله باستخدام معلوماتي ومجهوداتي في سبيل إبادة الظلم الدرويشي، وإزالة حكم سيدي الجائر وعدوي (الخليفة) عبدالله، الذي سيظل ألد أعدائي طول الحياة التي أحياها في الدنيا".
وتقف حالة استعادة ماضي المهدية مثلاً في تعذر التنبؤ بالماضي التي قال بها الرجل الذي جئنا بخبره في أول المقال. فكانت أكبر مظاهر اجترار تاريخ المهدية إلى الحاضر ما اتصل بالمعركة الدائرة منذ أبريل (نيسان) 2023 حول كسب الخرطوم.

ونواصل
من ضمن ما ذَكّرت المعركة به كما لا مهرب حصار المهدية لمدينة الخرطوم، حاضرة الدولة التركية- المصرية، وسقوطها في 1885. فتبنى طرفا المعركة الحاضرة ذلك السقوط بما يخدم قضيتهما ليومهما. فتبنت قوات "الدعم السريع" الفتح التاريخي كسابقة لإهلاك دولة 56 التي استأثرت بها صفوة النيل الشمالي في قولهم من دون غيرهم. فالمهدية هنا قدوة. واكتملت عناصر المطابقة بحقيقة مجيء محمد حمدان دقلو إلى غزو الخرطوم في جند غالبه من "شعب البقارة" الذي كانت له الغلبة في دولة المهدية. والمفارقة هنا أن كثيراً من أنصار "الدعم" سبق أن كان لهم رأي سلبي في المهدية حين كانوا في معارضة الإنقاذ وعلى بينة الكتب الثلاثية المبغضة لها. فرأوا في دولة الإنقاذ الدينية إعادة حرفية للمهدية بجامع الثيوقراطية في كليهما.
وتجسد هذا التطابق حتى في الإبداع الروائي. فحصلت رواية "شوق الدراويش" لحمور زيادة، التي دارت دراماها في الدولة المهدية، بجائزة نجيب محفوظ التي ترعاها الجامعة الأميركية بالقاهرة في 2015. وميز المحكمون للجائزة استدعاء الرواية لماض من التطرف الديني في المهدية لا يزال حاضرنا يرزح من تحته. فقال أحد المحكمين في تزكية الرواية إنها "تجسيد للمشهد الحالي في المنطقة حيث تعم الفوضى نتيجة للتطرف الديني". ومن رأي عبدالرحمن الغالي القيادي في حزب الأمة معقل أنصار المهدي التاريخي، في كتابه "المهدية: قراءة في أطروحة رواية شوق الدراويش" (2016) أن الرواية دعاية ضد المهدية في ثوب جديد. فهي، في قوله، استوحت كتاب القس أوهروالدر سجين المهدية الذي كتب عن تجربته في سجنه. فجعلت حتى غلافها هو نفسه غلاف كتاب أوهروالدر. وأخذت بطلة الرواية نفس طريقه في الهرب باليوم والتاريخ ونوع الصحبة.
وأخذت الرواية بالنص عبارة لام فيها أوهروالدر الجنرال غردون لتساهله مع أسر من انضموا للمهدية ممن وصفهم بالوحوش المتعصبين. فبكل تأكيد، في قول أوهروالدر، كان يجب أن يلقى هؤلاء المتعصبون المهدويون المنافقون معاملة مختلفة جداً من الأوروبيين المتحضرين. وتجد صدى العبارة في بطلة رواية "شوق الدراويش" حين تقول "إن هؤلاء الوحوش لا يمكن إلا أن يعاملوا بالكراهية والتوحش الذين هم جديرون به". فخرجت الرواية عن المهدية وفي ذهنها نظام الإنقاذ أو أنها احتاجت للمهدية برماً بنظام الإنقاذ. وهذا جائز متى استقل الكاتب بمصادره لا يرسى حيث يمسي.
أما طرف الحرب الآخر الواقف مع القوات المسلحة فاسترجع بهجوم "الدعم السريع" وخراب الخرطوم على يده ما أشاعته الكتب الثلاثة وبالذات كتاب "سلاطين المغرب" واسع الانتشار نسبياً.
كما جاء إلى هذه السلبية حيال المهدية كثير من السودانيين بما تواتر في أوساط أهلهم من احتقان قديم على دولة المهدية. وكان خليفة المهدي على الدولة، الخليفة عبدالله، قد مكن لأهله التعايشة ومن أسرته خصوصاً من شعب البقارة في الدولة وهجرهم إلى أم درمان، عاصمة المهدية، بالأمر.
ومن ذكر تلك الهجرة التي لا تنضب معركة المتمة التي جرت أول يوليو (تموز) 1891. والمتمة هي حاضرة شعب الجعليين الشمالي على ضفة النيل الغربية من مدينة شندي وعلى بعد 160 ميلاً شمالي أم درمان. فأراد الخليفة إخلاء البلدة لوضعها الاستراتيجي ليرتكز فيها بعض جيشه وهو يعد لمواجهة الجيش الإنجليزي المصري الذي خرج للقضاء على المهدية.
واعترض أهل المتمة على ترحيلهم. واحتربوا مع جيش المهدية فانهزموا وصودرت أموالهم وسبيت نساؤهم. وبقيت ذكرى معركة المتمة وشماً لا ينمحي في ذاكرة السودان النيلي.
وتجد الإسلاميين ضمن هذا الطرف المناصر للقوات المسلحة. وتستغرب كيف قلبوا ظهر المجن للمهدية هكذا وهي من كانت بينتهم التاريخية في صلاح البلد بالإسلام جهاداً لتحريره الوطني ومثلاً شروداً في أوبة باكرة للدولة للدين. وتستغرب أكثر أن يكون للإسلاميين هذا الرأي السلبي في المهدية، وقد كان خصومهم يرونهم مجرد مهدية جديدة مستبدة أيضاً كما رأينا.
يبدو أن الماضي عندنا لا يريد أن يخلد إلى ماضويته. فهو ماض ينهض "بعاتي" ويأخذ بخناقنا لأننا لم نوفق بعد في الجدوى من دونه. فقعدنا من دون ترحيله من يومنا إلى رحاب التاريخ لتقع دراسته كأنه "بلد أخرى" كما يقولون. ولهذا صح القول، إن ماضي المهدية مما يصعب التنبؤ به.

ibrahima@missouri.edu  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: المهدیة فی فی السودان

إقرأ أيضاً:

من هو دان رازين كين الذي اختاره ترامب لرئاسة أركان الجيش الأمريكي؟

استعرضت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية الأسباب التي دفعت ترامب لاختيار الجنرال دان رازين كين لتولي منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن السيرة المهنية لكين ثرية حيث تقلد العديد من المهام، من بينها العمل كطيار مقاتل وتولي منصب عميل للاتصال في وكالة المخابرات المركزية "سي آي إيه".

وتضيف أن كين عاد إلى حياته المهنية بعد خروجه الى التقاعد ليشغل منصب رئيس أركان القوات المسلحة الجديد، وقد كان لتوعده سنة 2018 - أثناء الزيارة التي أداها دونالد ترامب إلى العراق في سنة 2018 خلال ولايته الرئاسية الأولى - بقدرته على القضاء على تنظيم الدولة في غضون أسبوع الفضل في وقوع اختيار ترامب عليه خلفا للجنرال تشارلز كوينتون براون جونيور؛ حيث إن التوعد بإنجاز المهام بطريقة أفضل من الآخرين وفي فترة وجيزة دون تكبد تكاليف باهظة من العوامل التي يأخذها دونالد ترامب بعين الاعتبار أثناء تعيين فريق إدارته.

وأفادت الصحيفة أن كين كان أحد الطيارين الذين حلقوا في سماء الولايات المتحدة بعد دقائق من هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.  في إحدى منشورات وكالة المخابرات المركزية بخصوص الهجوم قال الجنرال الحالي: "لقد قفزنا إلى الطائرات وبدأنا في تشغيلها لقد قضيت في ذلك اليوم ثماني ساعات تقريبا في الجو".



وتخصص كين في مكافحة الإرهاب في عهد جورج دبليو بوش وتقلد العديد من مهام الاستخبارات والعمليات الخاصة.

وذكرت الصحيفة أنه في المجمل تمت إحالة ستة من كبار المسؤولين في البنتاغون إلى التقاعد المبكر، من بينهم الأدميرال ليزا فرانشيتي، التي كانت على رأس البحرية الأمريكية. وفيما يخص تشارلز كوينتون براون جونيور، فقد ألمح وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى ضرورة إقالته بسبب دعمه لبرامج التنوع والإنصاف والإدماج داخل الجيش، مشككا في مواصلة حياته المهنية بسبب لون بشرته رغم أن ترامب نفسه عيّنه سنة 2020 على رأس سلاح الجو الأمريكي.



وبحسب الصحيفة فإن السبب الآخر لوقوع اختيار ترامب على كين هو الوفاء المطلق، فبعد فوزه في انتخابات 2016، اختار العديد من المسؤولين التنحي عن مناصبهم بسبب شخصية ترامب المزاجية، من بينهم الجنرال مارك ألكسندر ميلي، الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة، الذي، ذكّر خلال خلاف معه أنه أقسم على خدمة الدستور لا  الرئيس.

أداء أفضل من سابقيه

لهذه الأسباب استبعدت الإدارة الجديدة الشخصيات الأكثر تقليدية، مثل الجنرال مايكل كوريلا، الذي يشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. رغم التقدير الذي يكنه ترامب لكوريلا غير أنه اعتبره ينتمي إلى القادة الذين حاولوا التصدي له خلال ولايته الرئاسية الأولى.

وتتساءل الصحيفة عما إذا كان الجنرال دان كاين، بمجرد توليه المنصب واطلاعه على تعقيدات هذه المهمة، سيكون قادرا بالفعل على إنجاز المهام بشكل أفضل مقارنة بغيره وفي فترة قصيرة دون تخصيص موارد طائلة.

في رواية أخرى، رويت بعد خمس سنوات من لقائهما، ذكر ترامب أن كين وعده بهزيمة تنظيم الدولة خلال أربعة أسابيع، زاعما أن كين "لعب دورا حاسما في القضاء التام على تنظيم الدولة ونفذ ذلك في وقت قياسي، في غضون أسابيع قليلة". إلى جانب ذلك، قال ترامب: "العديد من العباقرة العسكريين قالوا إن هزيمة تنظيم الدولة سوف تستغرق سنوات. لكن الجنرال كين قال إنه يمكن معالجة هذه المسألة بسرعة، وأوفى بوعده".

وفي ختام التقرير نوهت الصحيفة بأنه على الرغم من أن تنظيم الدولة لم يعد يسيطر على المنطقة كما هو الحال في سنة 2014، غير أنه لم يتم القضاء عليه نهائيّا، حيث تستمر الخلايا النشطة في سوريا والعراق في العمل واستقطاب المسلحين.

مقالات مشابهة

  • (دخل شوقي من نفس الباب الذي خرج منه حافظ)
  • ما الدروس التي استخلصتها شعبة الاستخبارات الإسرائيلية من فشل السابع من أكتوبر؟
  • من هو دان رازين كين الذي اختاره ترامب لرئاسة أركان الجيش الأمريكي؟
  • ما الذي أشعل فتيل الحرب في السودان؟
  • ما هي أبرز المناطق التي استعادتها القوات المسلحة السودانية من حركة الحلو
  • محمد جبريل: نفتخر بالحركة الأدبية في عُمان.. ونجيب محفوظ سيد الرواية بلا منازع
  • الاتحاد السوداني للعلماء يرفض التعديلات على الوثيقة الدستورية التي حمّلها مسؤولية الحرب
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!
  • الكتابة ما بعد الحرب: عن المواطن والمواطنة
  • مسؤول أمني إسرائيلي سابق: لم نحقق الهدوء الذي طال انتظاره منذ أجيال