الجزيرة:
2026-07-24@15:25:07 GMT

العدوان اللطيف.. لماذا نميل إلى عض خدود الأطفال؟

تاريخ النشر: 6th, September 2024 GMT

العدوان اللطيف.. لماذا نميل إلى عض خدود الأطفال؟

قد ينظر أحد الأقارب إلى طفلك الرضيع ويقول "إنه لذيذ، أريد أن آكله" الأمر ليس غريبا، ولا سيما أن الرُضع يمتلكون ملامح وسمات مميزة كعيون واضحة تعلو أنوف صغيرة فوق شفاه وردية مع رقبة ممتلئة وبشرة ناعمة، تجعلك تقع في حبهم وتنجذب إلى حملهم ورعايتهم، ليس هذا فحسب، بل تتسلل إليك رغبة قوية في قضم أصابعهم وقرص خدودهم الممتلئة أو حتى التهامهم من فرط الإعجاب والتعلق بهم.

وتشير عالمة الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، كاثرين ستافروبولوس إلى أن 70% إلى 75% من الناس يشعرون بهذه الرغبة وتزيد بين النساء.

كيف يفسر العلم هذه الظاهرة؟

حاول فريق دولي من الباحثين الوصول إلى سبب خلط العديد من الناس وربطهم بين الأطفال الصغار والطعام، وفي ورقة بحثية نشرتها دورية "فرونتيرز إن سيكولوجي" عام 2013، توصل الفريق إلى أن رائحة الرضع تُنشط أجزاء معينة في الدماغ وتثير استجابة فسيولوجية لدى النساء وبالأخص لدى أمهاتهم، تشبه تلك التي يشعر بها الأشخاص الجائعون عند تقديم وجبة لذيذة لهم.

رائحة الرضع تُنشط أجزاء معينة في الدماغ وتثير استجابة فسيولوجية لدى النساء وبالأخص لدى أمهاتهم (شترستوك)

وفي دراسة نشرتها مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2009، فإن الملامح الطفولية التي عرفها عالم السلوك كونراد لورينز بـ "مخطط الطفل"، تعزز نشاط الشبكات العصبية المرتبطة بالمكافأة في الدماغ وتنظم إطلاق الدوبامين (هرمون السعادة) بما يعُد حافزا إيجابيا لرعاية الطفل واحتضانه والاهتمام به.

وإذا كان "مخطط الطفل" يمثل حافزا إيجابيا من خلال زيادة الدوبامين وتوفير الدافع لرعاية الطفل، فإنه قد يزيد من نشاط أنظمة الدماغ المُعنية بالمكافأة ويعزز موجة من المشاعر الإيجابية المفرطة، مما يؤدي إلى رد فعل عدواني أو تعبير معاكس أو ما يعرف بـ "العدوان اللطيف".

ما العدوان اللطيف؟

"العدوان اللطيف" أو "التعبيرات الثنائية الشكل" هو مصطلح صاغه المختصون في علم دراسة السلوك البشري والتنظيم الاجتماعي للتعبير عن هذا التناقض الذي يجمع بين المشاعر الإيجابية "الإعجاب بالطفل والاهتمام به" والمشاعر السلبية "الرغبة في عضه والتهامه"، ومن أمثلته أيضا، البكاء وقت الفرح "دموع الفرح" أو إطباق قبضتي اليد عند تحقيق الفوز، أو الصراخ في الحفلات الغنائية والموسيقية وغيرها.

المشاعر المتناقضة والتعبير بطريقة مزدوجة أمر جيد ويعد آلية للتحكم في عواطفنا وإدارتها (شترستوك)

وقد صممت عالمة النفس أوريانا أراغون، عدة تجارب لفهم العدوان اللطيف، وفي عام 2014 ربطت دراسة أجرتها أراغون وزملاؤها من جامعة ييل الأميركية بين العدوان اللطيف وتنظيم المشاعر، وكجزء من الدراسة طلب الباحثون من المشاركين النظر إلى مجموعة من صور الأطفال الصغار.

وخلصت الدراسة إلى أن المشاركين الذين شعروا بمشاعر إيجابية قوية للغاية تجاه الصور، غالبا ما كانت لديهم استجابات عدوانية حيث أرادوا قرص خدود الأطفال والتهامها.

وتشير البيانات إلى أن أولئك الذين أظهروا ردود فعل عدوانية شعروا بانخفاض موجة المشاعر الإيجابية المفرطة بعد 5 دقائق من مشاهدة الصور، مما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن "العدوان اللطيف" كان سببا في إعادة التوازن العاطفي وتنظيم المشاعر.

العلم يفسر سبب هذه الرغبة

تخفيف التوتر: وفق أراغون، فإن هذه المشاعر المتناقضة والتعبير بطريقة مزدوجة أمر جيد ويعد آلية للتحكم في عواطفنا وإدارتها، إذ إن المشاعر الغامرة تكون مرهقة وضارة بصحة أجسامنا مثلها مثل المشاعر السلبية، وكلتاهما تعززان إفراز هرمونات التوتر، وقالت عالمة النفس إن ما يحدث هو وسيلة الدماغ لإعادتنا إلى نطاق العواطف الطبيعي بطريقة معاكسة أو بشكل عدواني لا يحمل أي نية للأذى، وأضافت أن "هذه الرؤى تعزز فهمنا لكيفية تعبير الناس عن عواطفهم والتحكم فيها، وهو ما يرتبط بشكل مهم بالصحة العقلية والجسدية، ونوعية العلاقات مع الآخرين، وحتى مدى نجاح الناس في العمل معا".

جزء من آلية الارتباط التطورية: يرى خبراء علم النفس أن "العدوان اللطيف" هو عملية تكيفية للبقاء والحفاظ على النوع، ولا سيما مع إسناد رعاية الطفل إلى غير الأم في كثير من الأحيان على مر العصور.

اختبار الروابط الاجتماعية: أفادت عالمة الرئيسيات سوزان بيري من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن "العض الاجتماعي" غير المؤذي هو أحد الطقوس الاجتماعية وسلوك ودي تتبناه العديد من الثدييات كوسيلة لاختبار الروابط الاجتماعية وإظهار النية الحسنة، ووفق أبحاثها، فإن قرود الكابوشين تعض بعضها بعضا بطرق حذرة لا تسبب أي ألم فترسل رسالة مفادها: "أنا جدير بالثقة إلى الحد الذي يجعلك تستطيع وضع إصبعك في فمي" وهذا ما يحدث بين الطفل ومقدمي الرعاية.

سلوك مكتسب لا ينتشر في جميع الثقافات

وعلى جانب آخر، عبّرت الأستاذة المساعدة في علم اللغويات في كلية ريد، كارا بيكر لموقع "نيويورك تايمز"، بأن الرغبة في التهام الأطفال مجرد سلوك مكتسب ينتشر في ثقافات عديدة ولكن لا يمكن تعميمه، وأضافت "يمكنك أن تجد مجتمعات حيث لا يتحدث الناس مع الأطفال الرضع".

وأشارت بيكر إلى دراسة أجريت على مقدمي الرعاية في ساموا ووجدت أنهم لا يتعاملون بهذه الطريقة مع الأطفال ولا يتحدثون إليهم، وأنهم أكثر ميلا إلى عقلية "لن أتحدث إليك حتى تتمكن من الرد".

الرغبة في التهام الأطفال مجرد سلوك مكتسب ينتشر في ثقافات عديدة ولكن لا يمكن تعميمه (بيكسلز)

وتتفق هيذر باكستون، أستاذة الأنثروبولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع الرأي القائل إن الأطفال لا يُنظر إليهم بهذه الطريقة في كل أنحاء العالم، وقالت إنه في جزيرة بالي على سبيل المثال، يُنظر إلى الرضع باعتبارهم أشخاصا مقدسين وليسوا بشرا بالكامل.

وأضافت باكستون، رغم أن الرغبة في قضم الأطفال وربطهم بالطعام عند تدليلهم يشير إلى علاقة حميمية، فإن طبيعة هذه التصرفات في بعض الثقافات قد يُنظر إليها باعتبارها تهديدا، وأوضحت أن الأمهات اليونانيات والأميركيات يستخدمن عادة عبارة "سآكل هذا الطفل"، ولكن في أجزاء من حوض البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، قد يكون هذا الحديث إشارة إلى الحسد أو يتضمن نوعا من التهديد الخبيث، ولهذا يتخذ أي شخص حذره عند مدح جمال الطفل، خشية أن يثير ذلك العين الشريرة".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الرغبة فی إلى أن

إقرأ أيضاً:

الجار الذي لا يخالط جيرانه

أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟

منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".

تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.

أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.

قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.

قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!

لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟

في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.

أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.

وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.

زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.

من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.

مقالات مشابهة

  • مأساة على طريق ضهر العين... هكذا تُوفِيَ الطفل عمر
  • احمي نفسك من عيون الناس.. هل مشاركة صور الأطفال على مواقع التواصل تهدد خصوصيتهم؟
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • بعد تصدر التريند.. طريقة عمل الآيس كوفي مثل الكافيهات في المنزل
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • القومي لثقافة الطفل : ارسم حلمك مبادرة تستهدف دراسة رسومات الأطفال للوصول إلى أفكار ورؤى للمستقبل
  • الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • دراسة: الجلوس السلبي بمنتصف العمر يقلص حجم الدماغ