برز الحديث في الشهرين الماضيين حول الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بالسيطرة على معبر رفح ومحور فيلادلفيا الفاصل/ الواصل بين قطاع غزة ومصر (14 كيلومترا)، كقضية رئيسية في المفاوضات لعقد صفقة بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس.

تضخيم أهمية السيطرة على محور فيلادلفيا:

سعى نتنياهو لتضخيم أهمية السيطرة على محور فيلادلفيا، ووصل ذلك ذروته في مؤتمر صحفي تحدث فيه ستين دقيقة مدافعا عن الأهمية الاستراتيجية للبقاء هناك، معتبرا إياه "صخرة وجود" للاحتلال، وأنه كان أنبوب الأكسجين (شريان حياة) لحماس، وأن تحقيق أهداف الحرب يمر عبر السيطرة على هذا المحور، وأنه لن ينسحب منه، وأن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي سيدير الأمن في قطاع غزة ما بعد الحرب وسيمنع التهريب.



لم يُجب نتنياهو عن سبب البروز المفاجئ للأهمية الاستراتيجية للمحور، إذ إنه لم ينتبه له إلا في الشهر الثامن للحرب، بالرغم من وجود وزراء أثاروا الأمر في اليوم الأول، بحسب ما ذكر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق آيزنكوت.

وبينما كانت المفاوضات غير المباشرة تجري مع حماس للوصول إلى صفقة، انعقد اجتماع للحكومة الإسرائيلية مساء 29 آب/ أغسطس 2024، وقام نتنياهو باستصدار قرار من الحكومة بالبقاء في فيلادلفيا، ليغلق الباب عمليا أمام المفاوضات، بتثبيت عقدة لم تكن موجودة أصلا في المسودات السابقة التي وافق عليها الاحتلال نفسه. وقد طرح المفاوضون الإسرائيليون في الدوحة الاحتفاظ بالسيطرة على خمس نقاط مراقبة بعمق 300-400 متر لكل منها.نتنياهو يرغب من خلال سيطرته على محور فيلادلفيا بمتابعة تطبيق رؤية اليمين القومي والديني المتطرف لمستقبل قطاع غزة، فإذا نجح في ذلك فسيظهر بمظهر البطل المنقذ للكيان، وإذا لم ينجح فسيستخدمه ورقة للمساومة والابتزاز السياسي والأمني ولاستحصال مكاسب وضمانات تضاف إلى "الصفقة" مع حماس وهذا بخلاف توجه وزير الجيش الإسرائيلي غالانت والمنظومة الأمنية التي ترى ضرورة الانسحاب من المحور كجزء من الصفقة، باعتبار أن "الإنجازات" التي تحققت في غزة تسمح بالالتفات للشمال والتركيز عليه.

كان نتنياهو يرغب من خلال سيطرته على محور فيلادلفيا بمتابعة تطبيق رؤية اليمين القومي والديني المتطرف لمستقبل قطاع غزة، فإذا نجح في ذلك فسيظهر بمظهر البطل المنقذ للكيان، وإذا لم ينجح فسيستخدمه ورقة للمساومة والابتزاز السياسي والأمني ولاستحصال مكاسب وضمانات تضاف إلى "الصفقة" مع حماس؛ وفي كلتا الحالتين، سيضمن إطالة عمر حكومته (وعمره السياسي) لأكبر مدى ممكن.

أسئلة مُعلّقة:

غير أن تقديم نتنياهو مسألة الاحتفاظ بالمحور باعتبارها مسألة استراتيجية حيوية جعلته في وضعٍ غير مريحٍ. فماذا لو فشل في تحصيل أي موافقة أو تعاون فلسطيني أو عربي أو دولي؟ وماذا لو استمر الأداء الفعال للمقاومة واستمر النزيف الإسرائيلي؟ وماذا لو فشل تحرير المحتجزين (الأسرى) لدى المقاومة واستمر موتهم أو قتلهم؟ وماذا لو طال الغرق في مستنقع الحرب عسكريا وأمنيا واقتصاديا واشتدت العزلة الدولية؟! وماذا لو اتسعت المعارضة والضغط الداخلي الإسرائيلي؟ وماذا لو تصاعدت المقاومة في الضفة؟ وماذا لو تصاعدت ضربات المقاومة من جنوب لبنان واليمن...؟!

المعارضة الإسرائيلية:

لعل زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد اختصر حقيقة الموقف الإسرائيلي بأن ما يهم نتنياهو ليس محور فيلادلفيا، وإنما محور بن غفير- سموتريتش. بمعنى أن موضوع المحور ليس مسألة استراتيجية، مرتبطة بالمصالح العليا والأمن القومي، وإنما هي مسألة تكتيكية مرتبطة ببقاء الحكومة الإسرائيلية واستمرار نتنياهو في منصبه، باعتباره مرتهنا في ذلك للصهيونية الدينية التي يقودها بن غفير وسموتريتش.

ولذلك، فبالنسبة لإيهود باراك، رئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، فإن "فيلادلفيا ليست صخرة وجودنا، بل هي الدوران الأجوف لمقامر قهري [نتنياهو] يقامر بحياة المواطنين الذين تخلى عنهم".

وقد كشف آيزنكوت أن نتنياهو ذكر في تنظيره للسيطرة على المحور كل التواريخ، لكنه تجاهل التاريخ الأهم وهو يوم 27 أيار/ مايو 2024، عندما تم تمرير مشروع اتفاق الصفقة مع حماس على أعضاء الحكومة الإسرائيلية، حيث تأكد وجود غالبية موافقة، لكن نتنياهو رفض عرضه على الحكومة للتصويت، لأن شريكيه الرافضين للاتفاق بن غفير وسموتريتش يمسكان به من الحلق (من رقبته).

وفي رأي آيزنكوت، فإن مسألة الاستراتيجية هي ادّعاءٌ غير صحيح، إذ إن هناك حلولا استخباراتية وتكنولوجية وعملياتية لمنع التهريب، وإنه منذ قام المصريون بإغلاق الأنفاق وبناء الحاجز تحت الأرض "لم تعد هناك أنفاق تُختَرق، ولم يمر أي دبوس"!!

أما هرئيل القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي فقد أدان نتنياهو، وقال إنه لا يريد التوصل إلى صفقة لإطلاق المحتجزين (الرهائن) لكي تستمر الحرب إلى ما لا نهاية. وقال إن نتنياهو نسف الاتفاق 12 مرة، وإنهم عالقون في غزة، والمقاومة في الضفة تتزايد، والشمال ببساطة مهمل.

رفض فلسطيني وعربي ودولي:

ومن ناحية أخرى، فثمة رفض فلسطيني على التعامل مع الأمر الواقع الذي يريد أن يفرضه نتنياهو في محور فيلادلفيا، وكذلك هناك رفض مصري وعربي، وهناك رفض عالمي بما في ذلك وسط الحلفاء الغربيين، والأمريكان أنفسهم لا يبدون مرتاحين لذلك، ومقترحاتهم المقدمة ما زالت تتضمن انسحابا إسرائيليا من المحور، ويرون أن خطاب نتنياهو (بحسب مصدر أمريكي رفيع لسي أن أن) أفشل كل المفاوضات.

فإذا لم يجد نتنياهو من يتعامل معه فكيف سيمضي في برنامجه؟!

تحول داخلي يهُزُّ استراتيجية نتنياهو:

جاء مقتل الأسرى الإسرائيليين الستة يوم 30 آب/ أغسطس بعد أن فشل الجيش في "تحريرهم"، ليشكل أول هزة قوية لنتنياهو و"استراتيجيته"، وليُحدث تحولا مهما في الرأي العام الإسرائيلي؛ إذ أشعلَ غضب أهالي الأسرى الذين زادت قناعتهم بفشل استراتيجية نتنياهو في تحرير الأسرى، وأنهم في أحسن الأحوال لن يعودوا إلا في توابيت.

نتنياهو اصطنع عقدة محور فيلادلفيا، وضخَّمها كمسألة "استراتيجية" لإفشال المفاوضات، ولإطالة أمد حكومته وحياته السياسية. وهو سيتراجع عنها ويحولها إلى مسألة تكتيكية تفاوضية، مع مزيد من ضغط المقاومة، ومع مزيد من تساقط أسراه نتيجة عناده وإصراره على الحرب، ومع مزيد من الضغوط الداخلية، ومع الرفض الفلسطيني والعربي والدولي للأمر الواقع الذي يريد فرضه
وقد أدى ذلك إلى موجة تعاطف واسعة مع أهالي الأسرى، كما أعطى المعارضة مزيدا من المبررات للهجوم على نتنياهو وتحالفه. وقد ذكر موقع حدشوت بزمان العبري في تغطيته للمظاهرات في الأول من أيلول/ سبتمبر 2024 أن "إسرائيل" اختارت الأسرى، حيث جرت المظاهرات الأضخم في تاريخ "إسرائيل" عندما خرج حوالي 700 ألف متظاهر للمطالبة بصفقة للإفراج عن الأسرى.

كما أن مقتل الأسرى الستة دفع وزير الجيش الإسرائيلي غالانت من جديد للمطالبة باجتماع للحكومة، للتراجع عن قرار البقاء في فيلادلفيا.

المؤشر الثاني جاء في استطلاعات الرأي التي أظهرت أن "شهر العسل" الذي تمتع به نتنياهو، بعد عودته من الولايات المتحدة، وبعد اغتيال هنية وشكر، قد انتهى؛ فتراجعت شعبيته وفقد صدارته. وأظهر استطلاع لمعاريف نشر في 30 آب/ أغسطس أن غانتس عاد للصدارة للمرة الأولى منذ أسابيع. كما أظهر استطلاع آخر أجرته قناة "كان" الإسرائيلية ونشر في 4 أيلول/ سبتمبر أن 53 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون الانسحاب من محور فيلادلفيا من أجل إبرام صفقة أسرى، مقابل 29 في المئة فقط يعارضون ذلك. كما أظهر الاستطلاع أن 61 في المئة من الإسرائيليين لا يثقون بإدارة نتنياهو للحرب، مقابل 32 في المئة فقط يثقون بإدارته.

خلاصة:

من الواضح أن نتنياهو اصطنع عقدة محور فيلادلفيا، وضخَّمها كمسألة "استراتيجية" لإفشال المفاوضات، ولإطالة أمد حكومته وحياته السياسية. وهو سيتراجع عنها ويحولها إلى مسألة تكتيكية تفاوضية، مع مزيد من ضغط المقاومة، ومع مزيد من تساقط أسراه نتيجة عناده وإصراره على الحرب، ومع مزيد من الضغوط الداخلية، ومع الرفض الفلسطيني والعربي والدولي للأمر الواقع الذي يريد فرضه. ولذلك، فمن المرجح أن يقدم نتنياهو تراجعه عن المطالبة بمحور فيلادلفيا في صورة "تضحية" كبيرة وتنازل ضخمٍ، مقابل أكبر قدر من المكاسب والضمانات. وعلى المقاومة ومؤيديها أن يوضحوا بجلاء أن مسألة فيلادلفيا لم تكن أصلا على أجندة المفاوضات، وأن تراجع نتنياهو عنها لا يزيد ثمنه عن "صفر" مجللا بالفشل والعار، ومُثبتين كذلك نجاح المقاومة في فرض أجندتها وإرادتها.       

x.com/mohsenmsaleh1

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه غزة المفاوضات محور فيلادلفيا نتنياهو المقاومة غزة نتنياهو مفاوضات المقاومة محور فيلادلفيا مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة مقالات صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة على محور فیلادلفیا الجیش الإسرائیلی مع مزید من فی المئة قطاع غزة وماذا لو مع حماس فی ذلک

إقرأ أيضاً:

عائلات أسرى الاحتلال تدعو لمواصلة الاحتجاج ضد حكومة نتنياهو

دعت عائلات أسرى الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، اليوم السبت، إلى مواصلة التظاهر ضد حكومة بنيامين نتنياهو، من أجل إبرام صفقة تبادل مع الفصائل الفلسطينية لإعادة ذويهم.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك لأهالي الأسرى الإسرائيليين لدى الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة عقد أمام مقر وزارة الحرب بتل أبيب.

وقالت قريبة أحد الأسرى الإسرائيليين خلال المؤتمر: "لا تتوقفوا عن الخروج إلى الشوارع، لا تفقدوا الأمل، حتى تعيد الحكومة أبناءنا جميعهم".

وأضافت أن "حكومة إسرائيل بقيادة نتنياهو، اختارت ممارسة السياسة على ظهر جميع المحتجزين".

وأردفت قريبة الأسير: "منذ أحداث السابع من أكتوبر، تقوم الحكومة بكل شيء للتضحية بالمحتجزين في غزة".



وتابعت: "نحن مطالبون بالنضال ضد حكومة قاسية القلب من أجل استعادة عائلاتنا، وللأسف، هذا لن يحدث بدون نضال حقيقي".

جاء ذلك بالتزامن مع رسالة نشرتها كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، للأسير الإسرائيلي الذي يحمل الجنسية الأمريكية عيدان ألكساندر.

وقال الأسير المحتجز في قطاع غزة ألكساندر: "لا أحد منا مرغوب وأنت تتركنا هنا. وصلت إلى حالة انهيار بسبب (قرف) العالم و(قرف) حكومة إسرائيل. أنا كل يوم أرى أن نتنياهو يسيطر على الدولة مثل الديكتاتور وأنا انهرت جسديا وعقليا".

وتابع قائلا: "سمعت قبل ثلاثة أسابيع أن حماس كانت مستعدة لإطلاق سراحي، وأنتم رفضتم وتركتموني هنا. قولو لي لماذا؟ لماذا أنا هنا ولست في المنزل مع عائلتي وأصدقائي؟ لماذا أنا اليوم أصور الفيديو الثاني لي؟ لماذا؟".

وتقدر تل أبيب وجود 59 أسيرا إسرائيليا بقطاع غزة، منهم 24 على قيد الحياة، بينما يقبع في سجونها أكثر من 9 آلاف و500 فلسطيني، يعانون تعذيبا وتجويعا وإهمالا طبيا، أودى بحياة العديد منهم، حسب تقارير حقوقية وإعلامية فلسطينية وإسرائيلية.

ومقابل مئات من الأسرى الفلسطينيين، أطلقت الفصائل بغزة عشرات الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات على دفعات خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني 2025.

لكن نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، تنصل من الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق استجابة للمتطرفين في ائتلافه الحاكم، واستأنف حرب الإبادة على غزة منذ 18 مارس/ آذار الماضي، ما أدى إلى استشهاد 1563 فلسطينيا وإصابة 4004، معظمهم أطفال ونساء ومسنون.

وبدعم أمريكي مطلق يرتكب الاحتلال منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إبادة جماعية بغزة خلفت أكثر من 166 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود.

مقالات مشابهة

  • عائلات الأسرى تطالب نتنياهو بوقف الحرب لإعادة المحتجزين دفعة واحدة
  • وزير الدفاع الإسرائيلي: سيطرة كاملة على محور موراج
  • مصدر في “حماس”: لن يحرز نتنياهو وحكومته أي تقدم بملف الأسرى دون صفقة تبادل
  • خبايا المشروع الإسرائيلي الذي سحق خمس غزة
  • مصدر إطاري: الحشد الشعبي جزء مهم من محور المقاومة الإسلامية بزعامة خامنئي
  • عائلات الأسرى الإسرائيليين تدعو للتظاهر ضد حكومة نتنياهو
  • عائلات الأسرى الإسرائيليين تدعو لمواصلة التظاهر ضد حكومة نتنياهو
  • عائلات أسرى الاحتلال تدعو لمواصلة الاحتجاج ضد حكومة نتنياهو
  • وسائل إعلام فلسطينية: غارات إسرائيلية عنيفة شرقي مدينة غزة و"بيت لاهيا"
  • عاجل. الجيش الإسرائيلي يعلن استكمال سيطرته على محور موراغ وتطويق كل منطقة رفح