كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل حينما كنت فى طريقى لصعود الطائرة.. من مطار جدة إلى اسطنبول كمحطة لمطار آخر.. الرحلة طويلة.. والطائرة ممتلئة عن آخرها بحجيج تتخطى أعمارهم جميعا الستين.. وكأنها رحلة لدار مسنين.. جاء مقعدى فى وسط الطائرة تماما.. وسط كومة من النيام.. وفى مثل تلك المواقف.. ليس هناك أفضل من أن تضع السماعة فى أذنك للانفصال عن واقع كئيب.
إذا ما هذا التيار الكهرومغناطيسى.. سمعنا كثيرا عن سحر أرض مصر.. عن علوم الطاقة.. لكنها المرة الأولى التى التقى بها مباشرة.
تأكدت أن ما يقال عن فضائل مصر وقوتها الخفية.. ليس خيال أدباء وفلاسفة ولا وله المحبين.. بل قوة حقيقية.. أو ربما الطاقة المقدسة التى منحها لها تجلى الإله عليها يوما ما.. وربما كانت تلك الطاقة سر تعلق المصريين الجنونى بأرضها وعشق الغرباء لها.. وهو ما جعلها درة الجغرافيا وبؤرة الأحداث ومنبع التاريخ.. ذلك التاريخ الذى صنعه شعبها وحده.
ولا أتعجب كثيرا اليوم.. من ولع الشعوب الأخرى بتاريخها وشغفهم بآثارها.. حد الجنون والعبادة والحج لأهراماتها.. ولا بكم ما يرويه الحقدة من أكاذيب حول حضارتها.. فمنهم من يدعى أنهم بناة تلك الحضارة.. دون أثر لتلك الحضارة فى أنفسهم أو بلادهم.. ومنهم من اختلق كائنات فضائية.. جاءت لتبنيها لنا وتهبنا العلوم والفنون وحدنا من بين الأمم.. وترحل دون أثر.. ومنهم من اختلق حضارة عظيمة أغرقها البحر.. لكنها قبل الغرق اختارت أن تعبر المحيط وعشرات البلدان لتبنى مصر وتهدينا حضارتها وعلومها.. حتى من عاشوا على أرضها خدما وعبيدا قالوا إنهم بناة تلك الحضارة.. ولا عجب.. أن نسمع كل يوم المزيد والمزيد من الأكاذيب والخرافات البلهاء.. التى لا هم لها إلا نزع المصريين من حضارتهم وتاريخهم.. فقد عرفوا قدر مصر وماتوا غيظا أن تشرق شمسها من جديد.. ورغم أن ما نهب من أرض مصر أكثر من أن يحصى أو تستوعبه متاحفهم وخزائنهم.. إلا أن مقابر بناة الأهرامات.. وعمال المسلات.. مازالت تؤكد تلك الصلة القوية بين المصريين وحضارتهم.. التى علمها الجميع وجهلناها.. فلك الله يا مصر.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: لوجه الله
إقرأ أيضاً:
استكشاف جذور العلوم الإسلامية وعلاقتها بالنهضة الأوروبية
أبوظبي (الاتحاد)
أخبار ذات صلةفي كتابه «العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية»، يأخذنا د. جورج صليبا، أستاذ العلوم العربية والإسلامية بجامعتي كولومبيا ونيويورك، في رحلة تاريخية لاستكشاف جذور العلوم الإسلامية وعلاقتها بالنهضة الأوروبية. يقدم الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية الدكتور محمود حداد، وصدر ضمن مشروع كلمة التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، مراجعة نقدية للسرديات التقليدية حول نشأة العلوم في الحضارة الإسلامية.
يبدأ الكتاب بمناقشة السردية الكلاسيكية التي يروِّج لها بعضهم في الغرب، والتي تفترض أن الحضارة الإسلامية اعتمدت في نهضتها العلمية على نقل العلوم من الحضارات السابقة، لكن المؤلِّف يفنِّد هذا الطرح، مؤكداً أن العلوم الإسلامية لم تكن مجرد امتداد للمعرفة القديمة، بل شهدت تطورات وإضافات جوهرية جعلتها أساساً للثورة العلمية في أوروبا، وأن العلماء المسلمين لم يكونوا مجرد ناقلين للمعرفة الإغريقية، بل كانوا ناقدين لها، إذ قاموا بإعادة صياغة النظريات وتصحيحها، ما أدى إلى ظهور ابتكارات علمية جديدة تجاوزت حدود الفكر اليوناني.
ويعتمد د. صليبا على تحليل أعمق لمراحل تطور العلوم الإسلامية، موضحاً أن النقل العلمي لم يبدأ في العصر العباسي فحسب، بل كانت هناك إرهاصات مبكرة منذ العصر الأموي، وتحديداً في عهد عبد الملك بن مروان، مستنداً في ذلك إلى مصادر تاريخية موثوقة، منها كتاب «الفهرست» لابن النديم، الذي يوثِّق نشأة العلوم في الحضارة الإسلامية وعلاقتها بالحضارات الأخرى.
وفي سبيل إثباته أن تأسيس علم فلك إسلامي مستقل أسهم لاحقاً في الثورة العلمية الأوروبية، يركِّز الكتاب بشكل خاص على علم الفلك، حيث يستعرض تطور هذا العلم من ترجمة كتاب «المجسطي» لبطليموس إلى تطوير نظريات أسهم بها علماء الفلك المسلمون، مثل ابن الشاطر ونصير الدين الطوسي، الذين قدَّموا نماذج رياضية متطورة أسهمت في تصحيح الأخطاء الموجودة في النظريات البطلمية، أدَّت إلى اكتشافات مؤثرة، مثل حركة القمر ونماذج ابن الشاطر لحركة الكواكب.
يختتم د. جورج صليبا كتابه بالتأكيد على أن النهضة الأوروبية لم تكن لتتحقق دون الأسس التي أرستها الحضارة الإسلامية في مجالات العلوم والفلسفة. ويوضح أن العلماء المسلمين لم يكونوا مجرد حلقة وصل بين المعرفة اليونانية والفكر الأوروبي، بل كانوا رواداً في تطوير منهجيات علمية جديدة أثرت بشكل مباشر في تشكيل النهضة العلمية الحديثة.