بعد أسابيع من التجاذبات الفرنسية العقيمة، حاول الرئيس إيمانويل ماكرون إنهاء الجمود السياسي وأعلن تسمية ميشيل بارنييه رئيساً جديداً للوزراء دون إجماع على مهمته بين أغلبية القوى السياسية داخل الجمعية الوطنية، ولدى شرائح واسعة من الرأي العام، ما ينذر بأزمة أكبر تعمّق صدمة نتائج الانتخابات التشريعية الاستثنائية التي جرت قبل نحو 60 يوماً، ويفاقم الخلاف القائم بين الإليزيه والتيارات الحزبية المختلفة.
وبذلك فإن ماكرون فضل المقامرة والقيام بهذه الخطوة على أمل أن تسمح المفاوضات الدائرة في الكواليس بإعادة تقسيم منظومة التصويت في الجمعية العامة، واستمالة بعض الأطراف على حساب أخرى. فقد أعلنت زعيمة أقصى اليمين مارين لوبان أن حزبها لن يكون جزءاً من الحكومة الجديدة، لكنها تركت الباب موارباً بشأن منحها الثقة، وقالت إن ذلك سيعتمد على برنامجه الذي سيدير من خلاله الحكومة، ورؤيته للتعامل مع المخاوف بشأن الهجرة المتدفقة إلى فرنسا.
موقف اليمين المتطرف يمكن أن يكون حاسماً في منح الثقة لبارنييه مع أحزاب يمين الوسط التي ينتمي إليها ماكرون، أما القوى اليسارية الوازنة في الشارع والبرلمان ممثلة في «الجبهة الشعبية»، فقد اتسم رد فعلها بمواقف متشددة، وقال زعيمها البارز جان لوك ميلانشون إن «الانتخابات سُرقت من الشعب الفرنسي»، فيما اعتبر زعيم الحزب الاشتراكي، أوليفييه فوري، العضو في التحالف اليساري مع ميلانشون، أن تعيين بارنييه، الذي ينتمي إلى الحزب الجمهوري صاحب المرتبة الرابعة في تصنيف القوى الفائزة بالانتخابات «إنكار للديمقراطية»، وأن فرنسا بهذا التعيين «دخلت أزمة نظام».
مثل هذه المواقف ربما تعني أن المعضلة الحقيقية لما بعد الانتخابات ستبدأ الآن بعد نحو شهرين من التسويف وترحيل الخلافات، وقد تكون أخطر إذا فشل بارنييه في الحصول على العدد الكافي من أصوات الثقة في الجمعية الوطنية، أما إذا تجاوزت الحكومة الاختبار البرلماني بنجاح، فستكون هشة وستصطدم بالقوى اليسارية من اليوم الأول.
إذا تسلم بارنييه منصبه فسيكون أكبر رئيس وزراء فرنسي (73 عاماً) خلفاً لغابريال أتال (35 عاماً) أصغرهم سناً في تاريخ الجمهورية الخامسة. ولهذا الانتقال معانيه ودلالاته، فهو يأتي في سياق أزمة سياسية غير مسبوقة تشهد تنافراً كبيراً بين الأحزاب وتمرداً على التقاليد الدستورية، ودعوات عملية لإقالة ماكرون وقع عليها أكثر من 80 نائباً أغلبيتهم من «فرنسا الأبية» اليساري.
أما بارنييه، المفاوض البارع ومتسلق جبال الألب السابق، فسيجد أمامه، إذا أصبح رئيساً للوزراء، واقعاً مختلفاً قد يحرمه من تتويج مسيرته السياسية بنجاح ويخرج من باب خلفي إذا عجز عن إيجاد توافق نادر بين تناقضات فرنسية شديدة التأزم والخطورة.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: الهجوم الإيراني على إسرائيل رفح أحداث السودان غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية فرنسا
إقرأ أيضاً:
جيهان جادو: زيارة ماكرون إلى القاهرة تعكس دعم فرنسا للرؤية المصرية بشأن غزة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أكدت الدكتورة جيهان جادو، عضو مجلس مدينة فرساي بفرنسا، أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرتقبة إلى مصر، ولقاءه الرئيس عبدالفتاح السيسي، تعكس دلالات عميقة بشأن التناغم القوي في العلاقات بين البلدين، مشيرة إلى أن اللقاء سيتناول المستجدات في القضية الفلسطينية، وسبل التوصل لاتفاق يؤدي إلى وقف إطلاق النار، وتيسير دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
وأوضحت جادو أن هذه الزيارة ليست فقط تأكيداً على عمق العلاقات المصرية الفرنسية الممتدة منذ سنوات، بل تجسد أيضًا توافق الرؤى بين القاهرة وباريس في ما يخص القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن موقف ماكرون يتماشى تمامًا مع الرؤية المصرية، لا سيما بعد وصفه لما يحدث في فلسطين بأنه "انتهاك للإنسانية"، وتأكيده على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية، وأن وقف إطلاق النار بات أمرًا جادًا لا يحتمل التأجيل.
وشددت على أن مصر، التي حملت على عاتقها منذ زمن بعيد القضية الفلسطينية، ترفض بشكل قاطع التهجير القسري للفلسطينيين، وتتحمل مسؤولية حماية أمن حدودها، مع الحرص الشديد على دخول المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح والمنافذ الحدودية الأخرى.
وأشارت جادو إلى أن زيارة ماكرون في هذا التوقيت الحرج تعد زيارة ذات مدلولات قوية على المستويين الدولي والإقليمي، في ضوء الملفات المتعددة التي تربط بين القاهرة وباريس، وهو ما يتجلى في الوفد الرفيع المرافق له، والذي يضم وزراء الدفاع والاقتصاد والمالية.
وأضافت أن للزيارة أبعاداً سياسية تتعلق بفرنسا نفسها، فبعد توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والحرب الاقتصادية التي أشعلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبحت فرنسا في حاجة إلى تعميق شراكاتها مع حلفائها الأقوياء في الشرق الأوسط، لا سيما مصر التي تعد رمانة الميزان في المنطقة، ومن هنا جاءت هذه الزيارة في إطار بحث التعاون الاستراتيجي وتوحيد الجهود لإعادة إعمار غزة، فضلًا عن دعم فرنسا للموقف المصري بشأن إنهاء الحرب على فلسطين.
كما أكدت أن من المقرر أن يلتقي ماكرون خلال زيارته برجال أمن فرنسيين متواجدين في فلسطين ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي المخصصة لمراقبة الحدود، إضافة إلى توقيع عدد من عقود الشراكة بين مصر وفرنسا في المجالات العسكرية والاقتصادية.
واختتمت جادو تصريحها بالتأكيد على أن العلاقة بين مصر وفرنسا علاقة طويلة الأمد، قائمة على احترام متبادل ورؤية مشتركة إزاء ما يحدث من انتهاكات في فلسطين، مشددة على أن مصر لم تكن يومًا دولة حرب، بل كانت دائمًا وأبدًا من أبرز الداعين للسلام في العالم.
وأضافت: لا سبيل سوى بحل الدولتين ووقف الحرب وبناء غزة، وهو ما تؤيده فرنسا من خلال زيارة ماكرون ودعمه للموقف المصري، إيماناً منها بدور مصر القوي والفعال، وقدرتها على الوقوف بثبات في وجه أي تهديد أمني أو استراتيجي يمس الشرق الأوسط.
وأكدت جادو، في ختام حديثها، أن زيارة ماكرون سيكون لها صدى دولي واسع، وقد تفتح المجال لدول أخرى للوقوف إلى جانب مصر في هذه القضية.