بوابة الوفد:
2025-01-27@05:02:16 GMT

بركة الوقت

تاريخ النشر: 5th, September 2024 GMT

كان القدماء، رضوان الله عليهم، من العلماء العاملين أحرص الناس على الأوقات، لم يضيعوا أوقاتهم فى الكلام الفارغ ولا فى اللهو ولا فى السهر، ولا فى القيل والقال ولا فى الغيبة ولا فى النميمة، ولا على الموبايلات الحديثة، ناهيك عن سد ذرائع قلة الأدب التى انتشرت فى كل مكان، ولا يكاد يخلو منها بينه وبين نفسه إنسان.

أعجب العجب فعلاً أنك تلاحظ أن فريضة التفكير وطلب العلم هما أعدى أعداء الوقت الضائع، فلن يتفق مطلقاً لرجل مفكر أو باحث أو أديب أو طالب علم مع ما يبدو الآن من مظاهر انتشار ضياع الوقت والقيمة والقانون، لأن أولئك كلهم بحاجة ماسّة إلى تجنيد الوقت لخدمة مآربهم العليا، ولو لم يحرصوا على ذلك لامتنع لديهم الانجاز!

وقانون الوقت من أخطر ما يمس العمر فى تحصيل ما يجب، وترك ما لا يجب، حتى تظهر بركة الأوقات مع التدبير والاعتبار، ومع الرعاية والعناية. ولذلك قال حجة الإسلام الإمام الغزالى فى بداية الهداية ما نصّه: 

(ولا ينْبغِى أَن تَكونَ أوقاتُكَ مُهْمَلَةً فَتَشْتغلَ فى كلِّ وَقْتٍ بما اتَّفقَ كَيْفَ اتَّفَقَ بل يَنْبَغِى أَنْ تُحاسِبَ نَفْسَكَ وتُرَتِّبَ وظائِفَكَ فى لَيلِكَ ونَهارِكَ وتُعَيِّنَ لكُلِّ وَقْتٍ شُغْلاً لا يَتَعَدَّاهُ ولا تُؤْثِرُ فِيهِ سِواه، فَبِهِ تَظْهَرُ بَرَكَةُ الأَوقاتِ.

فأمّا مَنْ تَرَكَ نَفْسَهُ مُهْمَلاً سُدًى إِهْمالَ البَهائِمِ لا يَدْرى بِما يَسْتقبِلُ كلَّ وَقْت، فَتَنْقَضِى أكثرُ أوقاتِهِ ضائِعَةً. 

وأوقاتُكَ عُمْرُكَ، وعُمْرُكَ رَأْسُ مالِكَ، وعَلَيْهِ تِجارتُكَ وبِهِ وُصُولُكَ إِلَى نَعِيمِ الأَبَدِ فى جِوارِ اللهِ تَعالَى، فَكُلُّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفاسِكَ جَوْهَرٌ لا بَدَلَ لَه، فَإِذا فاتَ فَلَا عَوْدَةَ لَهُ. فَلَا تَكُنْ كالحَمْقَى الذين يَفْرَحُونَ فى كُلِّ يَوْمٍ بِزِيادَةِ أَمْوَالِهِمْ مَعَ نُقْصانِ أَعْمارِهِمْ).

يتبيّن إذن أن الحرص على مراعاة الله فى كل لحظة، إنما هو بركة تمدُّ العمر وترفعه وتباركه وتزكيه، ولا يرفع العمر ولا يباركه ولا يزكيه إلا مراعاة الأوقات بين يدى الله وخلوص السريرة قصداً وتوجُّهاً إليه سبحانه، فلا خير فيما لا يكون خالصاً له وحده دوناً عن سواه إذا كان لا محل للسِّوى معه فى كل اعتقاد صحيح.

 ولنعلم جميعاً: أن العمر كله يوم، واليوم كله ساعة، والساعة كلها وقت، والوقت كله حال، والحالُ مراقبة القلب مع الله بإحصاء اﻷنفاس فى الوقت الذى هو فيه.. فإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر فيماذا يقيمك؟ 

يعنى تحقق من «عبادة الوقت»، وعبادة الوقت من أنفع وأجل العبادات التى يجيدها أهل الله وخاصّته، لأنها العبادة التى تقدر العمر كله فتحصره فى اليوم، وتقدر اليوم كله فتحصره فى الساعة التى يحضر فيها مع الله، وتقدر الساعة كلها فتحصرها فى الوقت، وتقدر الوقت كله فتنزله فى الحال، وتنزل الحال بمراقبة الأنفاس مع الله باتصال القلب بمنن الفضل الإلهى. 

فلا يعرف العبد منزلته عند الله ما لم يقدّر للوقت قيمته ويعرف على التحقيق فيما أقامة الله فيه، ويُحسن هذه المعرفة مع الإقامة، فإنّ لها مع كل حال عبادة، فقد يقيمك الله فى حال الطاعة أو يقيمك فى حال المعصية، أو يقيمك فى حال النعمة، أو يقيمك فى حال البليّة. ومقتضى الحق - سبحانه - منك أن تؤدى حق العبادة فى كل حال وفى كل وقت فيما أقامك الله فيه، وهى التى يسميها العارفون «بحقوق الأوقات».

وحقوق الأوقات هذه إذا فاتت ليس لها قضاء، بخلاف أوقات الصلاة إذا هى فاتت تُقضى من فورها.

حتى إذا أقامك الله فى حال الطاعة فمقتضى الحق منك الشكر، وإذا أقامك فى حال المعصية، فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار، وإذا أقامك فى حال النعمة، فمقتضى الحق منك شهود منته عليك ووجوب الشكر والحمد، وإذا أقامك فى حال البلية فمقتضى الحق منك الصبر والاحتساب والرضى بقضاء الله، ولا تخلو أحوال العبدمن هذه الأربعة التى لا خامس لها: طاعة فمعصية، ثم نعمة أو بلية، ولكل حال منها عبادة يؤديها العبد فى التو واللحظة، أى فى الوقت الذى هو فيه، ولذلك سميت بحقوق الأوقات التى لا قضاء لها إذا ما فاتت.

فمثلاً: إذا كان العبد فى حال المعصية ولم يؤد حق الاستغفار منها، وجعل وقته يمضى بغير استدراك، فقد فوّت على نفسه حق الله عليه فيما أقامه الله فيه، وأضاع حال العبادة فى الوقت الذى أقامه الله فيه، فلم يعط حق عبادته التى اقتضاها الله منه فى وقتها، ولم ينظر فيما أقامه الله فيه، ولم يدرك لنفسه منزلة عند الله لأنه لم يشأ أن يدرك لنفسه منزلتها. وليس للنفس أن تدرك منزلتها وهى بمعزل عن وصلتها الإلهية وبوصلتها الربانية وشهودها الأكمل لعالم الملك والملكوت والجبروت.

 

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: د مجدى إبراهيم ن القدماء فى الوقت الله فیه ولا فى فى حال

إقرأ أيضاً:

الأمية السياسية.. خيانة وطن

أسوأ أنواع الأمية هي الأمية السياسية. فالأميّ في السياسة لا يصغي و لا يتكلم، لا يشارك في الأحداث السياسية ولو بإبداء رأيه، هو لا يَعلَم أن صعوبة الحياة وسهولتها وتكاليف المعيشة كالمَسْكَن الذي يؤويه والمأكل والمَشْرَب، والدواء اللازم عند مرضه، والكساء الذي يستُرُ جَسَده، وتعليم أبنائه، ووسائل مواصلاته.. .الخ كلُ هذه الأمور ترتبط بجملة قرارات سياسية، وأسلوب الحكومات في إدارة شئون البلاد.

يقول " أرنولد بريخت ":

"إن الأميّ في السياسة أحمق إلى درجة أنه يفتخر بذلك ويتعالىٰ عندما يقول إنه يكْرَه السياسة. هذا الغبي لا يعلم أن جَهْلَه السياسي هو الذي يتسبب في وجود كل أشكال الفساد المالي والإداري والانحدار الأخلاقي، وهو الذي يتسبب في وجود رجال السياسة المُستَغِلين لمناصبهِم، والفاسِدين الذين يَلْعَقون أحذية رجال الأعمال والأثرياء وأصحاب النفوذ "..

و الجهل السياسي ( إذا اقترن بالفقر ) يكون التَفْريط في الحقوق الدستورية، واللامبالاة بأهمية الصَّوت الانتخابي، وسوء اختيار نواب المجالس البرلمانية، وظهور فئة من المنافقين المُنتَفِعين من علاقاتهم بأصحاب النفوذ الفاسِدين فيحاولون تجميل صورهم أمام الناس وتضخيم أدوارهم وإنجازاتهم حتى لو كانت عبثا لا تقدم منفعة للمجتمع..

ولهؤلاء نقول: لا تزايدوا على أمثالِنا حين نَرى الفاسدين أصناما جوفاء ولا نشارككم النَّفْخ فيهِم.

* فضمائرنا تُملي علينا، والحبُ الصَّادقُ للوطن يدفعنا، والأمانة تقتضي أن نشير إلى مواضعِ الفَشَل والقصور لتلافي المزيد منها، بل وإنقاذ ما يُمْكِن إنقاذه ومحاولة إصلاح ما وقَع، فالنَّقد ولَفْت الانتباه ليس هدما لبناءٍ ولا إحباطا لهِمَم. ويجبُ ألا يكون تجْريحا في شخص المسئول أو التعَرُّض لحياته الخاصة بل نقدا لأدائه السيئ والإشادة به إن كان جيدا ملموسا.

كونوا أعينا أمينةً للقيادةِ السياسية حتي لا يضيع جُهْد الحاكم بسبب زُمْرة من الفاسدين والمتقاعِسين، فلا تُجَمِّلوا صورة وزيرٍ لم يُدرِك مشكلات وزارته ولم يَكتشِف عوامل فشل إدارته في الوقت المناسب، ولا تُشيدوا بأداءِ مُحافِظ لم يُقدِّم حلولاً لمشكلات محافظته ولم يُضِفْ إليها جديداً غير إضاعة الوقت وإهدار المال العام.

فإن أردتم التعبير عن حُب مِصر و إصرارِكُم علي تقدُّمِها كونوا صادقين معتدلين، لا تبالغوا في مدحِ الإنجاز الجَيِّد فيعتقد صاحِبُهُ أن ليس هناك ما هو أجود.ولا تبخسوا الناس أشياءهم فتُِحبِطوا مُجتهدا أمينا بنقدٍ في غير موضِعهِ.

مقالات مشابهة

  • دعاء الاستخارة بدون صلاة.. اللهم إني أستخيرك بعلمك وقدرتك
  • "حركتكِ بركة".. فعالية رياضية خاصة بالنساء
  • الأمية السياسية.. خيانة وطن
  • محمود فتح الله: حان الوقت لاحتراف إبراهيم عادل
  • يوم الخروج من أرض مصر
  • جوتيريش: الأمم المتحدة ستبذل أقصى جهودها للإفراج عن جميع "الرهائن" ووقف إطلاق النار بغزة
  • الفاشر عصية ومحروسة بحول الله ودماء الشهداء واشلاء البواسل ودعوة الصالحين
  • عبدالله فلاته: تسجيل الهلال في الوقت البدل الضائع
  • د. يسرى عبد الله يكتب:  «الكتاب».. الحقيقة والاحتفاء
  • ارتدوا ملابس ثقيلة في هذه الأوقات | تنبيه عاجل من الأرصاد