لجريدة عمان:
2025-04-03@09:03:09 GMT

قرة عين رسول الله

تاريخ النشر: 5th, September 2024 GMT

قرة عين رسول الله

تتحدّث معه مباشرة دون واسطة، في حديث عميق، ومناجاة عظيمة، تسبِّحه وتحمدهن وتقرأ شيئا من كلامه، هذا حال المصلّي مع رب العالمين، وكما يُقال إذا أردت أن تتحدَّث إلى الله فصلِّ، وإذا أردت أن يتحدَّث معك فاقرأ القرآن، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه حال المسلم في هذه الحياة الدنيا التي أوجدها الله فيها لعبادته في المقام الأول، حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" فهو غني عن العالمين، ولا يريد من الخلق أن يرزقونه أو يطعمونه، فهو الرَّزاق المنعم المتفضّل على عباده أنْ أوجدهم من العدم، ولا يستطيع عباده أن ينفعوه أو يضروه.

والصلاة هي عمود هذا الدين، ففي الحديث النبوي الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "رَأْسُ الأَمْرِ: الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ: الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله" فالصلاة بمثابة العمود الذي تستند إليه الخيمة ولا يمكن نصبها إلا بوجود هذا العمود، أي أنه لا يكون المسلم مسلما إلا بالصلاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".

ولأجل أهمية الصلاة كانت قرَّة عين الرسول صلى الله عليه وسلم فيها فقال: "وجعلت قرّة عيني في الصلاة" فحبَّبها الله إلى نبيّه الكريم بل وفرض عليه ما لم يفرضه على المسلمين، ففرض عليه قيام الليل فقال: "قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا" فكان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل حتى تتورّم قدماه. ولأن الصلاة منجاة فهي تؤدى حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، ولذلك كانت هنالك صلاة المواقفة وصلاة المسايفة التي تكون أثناء الحروب، كما أن المريض لم يُعذر منها فمَن لم يُصلِّها واقفًا، يصلِّها جالسًا، ومَن لم يستطع فليُصلِّها مضطجعًا.

وهي عبادة مرتبطة بالزمن، أي أنها تؤدى في أوقات مخصوصة، وأفضل أوقاتها أول الوقت، فقال الله عز وجل في كتابه الكريم: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا"، ومن المعلوم المجرب أن الالتزام بالصلاة في أوقاتها ينظم حياة المسلم، بل ويجعل أعماله وأوقاته مباركة، وتتكون عنده ساعة بيولوجية، تنبهه بأوقات الصلاة دون النظر إلى الساعة، بل وتوقظه من نومه، فيصبح قلب المؤمن معلقًا بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ومَن كان هذا حاله فقد بشرّه الله بأن يكون في ظل الله يوم القيامة، يوم لا يكون إلا ظله، في ذلك اليوم العسير الذي تكون فيه الشمس على رؤوس الخلائق ويكون طول ذلك اليوم 50 ألف سنة، فلك أن تتخيّل اللحظات المرعبة من الانتظار والترقب، وأنت تستظل بظل الرحمن الذي يُنجيك من الحر.

والصلاة ليست مجرد حركات وسكنات يؤديها المصلي خلف الإمام، وإنما هي عبادة تتجسد فيها معاني العبودية الخالصة لله عز وجل، فهي عبادة حية روحها الخشوع والخضوع لله عز وجل، ولا تقبل من قلب غافل، فالمقصد منها ذلك التواصل والصّلة التي تكون بين العبد وخالقه في تمثل كل ركن من أركان هذه الصلاة وتأديته على أكمل وجه، واستحضار عظمة الله، لكي تحصل بها الفائدة للمصلي ويتبيّن أثرها في حياته، فالصلاة الصحيحة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ".

ولكي تبلغ درجة الإحسان في الصلاة يجب عليك أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فعند وقوفك بين يدي الله في الصلاة، فأنت تقف بين ملك الملوك وربّ الأرباب العظيم الذي خلقك، وعندما تضع جبهتك على الأرض تستشعر ذُلَّك وانكسارك أمام عظمة الله الذي خلقك وأنت كائن حقير أمام خلق الله الذي خلق الكواكب والنجوم والمجرات والمجموعات المجرية والكون الذي يدير شؤونه، فأنت تستمد منه فيوض رحماته وبركاته وعطاءاته، وكذلك الأمر في كل ركون وتسبيح وسجود، فمَن يداوم على هذا الأمر ويسعى إليه، ستكون له هذه الصلاة حرزا من الشيطان وأدبا للنفس، فستنهاه هذه الصلوات عن فعل المنكرات والوقوع في الفواحش، وهذه إحدى أعظم الثمرات، وهي أن تكون لله كما أمرك، منتهيًا عما نهاك عنه.

وهذا لا يتأتى بالتفويت والتفريط في الصلوات، ولكن يحصل بالمحافظة عليها والحرص على أدائها في أوقاتها، فهذا الاجتهاد موصل إلى توفيق الله عز وجل، كما ينبغي على المسلم أن يدعو الله أن يُعينه على إقامة الصلاة على الوجه الذي يُرضي ربنا، وهذا دأب الأنبياء والصالحين، فهذا الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يجعله مقيما للصلاة فقال الله عز وجل على لسانه: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ".

ولأنها عمود الدين وركنه المتين، فإن الشيطان يحاول إفساد صلاة المسلم، وذلك من خلال الوسوسة، التي تجعل المصلي يسهو عن الصلاة وينشغل فكره بأمور الحياة الدنيا، فيجب مدافعة الشيطان ومعرفة مخارجه ومداخله، وأن يتخلى عن الشواغل التي تشغله عن الخشوع.

ومن الوسائل المعينة على الخشوع في الصلاة هو الإكثار من النوافل، وخاصة في الصلوات التي تكون في خلوة، كقيام الليل، فمن اقتطع وقتا من نومه وقام وتوضأ في الليل والناس نيام، وصفَّ قدميه في عبادته وصلاته لله رب العالمين، فإنه سيكون أقرب إلى الله وأدعى إلى الخشوع والخضوع وطلب الرحمة.

كما أن على المسلم أن ينقّي قلبه من العجب والرياء، وأن يستعين على هذا الأمر باستحضار القلب من أن المقصد هو عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يكثر من الدعاء بقوله "اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" وأن يوقن أن كل من جاء إلى المسجد جاء لأجل الله وليس لأحد سواه.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لله عز وجل فی الصلاة الذی ی

إقرأ أيضاً:

الأوقاف: المساجد حضن تربوي للأطفال مع مراعاة الضوابط الشرعية

قالت وزارة الاوقاف المصرية، إن المساجد بيوت الله، وهي المكان الذي يملأ القلوب بالسكينة ويزود الأرواح بالهدى، ومن رحمة الإسلام أن جعل المساجد بيئة رحبة للكبار والصغار من الجنسين، حاضنة للأبناء؛ لتعزيز حبهم لها وارتباطهم بها منذ الصغر؛ فقد كان سيدنا النبي ﷺ قدوة في هذا المجال، إذ كان يُلاعب أحفاده داخل المسجد، ويحملهم في أثناء الصلاة؛ ويستقبل الوفود في المسجد، ويشهد "لعب الحبشة" (ما يشبه الفولكلور أو الفنون الشعبية في العصر الحديث)، وكل ذلك وغيره يؤكد التوازن بين الحفاظ على قدسية المسجد، وتعدد أدواره، ورعاية فطرة الطفل وحاجته للطاقة والحركة.

وأضافت الأوقاف، في منشور بيان لها، ففي حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: “رأيت النبي ﷺ يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها”، وهذا يوضح أن وجود الأطفال في المسجد وملاطفتهم لا يتعارض مع قدسيته، بل يعزز ارتباطهم به، ويزرع فيهم حب الصلاة، والإقبال على مجالس العلم، وتوقير بيوت الله وروادها، ومعرفة قدر العلماء والمربّين، وترسيخ فكرة الترويح المباح عن النفس، وتعليمهم كيفية ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وغير ذلك من الأهداف النبيلة. 

وفي حديث آخر عن شداد بن الهاد رضي الله عنه، قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فسجد أطال السجود". 

وهنا نجد أن النبي ﷺ لم يمنع الأطفال من المسجد حتى في أثناء الصلاة، بل كان يُظهر لهم الرقة والرحمة، بل كان يوجز التلاوة في الصلاة حرصًا على تلبية احتياجات الصغار كما ثبت من سنته الشريفة.

كما ورد في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: "كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه"؛ وهذا الموقف يؤكد أن وجود الأطفال في المسجد كان أمرًا مألوفًا -بل محببًا- في عهد سيدنا النبي ﷺ، وهو لا يتعارض مع الوقار، بل يعبر عن رحمة النبي بهم.

أما عن حديث عائشة رضي الله عنها، فقد قالت: "رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد... "، وهذا الحديث يوضح سماحة الإسلام في السماح ببعض اللعب داخل المسجد طالما أنه لا يخل بقدسيته ولا يؤثر في خشوع المصلين.

ومن المهم أن يكون اللعب والملاطفة في أوقات لا تعيق الصلاة أو تؤثر في خشوع المصلين، كما ينبغي إشراف الكبار على الأطفال من أجل مراعاة الآداب الشرعية في أي نشاط داخل المسجد، والأوقات المناسبة للهو المباح وكيفيته، مع تربيتهم على عدم المساس بقدسية المسجد أو التسبب في إزعاج المصلين، أو في إحداث أي ضرر بالمكان أو بمن هم فيه.

والمؤكد أن تربية الأطفال على احترام الأكوان بما ومن فيها -بما في ذلك حب المساجد- لا تقتصر على التلقين فحسب، بل ينبغي إشعارهم بالألفة والراحة في رحابها؛ والتلطف معهم فيها بالقول وبالفعل، وبالتعليم وبالإهداء، وبالترحيب وبالتوجيه الذي يأخذ بعلوم نفس الطفولة ويراعي متطلبات التنشئة السليمة والذكاء العاطفي، ولا مانع من ملاعبة الأطفال في المساجد بشرط أن يكون ذلك متفقًا مع الآداب الشرعية وألا يتسبب في أي مساس بالمسجد أو مكوناته أو رواده.

واللهَ نسأل الله أن يجعل بيوته عامرة بذكره، وأن يرزقنا تربية أجيالنا على طاعته وحب بيوته التي أذِن سبحانه أن تُرفَع ويُذكَرَ فيها اسمه.

مقالات مشابهة

  • عاجل| الجزيرة تحصل على نسخة مقترح الوسطاء المقدم في 27 مارس الذي وافقت عليه حماس ونسخة الرد الاسرائيلي عليه
  • الأوقاف: المساجد حضن تربوي للأطفال مع مراعاة الضوابط الشرعية
  • الرئيس السوري: إذا كانت الشام قوية تكون كل المنطقة قوية
  • الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
  • علي جمعة: السرور والفرح جزءٌ لا يتجزأ من حياة المسلم
  • كيفية ترديد الأذان خلف المؤذن كما ورد في السنة.. إليك الطريقة الصحيحة
  • كيف يكون الدعاء في الصلاة؟.. هكذا علّمه الرسول للصحابة
  • هل عليه قضاؤها؟.. حكم صلاة المأموم منفردا خلف الصف
  • ما حكم الصلاة بالحذاء؟.. الإفتاء: يجوز بشرط
  • متى تكون الأيام البيض لشهر شوال 2025 - 1446 هـ