الأسد والحليفان والتطورات المتلاحقة .. القارب روسي أم إيراني؟
تاريخ النشر: 2nd, September 2024 GMT
خلال تهنئته بمنصبه الجديد أبلغ وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، علي محمود عباس، نظيره الإيراني العميد عزيز نصير زاده بأن "سوريا مع إيران على نفس الجبهة، وأن أمن البلدين واحد، لأن الإخوة في محور المقاومة على نفس القارب"، على حد تعبيره، وكما نقلت وكالات إيرانية.
ورغم أن هذه اللهجة الخارجة من دمشق ليست جديدة على صعيد العلاقة مع طهران، المتشكلة منذ عقود، فإنها تبدو لافتة عندما تقاس بالتوقيت الذي جاءت فيه، وبالتحركات والمشروع الذي يحاول تكريسه الحليف الثاني لبشار الأسد على الأرض، المتمثل في روسيا.
وترعى روسيا في الوقت الحالي مسار التقارب بين تركيا والنظام السوري، في مسعى منها لفرض حالة من "التهدئة والاستقرار" على الأرض، ولاعتبارات تتعلق بإنعاش الأسد اقتصاديا وفي مجالات أخرى، كما يقول خبراء ومراقبون، تحدث معهم موقع "الحرة".
وكانت موسكو قد اتبعت سياسة "هادئة" فيما يتعلق بالحرب المندلعة في غزة، وسعت لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة، بمواقف ترجمتها على الأرض وبالتصريحات.
وفي المقابل لا تزال إيران تؤكد على "هوية سوريا كدولة مقاومة".
وبينما شدد على ذلك المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قبل ثلاثة أشهر عاد وزير دفاع الأسد، محمود عباس، ليثير ذات الفكرة مع نظيره الإيراني، يوم الأحد، مستخدما مصطلحات من قبيل: "مواجهة قوى الشر والمحور المتغطرس"، في إشارة منه لإسرائيل والولايات المتحدة.
ولروسيا قوات وقواعد عسكرية في سوريا، أبرزها "حميميم"، ويأخذ وجودها هناك طابع الجيش الرسمي المتمركز في مواقع استراتيجية ومعروفة في اللاذقية والعاصمة السورية دمشق.
وكان تدخلها عسكريا عام 2015 قد حرف دفة الصراع في البلاد لصالح النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، وجاء ذلك بعدما زجت إيران بالكثير من الميليشيات على الأرض لمساندة قوات الأخير ضد فصائل المعارضة.
وفي حين أن كلا الدولتين تدعمان الأسد على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية لا يعني ذلك أنهما تشتركان وتتقاطعان بكامل المصالح في سوريا، دون أن يعني ذلك التضارب الكامل الذي قد يؤدي للتصادم بصورته العامة، كما يقول الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.
"يختلفان.. ولكن"ووفقا للخبير لوند من الواضح أن إيران وروسيا لديهما أولويات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك وإلى حد ما في سوريا، ويطرح مثالا على ذلك، بقوله إن لديهما مواقف مختلفة للغاية تجاه إسرائيل.
وتحاول روسيا تجنب الصراع مع إسرائيل، بينما تخوض إيران "حربا فعلية" ضدها. كما تختلف كل من موسكو وطهران في موقفهما من تورط دول الخليج العربية في سوريا حيث يسيطر النظام السوري.
ومع ذلك، يضيف لوند أنهما "متوافقان جيدا فيما يتعلق بالقضايا السورية الأكثر أهمية، وقد تعاونا بشكل فعال لسنوات، كما يريد كلاهما ضمان بقاء بشار الأسد وإدارة الصراع لصالحه".
وغالبا ما تتكهن المعارضة السورية بوجود منافسة خطيرة مستمرة بين روسيا وإيران، وأن التحالف الروسي الإيراني سوف ينهار، مما يقوض موقف الأسد، لكن وحتى الآن لم نشهد حدوث ذلك أبدا، وفق لوند.
ويشير من ناحية أخرى إلى أنه، وبينما سيكون هناك "بعض الاحتكاك" بين موسكو وطهران، إلا أن كلاهما "يستفيد من استمرار التعاون بشأن القضايا الرئيسية".
ويتوقع لوند أن يظل الوضع على هذا النحو، "ما لم يحدث شيء استثنائي".
وكانت العلاقة بين روسيا وإيران قد أخذت منحا تصاعديا بعدما بدأت موسكو حربها ضد أوكرانيا، ومن هذا المطلق يوضح الباحث في مركز "الحوار السوري"، أحمد القربي، أن "دائرة التعاون والمصالح بينهما أكبر من نطاق سوريا".
ويقول القربي لموقع "الحرة": "هناك أوجه تعاون كثيرة ما بين إيران وروسيا تدعمها نقاط كثيرة، يرتبط جزء منها بتطورات سياسية وعسكرية والآخر بسياقات إقليمية ودولية".
ولا يمكن القول في الوقت الحالي إنه يوجد "تنافس بين روسيا وإيران في سوريا"، ويشير الباحث السوري إلى "عدة مصالح تجمعهما منها تثبيت نظام الأسد".
وانعكس ذاك المشهد المتعلق بحماية الأسد من السقوط، منذ عام 2015، حيث دائما ما كان الروس ينفذون الغارات الداعمة له من الجو بينما ينتشر ويقاتل الإيرانيون وميليشياتهم على الأرض.
ماذا عن "نموذج الدولة"؟ومن مصلحة روسيا في الوقت الحالي أن يستعيد النظام السوري كل أراضيه وأن تكون سوريا مركزا مهما باعتبارها دولة عربية "مستقرة"، مما يزيد من نقاط موسكو ويعزز من مصالحها، كما يرى المحلل السياسي السوري، محمود الفندي.
ويقول الفندي المقيم في موسكو لموقع "الحرة" إنه في المقابل "تريد طهران أن تظّل الحكومة السورية ضعيفة، وأن تبقى في إطار ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة".
وحتى الآن لا ترى إيران مصلحة في "إعادة القوة" لسوريا، وأن تعود إلى الحضن العربي أو تعيد علاقاتها كاملة مع تركيا، وفق الفندي.
ويعتبر أن تحقيق ذلك "سيؤدي إلى فقدان إيران لأسهمها في سوريا"، مردفا أن "مصلحة إيران في سوريا الآن كما عمل النظام السوري في لبنان قبل سنوات. كان يريده ضعيفا بشكل دائم".
ومن جهته يشير الباحث السوري القربي إلى أن وجهة نظر إيران في سوريا تقوم على "تشكيل ميليشيات خارج مؤسسات الدولة"، وتختلف بذلك عن روسيا التي تدعم "نموذج الدولة المركزية".
لكن القربي لا يرى أن ما سبق يعني أن موسكو وطهران بينهما الكثير من المشاكل والتنافس.
ويضيف أنه "توجد مصلحة استراتيجية للطرفين في الحفاظ على نظام الأسد"، والتصدي للنفوذ الأميركي في شرق سوريا والحد منه، فضلا عن موقفهما المشترك ضد المعارضة السورية ورفض "قضية الثورة".
"القارب" روسي أم إيراني؟ولا يعرف حتى الآن الشكل الذي ستكون عليه سوريا المقسمة بين 4 مناطق تشرف عليها جهات تتضارب فيما بينها بالكثير من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية ونماذج الحكم.
وتتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى ما ستؤول إليه التطورات المتعلقة بخط التطبيع ما بين أنقرة والنظام السوري، الذي تدعمه روسيا على نحو كبير.
وتشترك تركيا وروسيا وإيران في مسار "أستانة"، وتضبط هذه الدول الثلاث منذ سنوات خطوط الجبهة التي تفصل بين مناطق الصراع.
ويعتقد الباحث السوري القربي أن "الاختبار المرتبط بالتطبيع بين الأسد وتركيا سيقدم مؤشرا جيدا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تتخلى موسكو وطهران عن بعضهما في سوريا".
ويؤكد في المقابل أن جملة المصالح السياسية الاستراتيجية بين إيران وروسيا لا تعني أن حليفي الأسد "يتوافقان في جميع المجالات"، خاصة الجانب الاقتصادي وتركيبة النظام السوري ككل.
ويعتقد المحلل السياسي الفندي أن "إيران تحاول عرقلة مسار التطبيع السوري التركي"، ولذلك تحرض من الخلف بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا.
ويقول من ناحية أخرى، إن "الوجود الإيراني كميليشيات يرتبط بضعف سوريا، وعندما يكون هناك جيش فلا داعي لبقاء الميليشيات والحرس الثوري".
لكن الفندي يستبعد أن يكون هناك تصادم كبير بين الروس والإيرانيين في سوريا، ويضيف أن موسكو تحاول إدارة علاقتها مع طهران بالتوازي مع "تقوية سوريا من خلف الستار على صعيد المؤسسات والجيش".
ومن المستبعد أن يضحي النظام السوري بعلاقاته الاستراتيجية والعضوية مع إيران في المستقبل القريب، كما يرجح الباحث السوري، أحمد القربي، وذلك لأن الأمر "خارج إرادته"، وهو ما بدا واضحا بعد التطبيع العربي مع دمشق.
ويوضح الباحث أن "كل المؤشرات تذهب باتجاه أن نظام الأسد لا يمتلك الإرادة في التخلي عن إيران.. ولو كانت هناك ضغوط روسية".
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: فی الوقت الحالی النظام السوری الباحث السوری موسکو وطهران روسیا وإیران على الأرض فی سوریا إیران فی
إقرأ أيضاً:
الإعلان الدستوري السوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (2)
في هذه الحلقة الثانية من الدراسة التي كتبها خصيصًا لـ"عربي21"، يواصل الدكتور عبد العلي حامي الدين، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءته في الإعلان الدستوري الذي قدمته السلطات السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لإدارة المرحلة الانتقالية. يتناول الباحث في هذه الحلقة نظام الحكم المؤقت، مشيرًا إلى أن المقتضيات الواردة في الباب الثالث من الإعلان تعكس تصورًا رئاسيًا واضحًا للسلطة التنفيذية.
ورغم وجاهة هذا التوجه في تحقيق السرعة والفعالية، إلا أنه يثير تساؤلات حول مخاطر تركيز السلطة وتأثيره على مبدأ الفصل بين السلطات، وهو ما يضع تحديات كبيرة أمام تحقيق توازن مؤسساتي حقيقي في سوريا الجديدة.
مبدأ الفصل بين السلطات بين التصور النظري والملاءمة الدستورية..
لقد جاء الباب الثالث من الإعلان الدستوري تحت عنوان نظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وتعكس المقتضيات الواردة في هذا الباب المنظور الذي يؤطر فلسفة السلطة في المرحلة الجديدة، كما يعكس بشكل استباقي الملامح الرئيسية للدستور الدائم، وهي ملامح تبدو مطبوعة بالتصور الرئاسي للسلطة التنفيذية، وهو أمر مفهوم في سياق البحث عن الأسلوب الملائم لتحقيق الفعالية والسرعة في إصدار القرارات، ولكنه محفوف بمخاطر تركيز السلطة وإفراغ مبدأ الفصل بين السلطات من وظائفه المعروفة كما تطورت في الممارسة العملية لأنظمة الحكم في العالم.
يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات القاعدة الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الدستورية في الديموقراطيات العريقة، مع ضرورة الإشارة إلى اختلاف تنزيل هذا المبدأ تبعا لاختلاف مكونات وخصائص النظام الدستوري من دولة إلى أخرى، وذلك راجع إلى اختلاف السياقات الفكرية والسياسية للأنظمة الدستورية التي تختلف بحسب شخصية الأمة ودرجة تمدنها ومكوناتها الثقافية وموروثها الحضاري وتاريخها السياسي إلى جانب عوامل أخرى كثيرة.
لكن نشأة هذا المبدأ تظل مرتبطة بنشأة الفكر الدستوري الحديث الذي اهتم بإنتاج بعض المبادئ والمفاهيم التأسيسية التي يبقى لها دور حاسم في فهم طبيعة النظم السياسية.
بحيث استقرت آراء العديد من المفكرين على أن كل إنسان يتولى السلطة محمول على إساءة استعمالها، "ولكي لا نسيء استعمال السلطة يجب بحكم طبيعة الأشياء أن توقف السلطة’ السلطةَ" كما قال المفكر الفرنسي مونتيسكيو (1689/1755) في كتابه روح القوانين.
وبالتالي فإن فلسفة هذا المبدأ تتجاوز اعتماد الفصل الشكلاني بين وظائف الدولة، إلى محاربة كل نزعة استبدادية وإطلاقية في الحكم، وعليه فإن الحل يكمن في إيجاد "سلطات مضادة" تقف في وجه بعضها البعض، وذلك عن طريق إيجاد التقنيات المناسبة لكسر هيمنة السلطة ووحدتها ومن تم إضعافها لمنعها من التعدي على الحريات.
لقد كان لهذا المبدأ أثره الواضح في معالجة ظاهرة الاستبداد وصيانة الحريات وإرساء نوع من التوازن السياسي بالشكل الذي يجعل حدود كل واحدة واضحة ومعروفة ومحترمة.
الإعلان الدستوري يكرس سلطة تشريعية بدون أدوات رقابية..
لقد جرى تخصيص الباب الثاني لتنزيل مبدأ الفصل بين السلطات كما ورد في المادة الثانية من الإعلان الدستوري، وهي مادة من المفروض أن تؤطر جميع مواد الباب الثاني. وهكذا يمارس السلطة التشريعية مجلس الشعب، لكن السؤال يبقى مطروحا حول مصدر مشروعية هذا المجلس، ففي غياب انتخابات تشريعية لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، جعل الإعلان الدستوري مبادرة تشكيل هذا المجلس بيد رئيس الجمهورية الذي يعين لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب وتقوم هذه اللجنة بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتقوم تلك الهيئات بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، بينما يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب، الذي يستمر في عمله إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقاً له، وتبقى مدة ولاية مجلس الشعب ثلاثون شهراً قابلة للتجديد، ويمارس المجلس اختصاصات تشريعية عادية كما يتوفر على بعض الصلاحيات الرقابية المنحصرة في الاستماع إلى الوزراء.
وهكذا يمكن أن نلاحظ بشكل سريع أن الاختصاصات الرقابية لمجلس الشعب تبقى محدودة ومنحصرة فقط فيما سمي بالاستماع إلى الوزراء الذي يستلزم المزيد من التدقيق في إجراءاته ومآلاته، وهو ما ينبغي أن يتضح أكثر في النظام الداخلي للمجلس الذي من المفترض أن يتم التعجيل بصياغته والمصادقة عليه، لكن مع ذلك، يمكن القول بأن الإعلان الدستوري لا يتيح لأعضاء مجلس الشعب الآليات الدستورية للقيام بالرقابة الضرورية على عمل السلطة التنفيذية، من قبيل غياب الآليات الدستورية التي تسمح للمجلس بتشكيل لجان لتقصي الحقائق أو عقد جلسات علنية لمساءلة الوزراء أو تنظيم زيارات استطلاعية للمؤسسات العمومية وغيرها وإعداد تقارير حولها ومناقشتها داخل المجلس، فضلا عن إمكانية سحب الثقة من الحكومة، وهو ما يجعل عملية التوازن بين السلطات تميل لفائدة السلطة التنفيذية.
أحادية السلطة التنفيذية تكريس للطابع الرئاسي للنظام خلال المرحلة الانتقالية..
تتولى السلطة التنفيذية حسب مقتضيات المادة 42 "تنفيذ القوانين والخطط والبرامج المعتمدة وإدارة شؤون الدولة وتنفيذ السياسات العامة ، وإعداد مشروعات القوانين لرئيس الجمهورية لاقتراحها على مجلس الشعب، وإعداد الخطط العامة للدولة، وإدارة الموارد العامة للدولة وإعادة بناء المؤسسات العامة وتعزيز سيادة القانون والحكم الرشيد، وبناء المؤسسة الأمنية وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وبناء جيش وطني احترافي مهمته الدفاع عن حدود البلاد وسيادتها، وتعزيز العلاقات الدولية والتعاون مع المنظمات الدولية لتحقيق المصالح الوطنية".
أما الوزراء فيتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية، وهو الذي يعفيهم من مناصبهم ويقبل استقالتهم، وللمزيد من فعالية السلطة التنفيذية، يصدر رئيس الجمهورية اللوائح التنفيذية والتنظيمية ولوائح الضبط والأوامر والقرارات الرئاسية وفقاً للقوانين.
وعلى غرار الأنظمة الدستورية في العالم، يمثل رئيس الجمهورية الدولة، ويتولى التوقيع النهائي على المعاهدات مع الدول والمنظمات الدولية، كما يقوم بتعيين رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى الدول الأجنبية وإقالتهم، ويقبل اعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية لدى الجمهورية العربية السورية.
وبالإضافة إلى هذه الصلاحيات التنفيذية، فإن رئيس الجمهورية يتمتع أيضا بصلاحيات ذات طابع تشريعي، بحيث له حق اقتراح القوانين، كما يُصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها، ولا تقر القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، وفي هذه الحالة يصدرها رئيس الجمهورية بالضرورة.
ولئن كانت صلاحيات الرئيس في المجال التنفيذي هي الأهم، فإن دائرة تدخله حينما امتدت لتشمل دائرة التشريع أيضا عن طريق اقتراح القوانين، فقد مثلت استثناء بالمقارنة مع باقي الأنظمة الرئاسية، حيث لا يسمح للرئيس بممارسة الاختصاصات ذات المنحى التشريعي إلا بشكل محدود جدا على غرار إثارة انتباه الكونغرس إلى بعض التدابير التشريعية اللازمة لسير البلاد بالنسبة للنموذج الأمريكي، ويتم ذلك في شكل توصيات تشريعية تتضمنها خطابات الرئيس الموجهة، من حين لآخر، إلى الكونغرس أو الخطاب السنوي للرئيس حول حالة الاتحاد، الذي أصبح تقليدا سائدا في هذا البلد، وفي ذلك نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الدستور الأمريكي على أنه "للرئيس من وقت لآخر أن يبلغ الكونغرس معلومات عن حالة الاتحاد ويوصيه بأن يبحث الإجراءات التي يراها ضرورية وناجحة". مع العلم أن هذه الرسائل لا تلقى دائما تجاوبا معها من طرف الكونغرس.
ومن جهة أخرى، يتمتع الرئيس السوري بصلاحيات استثنائية تتمثل في إعلان التعبئة العامة والحرب بعد موافقة مجلس الأمن القومي، كما يمكنه أن يعلن حالة الطوارئ جزئياً أو كلياً لمدة أقصاها ثلاثة أشهر بعد موافقة مجلس الأمن القومي واستشارة رئيس مجلس الشعب ورئيس المحكمة الدستورية، وذلك في حالة قيام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية، كما يعتبر رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، والمسؤول عن إدارة شؤون البلاد ووحدة أراضيها وسلامتها، ورعاية مصالح الشعب، ويقوم رئيس الجمهورية بتسمية نائب له أو أكثر ويحدد اختصاصاتهم ويعفيهم من مناصبهم ويقبل استقالتهم، وفي حال شغور منصب الرئاسة يتولى النائب الأول صلاحيات رئيس الجمهورية.
والخلاصة،
أننا أمام إعلان دستوري يكرس أحادية السلطة التنفيذية، وتعني أحادية السلطة التنفيذية ببساطة أن رئيس الدولة هو نفسه رئيس الحكومة، حيث لا يتطلب الأمر، كما هو الأمر في النظام البرلماني وشبه الرئاسي، وجود سلطة تنفيذية برأسين، وهذا الأمر يجعل من رئيس الدولة المالك الوحيد للسلطة التنفيذية، وبالتالي الرجل الأقوى في الدولة، حيث أراد واضعوا الإعلان الدستوري أن يكون قويا من خلال سلطاته واختصاصاته الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، مما قد يثير مخاوف بشأن تركز السلطة، ناهيك عن "تعيين ثلث" أعضاء مجلس الشعب، ومع ذلك يمثل الإعلان الدستوري الجديد خطوة ضرورية نحو الديمقراطية رغم غياب حضور كلمة الديمقراطية في هذا الإعلان، ولكنه يحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان تطبيقه بشكل كامل وعادل، وهو ما يستدعي يقظة المجتمع المدني وحضوره المسؤول في دعم مسار بناء مؤسسات سوريا الجديدة والخروج من حالة الاستبداد إلى حالة الاستقرار السياسي والمؤسساتي، مع مراقبة تنفيذ الإعلان الدستوري وإنشاء آليات لمراقبة وتقييم تنفيذ الإعلان الدستوري، مرفوقة بإعداد تقارير دورية حول التقدم المحرز ، وتقديم الدعم الفني للمؤسسات ورصد أي انتهاكات للحقوق والحريات. مع التركيز على المصالحة الوطنية في إطار تبني مقاربة مبتكرة للعدالة الانتقالية تتلاءم وطبيعة الانتهاكات الجسيمة التي عاشتها سوريا خلال المرحلة السابقة، وهو ما سيكون موضوع نقاشنا في الحلقة الثالثة.
*أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس
إقرأ أيضا: الإعلان الدستوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (1)