ما بين بينونية العقل واستحقاقات الثقافة
تاريخ النشر: 1st, September 2024 GMT
نلحظ جل البرامج التي تذهب إلى شيء من التحرر أو الانعتاق، توجه إلى الفئات العمرية الصغيرة، لسهولة التأثير على قناعاتها، التي لم تحتوها الهويات بعد، بخلاف الكبار، الذين تأصلت فيهم الهوية والتجذر، حيث يبقى من الصعوبة بمكان إحداث خلل في تركيبتها البنيوية
لا تزال العلاقة بين الإنسان ومحيطه علاقة جدلية، ويعود هذا الجدل إلى مقررات منطقية، توجدها مجموعة من التساؤلات منها: أيهما المؤثر في الآخر، الإنسان هو الذي يؤثر في محيطه -مع اتساع رقعة مفهوم المحيط- فيوجد فيه واقعًا مختلفًا وغير مألوف؟ أم أن العكس هو ما يحدث، حيث يؤثر المحيط على الإنسان فيوجد فيه قناعات جديدة، تنقله من حالته التي كانت، إلى حالة جديدة تمثل صدمة يحس بأثرها الآخرون؟ ولنضرب لذلك مثالا: إنسان يعيش في بيئة خاملة، بينما هو يشتعل نشاطًا، وإبداعا، وحماسة، ويسعى بكل ما عنده من طاقة ليغير واقعه الذي يعيشه، فهل سيكتب له نجاح ما يسعى إليه، أم سيعود مع نهايات اليوم، وقبل مغيب الشمس مكسور الخاطر، لا يلوي على أحد؟ وبالمقابل: هناك إنسان خامل كسول، ولكن محيطه شعلة من النشاط، لا تكاد تغرب عنه الشمس، فإن غابت الشمس الحقيقية، استبدلها ما يعوضه ذلك، فهل واقع كهذا يمكن أن يخرج هذا الكسول عن صمته، فيعلو صوت ضميره، ونفسه، ويملك الشجاعة بالمجاهرة بما عنده من معززات القوة والنشاط، كحال أي إنسان يعيش في هذا الكون؟ فإن كان الأمر كذلك، يمكن التسليم للحالتين، وهو قدرة البيئة على التأثير على الأفراد والمجموعات لتخمد جذوة نشاط عند فرد ما، أو تعلي معطيات السبات عند فرد آخر، وحينها لا يلام الشخص على تقصيره؛ لأن البيئات المحيطة هي التي ترسم مسارات الحياة في كل بقعة جغرافية تضم مجموعة من الناس، يتفاعلون فيما بينهم، أو يواسون أنفسهم امتثالا لواقعهم، وبالتالي فالصورة العامة للحراك البشري القائم خاضع لحتمية البيئة الإنسانية، فهي التي تقرر وفق ما قاله الشاعر نزار قباني: «أنا أقرر من سيدخل جنتي، وأنا أقرر من سيدخل ناري».
من هنا إذن يأتي تقسيم العالم إلى دول متقدمة، ودول متأخرة، وشعوب متقدمة، وشعوب متأخرة، وللتقليل من قسوة مفردة «متأخرة» قالوا: «نامية» مع أن النمو له مراحل، وهذه المراحل لا تتوقف عند مستوى معين، وإنما يواصل نموه مزدهرا حتى تتحقق الغايات الكبيرة، وعندما نصف واقعًا كهذا بـ«الحتمية» فإن زوال هذه الحتمية -وفق هذا الواقع- لن يكون سهلًا، ويبقى المنفذ الوحيد لذلك هو خروج هذا الفرد من حتمية البيئة التي يعيش فيها إلى حتمية بيئة أخرى أكثر نشاطا، إن كان هو نشيط في الأصل ويعيش في بيئة خاملة، وهناك الكثير مما نسمع، ونقرأ عن أناس فارقوا أوطانهم هروبا من حتمية غير محفزة، إلى بيئة أكثر نشاطا وحراكا ونموا.
وهذه الصورة أعلاه تجبرنا إلى استحضار أثر الثقافة، والثقافة هنا -وفق مفهومها الشامل- وليست القراءة وكتابة النص الأدبي، بل تذهب المسألة إلى الأبعد من ذلك، وهي القدرة المعرفية على خلخلة البنى الذاتية التراكمية للأجيال، فهناك تراكم غير عادي (مادي/ معنوي) كما هو حالة كرة الثلج للأجيال المتقدمة، تفرغ هذا التراكم مع كل نهاياتها في الأجيال المتأخرة، فيما يعرف بعملية التقليد، والتأثير، ومن هنا يأتي ترديد عبارة: «لن يصلح حال الحاضر، إلا بما صلح به حال الماضي» وبالتالي، فوفقا لهذا المنطق فحياة الشعوب مرتهنة بماضيها أكثر من حاضرها، وهذا يناقض الواقع، ويتصادم معه صداما مباشرا، فالمنجز المعرفي الذي عليه الحياة اليوم، وما سيكون عليه في الغد، لا يمكن أن يربط بهذا الفهم، مع التأكيد بحق التأسيس للمعرفة، وحق البناء على هذا التأسيس عبر مراحل الزمن، ولا انفصام بين تأثير البيئة المحيطة على البناءات الفكرية وتعزيز دورها، وبين معادات أي تقدم يحدث في بيئة مختلفة، والدليل على ذلك أن جل العاملين في البيئات الفكرية النشطة هم، أو جذورهم تعود إلى البيئات الفكرية الخاملة كبيئات الدول النامية، وهنا لا نزال نمتحن الثقافة في قدرتها على انتزاع الحالة الخاملة، وزجها في متون الاشتعال، أو العكس، ولذلك فهناك هروب (فردي/ جماعي) لكلا الحالتين، وهذا الهروب الذي يوقعنا في صدمة الحيرة، هو ما يذهب إليه تفسير قدرة الثقافة على خلخلة التركيبة البنيوية للإنسان، وقد تعاد المسألة أكثر إلى أثر التراكم العمري للفرد، فبينما في مرحلة العمر النشطة يبقى من السهل هذا الانتزاع، بينما في العمر التراكمي غير النشط، لن يكون الأمر سهلًا، ولذلك نلحظ جل البرامج التي تذهب إلى شيء من التحرر أو الانعتاق، توجه إلى الفئات العمرية الصغيرة، لسهولة التأثير على قناعاتها، التي لم تحتوها الهويات بعد، بخلاف الكبار، الذين تأصلت فيهم الهوية والتجذر، حيث يبقى من الصعوبة بمكان إحداث خلل في تركيبتها البنيوية، ومع ذلك فالثقافة المعنية هنا -يقينا- لا تصطدم بالمعرفة في جزئها التقني، والعمر المتراكم الذي يؤصل الهويات أكثر، هو الآخر لا يتصادم مع المعرفة كمعرفة، ولكنه قد يواجه صعوبة في استيعابها بالجملة، وتبقى الأجيال في أعمارها الصغيرة هو المحرك في التفاعل، وهي النشطة في الإبداع والابتكار، ومع ذلك كله، لا يمكن إقصاؤها عن هوياتها الأصل، وإن كانت هناك استثناءات فستظل عند مستوى استثناءاتها فقط.
يحضر ميزان العقل في الأعمار المتأخرة، وبعد أن قطعت التجربة العمرية سنا متحققا من المواقف، والقناعات، والتجارب صغيرها وكبيرها، وتأخير ميزان العقل إلى هذا العمر المتقدم في حياة كل فرد، ليكون له استحقاق مصيري مطلق، فما بعد العقل لا يكون إلا الجنون، أليس كذلك؟ فالعقل بخلاف غيره من معززات النفس، له القدرة على أن يقيم حراكا تفاعليا يسقط فيه الثقافة بكل سهولة، وقد سمعنا الكثير من المواقف عن أشخاص كانت لهم ردة فعل عنيفة لواقعهم الذي عايشوه، وتربوا فيه، وانغمسوا في كل جزئياته، ولكن في لحظة ما من منجزات العمر، ضربوا بكل ذلك عرض الحائط، وانتصروا لرؤيتهم الخاصة، وبذلك اتهموا بالجنون، وبنكران الجميل، وهناك من أسقط في بئر الخيانة، وطبعا هذه التهم كلها تأتي في سياق التنظير، وعدم التيقن من الفرد نفسه، ومعرفة أسباب هذا الجنوح الكبير الذي قام به، ويقينا المسألة الإنسانية عند هذا الفرد أو ذاك ليست وليدة الساعة، وإنما هي عملية تراكمية، وهي نتيجة صراع قاسٍ يعيشها الفرد بين تجاذبات النفس، واستحكامات العقل الذي يتجاوز كل مغريات الواقع، فيتخذ قراره المصيري، ولا يهمه في ذلك مجموعة القناعات التي عليها من حوله، معتبرا ذلك محصلة طبيعية وصل إليها هؤلاء وهؤلاء، كما يعتبر ما هو عليه الآن هو أيضا محصلة طبيعية، وبذلك يمكن نفي السؤال التالي: هل العقل صناعة محلية، وماذا عن تأثيرات الثقافة على توجهات العقل؟ لا أبدا، فالعقل لن يكون صناعة محلية، وإلا تشابهت الشعوب التي تعيش في بيئة معينة في كثير من جوانب حياتها، وفي قناعاتها، وفي مواقفها، والواقع يؤكد هذا النفي، ومن يدقق أكثر في هذا الأمر يصل إلى قناعة من أنه ليس في صالح الأوطان أن تتشابه العقول والقناعات والمواقف، وبالتالي فحالات التباين التي تحدث بين أفراد المجتع حول موضوع ما، هي ظاهرة صحية، ولا تشكل أية خطورة على الأمن العام، بل هي توجد مخارج، ومجموعة حلول لكثير من القضايا التي يعتقد أنها قد وصلت إلى طريق مسدود، وحتى لا نظلم الثقافة - سواء في اتفاقها مع توجهات العقل، أو تضادها معه - يمكن القول أن الثقافة تستطيع أن تشكل قناعات أكيدة في نفوس جمهورها، وتتوافق مع معطيات العقل، ونقصد به هنا العقل الراشد، ومبادرات التحرر التي يسعى العقل إلى الالتفاف معها لن تربك الثقافة في شيء، بل لدى الثقافة القدرة على الالتحام مع العقل والخروج بهيئة الفرد مكتمل النمو من القناعات والمواقف والرؤى، بما يؤول ذلك إلى خدمة الأوطان والاعتزاز بأدوارها الوطنية السامية، حيث تتكامل هنا البناءات الفكرية، فيتعزز دور الإنسان، على أن لا يتشابك مع هذا المسار شيء مما يسمى بـ «سوسة» التي تنخر مثل هذه البناءات الفكرية الراقية، وهذا غالبا ما يأتي بها المحتل في صور غير مباشرة، عبر برامج يقال عنها «تنموية» منسوبة إلى بيئات لا علاقة لها بالبيئات المنقولة إليها، حيث تبدأ حالات التباين بين الفكرة والتطبيق.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی بیئة
إقرأ أيضاً:
شيخ العقل يسلّم الشرع رسالة خلال اللقاء في قصر الشعب... هذا ما جاء فيها
سلم شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى لرئيس السلطة الانتقالية في سوريا احمد الشرع رسالة خلال اللقاء في قصر الشعب، جاء فيها:
"بسم الله الرحمن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه الطاهرين أجمعين.
حضرة القائد المنتصر بعون الله، سيادة المجاهد المكرّم السيِّد أحمد الشرع القائد العام للإدارة السورية الجديدة، أصحابَ المعالي والسعادة،
قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ صدق الله العظيم، في هذه الآية المنزَلة تأكيدٌ بأنّ الرسول عليه أزكى الصلاة وأتمّ التسليم أكمل دين الله الذي هو الإسلام، وأتمَّ نعمته على البشرية بما أُنزل إليه من وحيٍ وما أفاضه عليه من تعاليم، ورضي لنا الإسلامَ ديناً.
في هذا الرضا مسؤولية ملقاة علينا بأن نتحمّل مسؤولية ما أودعنا إيَّاه الله والرسول، فنحقّق الإسلام في ذواتنا وفي حياتنا وفي مجتمعاتنا، وهذا ما يحتِّم علينا فهمَ معنى الإسلام وحملَ رسالة الإسلام وبناءَ مجتمع الإسلام الحقيقي، في مهمةٍ توحيديةٍ إنسانيةٍ يتشارك فيها بنو البشر جميعاً، ولكنَّها مسؤوليةُ المسلمين قبل سواهم لتأكيد أمرِ الله وتحقيق ما ارتضاه.
من هذا المنطلق الإيماني والإسلامي، فإننا نرى في انتصار ثورتِكم قدَراً لا بدَّ من تقديره، ومسؤوليةً لا بُدَّ من تحمُّلِها، وإننا، وإن كنّا هنا لنباركَ لكم وللشعب السوري الشقيق انتصارَكم على الظلم والقهر والاستبداد، ولنحيِّيَ فيكم هذه الروحَ الثوريةَ الوطنية في ما أقدمتُم عليه من استعدادٍ وتنظيمٍ وعملٍ تحريريٍّ جريء، فإنّنا في الوقت نفسِه نضع على عاتقكم مسؤوليةَ استثمار هذا الانتصار بما يترتّب عليه من خطواتٍ ومبادرات وتطمينات تتعلَّق بضبط الأمن ورعاية الشعب وإشراك المكوِّنات الوطنية الكفوءة من كل أطياف الشعب السوري في عملية صياغة الدستور الجديد وبناء الدولة الحديثة.
لقد خرجتم من حالة القمع والاضطهاد التي استمرّت عشرات السنين الى رحاب الحرية وعودة الوطن إلى جميع أبنائه، ويُشهَد لكم بسرعة الإجراءات التي اتخذتموها لفتح المدارس والجامعات وتسيير المرافق العامة وتأمين الخدمات،ممّا أشعر السوريين بحرص قيادتكم على مصلحة المواطن السوري، إضافةً إلى إجراءات طمأنة المكونات السورية المتعددة بأن مصير سوريا هو بيد أبنائها أولاً، وأنّ الولاء للوطن قبل أي ولاءٍ آخر.
ولقد دخلتُم في السلم بعد أن دخلتم المدن والعاصمة مرتدين ثياب القتال والثورة، واليومَ تدركون وتعلمون أنّ مسؤولية السلم تفوق مسؤولية الحرب تلبيةً لندائه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"، نداءٍ صالحٍ لكلِّ زمانٍ ومكان، إذ إنَّ السلم حاجةٌ إنسانية، وسوريا تستحقُّ السلم والازدهار، وقد كانت وستبقى قلبَ العروبة النابض وواحةَالخير المعطاء ومنبرَ الفكر والثقافة والكلمة الطيِّبة، وكلُّنا يعلمُ أنّ هذا الطابع العربيّ الإسلاميّ الذي يميّزُها وتلك السمةَ المشرقية الأصيلة الحاضنة للتنوُّع التي تزيّنُها تحتاج إلى دولة وطنيةٍ جامعة تغتني بالتعددية الخلّاقة، وهذا ما يقتضي إعادةَ ترسيخ الانتماء الحقيقي للدولةالسورية التي تحمي الشعب وترعاه وتصون حقوقه، بدءاً من حق الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر الخاصة، وحق إبداء الرأي وحرية التعبير ضمن الضوابط الأخلاقية، وذاك هو السلمُ المرتجى والأمل المعقود على التغيير.
إنّ وضعَ دستورٍ جديد للبلاد مبنيٍّ على احترام حقوق الأفراد والجماعات وعلى حقّ الدولة هو بالتأكيد في صلب اهتماماتكم، ومن خلاله سوف يختفي شعورُ الأقلية، وينخرطُ كلُّ سوريٍّ في بناء دولة سوريا المستقبل بغضِّ النظر عن مذهبه أو معتقده أو عِرقه أو ميله السياسي، وبالتالي لن يشعر أيُّ فريق بأيّ إقصاء أو تهميش، ما خلا أؤلئك الدين ارتكبوا الخطايا بحق الشعب السوري ونهبوا ثرواته واستباحوا كراماته، والذين يستحقُّون المحاكمة العادلة.
هذا الدستور الذي يتطلّع إليه الشعب السوري بثقةٍ وأمل سوف يمثل فعلاً تطلعات الجميع وسيكون مدخلاً إلى إشعار السوريين أنهم ممثَّلون في ديارهم، وأن بلادهم التي عانت من مصادرة قرارها الحرّ لديها اليوم الفرصة المناسبة لتكون دولةً وطنية جامعة متحررة من قيود الهيمنة والاستبداد، دولةً تمثِّلُ نبضَ الشعب السوري الحقيقي، تنخرط إلى جانب الدول العربية في قضايا التفاعل الاقتصادي والأمني والثقافي والإقليمي، وتُصلحُ ما خرّبه الحكمُ البائد من سياساتٍ ومن علاقات، علماً أنّ تلك الدولَالشقيقة، وفي مقدَّمتها دولُ الخليج العربي ولبنان والأردن وتركيا، لم تقصّر في إعانة الشعب السوري إبّان محنة تهجيره، وفي استقبال المهجَّرين السوريين وإغاثتهم ممّا تعرَّضوا له من إجرامِ نظامٍ مستبدٍّ بحقِّ شعبه وإجبار الملايين منه على النزوح القسري من ديارهم.
كم يبدو ضرورياً تجميعُ كلّ القوى التي ناضلت وقدّمت التضحيات على مدى السنوات منذ بدء الثورة في العام2011، وإشعارُها بأن نضالها مقدَّرٌ، وأنه كان لبنةً أساسية ساهمت في بناء صرح الإنقاذ والانتصار، علَّها تساهم مجتمعةً في مشروع إعادة بناء الجيش السوري على قواعد وطنية جديدة، بالاستفادة من الطاقات العسكرية التي رفضت النظام السابق وانشقّت عنه ودفعت أثماناً باهضة لقاء مواقفها الرافضة للمشاركة في قمع السوريين الذين عانَوا من إرهاب النظام البائد، أو تلكالقوى الشعبية الغيورة التي دافعت عن مناطقها وحفظت أمنها ولم ترضَ بالوصاية الغريبة عليها.
إن إعادة تكوين الجيش خطوةٌ أساسية على طريق إعادة بناء الدولة، كإعادة تكوين السلطة التشريعية على قاعدة انتخابات شفّافةٍ ونزيهة تُكسب سوريا الجديدة مشروعيةً أمام الشعب وأمامَ دول العالم، وإعادة تكوين السلطة القضائية كذلك، ليكون هناك قضاءٌ نزيه يلفظ أحكامه باسم الشعب السوري الحرّ، إضافةً إلى إعادة تكوين الإدارة والمؤسسات على اختلافها، وهذا ما يوجب تشجيع الطاقات السورية الكفوءة المقيمة في سوريا وتلك المهاجرة والمهجَّرةمنها، وحثّها على الانخراط في عملية البناء والتكوين الجديد، وهي طاقاتٌ غنيّةٌ وقادرة في كلِّ المجالات.
إن أنظار العالم اليوم متجهةٌ الى الوضع السوري لتعرف مآلاته وكيفية تطوّره، وعلى الأخصّ أنظار الدول العربية، وممّا لا شكّ فيه أن القيادة المنتصرة تحرص كلّ الحرص على توجيه رسالة إيجابيةٍ ساطعة الى العالم توحي بأن دولةً وطنيةً ديمقراطيةً أخلاقيةً حرّة بزغت شمسُها في سوريا وتستحقُّ كلَّ الدعم والتأييد، وإذا كانت روحُها الخيِّرة مستمَّدةً من روح تعاليم الإسلام وقيم الدين والشرائع السماوية، وتغتني بها وبما فيها من رسالة إنسانيةٍ راقية، إلَّا أنها دولةٌ وطنيةٌ مؤمنة ولكن غير طائفية،يُؤملُ منها أن تشكِّلَ نموذجاً عصريّاً يُحتذى به في منطقة الشرق الأوسط.
من جهتنا كأبناء طائفة المسلمين الموحدين الدروز، فإننانفاخر بانتمائنا الإسلامي والعربي في كل قطر نتواجد فيهفي بلاد الشام، وقد كنّا دائماً شركاء أساسيين وفاعلين في حركات التحرّر وثورات الاستقلال، أكان في لبنان أم في سوريا، وهذا ما أكّد عليه اليوم أبناء جبل العرب في السويداء بانتفاضتهم ووقوفهم إلى جانب الثورة، انطلاقاًمن معاناة طويلة تقاسمنا وإيّاكم ويلاتِها من قبل النظام البائد، وانطلاقاً من المصالح المشتركة بين بلدينا، ومن التاريخ المشترك دفاعاً عن الثغور وحمايتها من الغزاة الطامعين ببلداننا، وقد كان أجدادنا عمادَه وعدادَه على مدى مئات السنين، بما سطّروه من مواقفَ مشرِّفة وما قدَّموه من تضحياتٍ جسيمةً دفاعاً عن بلاد الشام واستقلال أوطانها.
قال تعالى في محكم تنزيله: "فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (الأنعام، آ 125). لقد هداكم الله وشرح صدرَكم للإسلام ولخدمة الأوطان، وكلُّنا أملٌ وثقة بأن الله لن يُضلَّكم ولن يكون صدرُكم ضيِّقاً. مسؤوليتكم كبيرة وأنتم جديرون بتحمُّلها بعونه تعالى، وقد بدت تباشير حكمتكم ونهجكم المعتدل في خطابكم القائل بالحفاظ على التعدد والتنوع، والداعي إلى مشاركة الشعب السوري في إعادة بناء الدولة، والمؤكد على عروبة البلاد والانفتاح على البلدان العربية بعيداً عن مقولة تصدير الثورة، ومن منطلق الأخوّة وتعزيز الثقة بين بلدينا، فإننا نحثُّ على بناء أفضل العلاقات اللبنانية السورية واجتثاث موروث الوصاية المسيئةلنا جميعاً، والذي دفعنا خلالها أغلى الشهداء من الزعماء وقادة الرأي، وفي طليعتهم القائد المعلم كمال جنبلاط.
إننا إذ نحيِّيكم وندعو لكم بالتوفيق في مهمتكم التاريخية لبناء دولة المجتمع السوري المتنوّع، وصياغة العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين أبناء الوطن والدولة، بما يعزّز رابط المواطنة ويغلّبه على أية نزعة انفصالية، وأنتم تدركون أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بقيام دولة المواطَنة التييتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وبالتالي في الفرص المتاحة، فلا تكون هناك امتيازاتٌ في المناصب والمكاسب، سوى لأصحاب الكفاءة والتميُّز، وهذا مطلبٌ مشترَكٌ لأبناء سوريا، كما هو لأبناء لبنانَ على اختلاف تنوُّعهم ومذاهبهم.
إذا كانت "العلمانية" أمراً مرفوضاً عند معظم الشعب السوري خشية الانجراف في تيَّار الإلحاد وفي مدنيةٍ عصريةٍ منافية لقيم الدين والمجتمع، وإذا كان قيامُ دولةٍ دينية متشدّدة يُشعرُ الأقليَّات بشعور "الذميَّة" والإهانة، فإن السبيل الوسط بين هذه وتلك هو قيامُ دولة المواطَنة، أي دولة الحقوق والواجبات؛ دولة الوطنية الجامعة التي تقضي باحترام الخصوصيات الدينية واحترام القيم الدينية وكلّ ما يساهم في صون العيش المشترَك، على غرار ما نصّ عليه الدستور اللبناني، فلا يكون الولاء نوعاً من التبعية القسرية بل نوعاً من الشراكة الفعلية، كما أنّ اللامركزية الإدارية الموسعة المرتبطة بالإدارة المركزية هي مطلبٌ أساسيٌّ لتيسير أمور الناس في المحافظات والمناطق، وربما تكون الحلَّ العمليَّ لفكّ حالة الاستعصاء السياسي والنفسي الذي استولدتها سنواتُ القهر والقمع والأستبداد.
أخيراً وختاماً، لا بدَّ من التأكيد أنّ لبنان لا يمكن أن يستغني عن عمقِه الحيويِّ السوريِّ، كما أن سوريا لا بدَّ لها من هذا المتنفَّس اللبناني الطبيعي، وهما محكومان بعلاقة التاريخ والجغرافيا، إلَّا أنّهما مرتبطان قبل ذلك روحياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ومصير أحدهما يؤثّر على مصير الآخر، واللبنانيون الذين قاسوا الأمرَّين من ممارسات النظام المندثر هم على عهد المودة الدائمة والأخوّة الثابتة مع أشقّائهم السوريين، وما المطلوب سوى إعادة تنظيم العلاقة الرسمية بين الدولتين اللبنانية والسورية وبناء علاقات متوازنة ومتكافئة بين لبنان وسوريا من خلال إعادة دراسة معاهدات الأخوَّة والتنسيق وتصويب الكثير من النصوص الناظمة لتلك العلاقة.
ولكي تكون العلاقة الأخويّة سويّة، فإنها تقتضي تأطيرها في حدودٍ رسمية طبيعية وسياسية وإدارية وغيرها، ولا يجوز بعد اليوم الاستهتار بمهمة ترسيم الحدود بين البلدين الواقعَين على حدود عدوٍّ مغتصب، ولا سيّما في منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومنطقة الغجر والحيّز البحري في الشمال، وحسمَها دون أي تباطؤ ليصار إلى توثيقِها في الأمم المتحدة، كما تقتضي تلك العلاقة المنشودة إنشاءَ غرفة عمليات مشتركة سورية لبنانية لضبط الحدود ومنع تسلُّل الأشخاص بين البلدين، ولا سيما مرتكبي الجرائم والفارّين من وجه العدالة، على أمل التحضير لحوار لبناني سوري بنَّاء على أعلى المستويات، يساهم بتسوية الأمور العالقة بين البلدين، ونحن على استعدادٍ من موقعنا الروحي للعمل الجادّ من أجل عقد قمّةٍ روحية لبنانيةٍ سوريّة وعقد لقاءاتٍ دينية جامعة تساهم في بثّ روح المحبة والرحمة والأخوَّة بين الشعبين اللبناني والسوري، وفي خلق أجواء الاطمئنان والسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه" .