بقلم د. عثمان عابدين عثمان
يشير مصطلح كوش إلى السكان الأصليين الذين يتحدثون، أو تحدثوا في الماضي، إحدى اللغات الكوشية، أو إلى أولئك الذين يسكنون، أو سكنت في الماضي، مناطق شمال وشرق أفريقيا، وادي نهر النيل، أعالي أو وديان الأخدود الأفريقي العظيم، أو في منطقة البحيرات الكبرى.
كلود رايلي، أستاذ اللسانيات الفرنسي الذي اعتبر أن اللغتين الأفرو- آسيويتان، المصرية القديمة والكوشية، هما اللغتان اللتان تحدث بهما سكان منطقة النوبة القديمة، أو بصورة أدق سكان أعالي وادي النيل.
سُمِّيَت السُّلالات البشرية (المجموعات السكانية)، المتقاربة في جيناتها الوراثية، وفقا لتسلسل الحروف الأبجدية. السلالات الذكورية سُمِّيَت حسب أقدمية ظهورها التاريخي من الحرف ‘A’ إلى الحرف ‘T’ بحيث تكون سلالة ‘A’ هي الأقدم و T’’ الأحدث - الأصغر سناً. أم السلالات المنتمية للأم، فقد سُميِّت أيضا وفقا للحروف الأبجدية، لكن على حسب أولوية لحظة اكتشافها من الحرف ‘A’ إلى الحرف ‘Z’.
نشأت السلالتان الأبويتان ‘A’ و ‘B’ في القارة الأم - إفريقيا وبقي أفرادها فيها على مدى التاريخ ليَتركَّز أحفادها بشكل أكبر بين سكان شرق إفريقيا وسكان حوض النيل وبين الخوسيين في الجنوب الغربي الأفريقي. من بين هؤلاء، عاش جد- جدنا الأكبر في مكان ما في شرق إفريقيا، غالبا على شواطئ أو مصب أحد الأنهار التي تنبع من فوق هضبة الأخدود الأفريقي العظيم (أنهار أومو، أواش، والنيل الأزرق)، وذلك منذ حوالي مائتين وستة وثلاثين ألف عام.
أحفاد - أحفاد السلالتين الأبويتين ‘A’ و ‘B’ تناسلوا السلالة ‘E’ التي نشأت في منطقة شمال- شرق إفريقيا. بلغ عمر آخر أسلافنا المشتركين من السلالة ‘E’، جد- جدنا الأكبر، حوالي ثلاثة وخمسين ألف عام، وانحدر منه سكان وادي النيل القدماء، الصوماليون، وغالبية سكان الهضبة الإثيوبية والصحراء الكبرى من البربر (الأمازيغ).
بصورة مماثلة، نشأت السلالتان ‘R’ و ‘T’ في شمال - شرق إفريقيا. ففي الوقت الذي مَيَّزت فيه السلالة ‘T’ الناطقون باللغة الكوشية، هاجر أحفاد السلالة ‘R’ إلى أوروبا منذ حوالي أربعة ألف وستمائة عام لينتشروا بشكل رئيسي في السهول الأوراسية، ويتجهوا من بعدها جنوبا للقارة الآسيوية، وغربا لقارة أوروبا.
بالنسبة للسلالات المنحدرة من جانب الأم، فقد عاشت جدة- جدتنا الكبرى التي تنتمي إلى السلالة ‘L’ في شمال - شرق إفريقيا منذ حوالي مائة وستين ألف عام خلت. أما أخواتها المنتمون للسلالات ‘L6’ إلى L0’’ فلم يُهاجرنَّ خارج القارة الأم مطلقاً، لكن بداخلها حيث تناقص عددهن تدريجياً مع بعدهِنَّ الجغرافي من مسقط رأسهِنّ، وذلك في تناسق مع نمط التنوع والبعد الجيني وأقدميته. لذلك، أعلى نسبة لأفراد هذه السلالةَ، حوالي ستة وتسعين في المائة، موجود في أفريقيا جنوب الصحراء، تليها إفريقيا شمال الصحراء، ثم شبه الجزيرة العربية، ثم منطقة الشرق الأوسط، ليصل أدنى مستوى لها في ربوع القارة الأوروبية.
بناءً على هذه السلالات الجينية، والوصف الذاتي لمفهوم العرق، والخصائص اللغوية والثقافية المشتركة، قام ‘تيشكوف. آت آل. ’ (2009) بدراسة ‘للاحتشاد الجيني المُركَّب’ والتي على ضوئِها قُسَّم سكان العالم لأربع عشرة مجموعة سكانية كبيرة من الأسلاف، ستة منها توجد في القارة الأفريقية، وهي مجموعات: الأفرو- آسيويون؛ النيليون- الصحراويون - الكوشيين؛ النيليون- الصحراويون- الشاديين؛ النيجر- كردفانيين؛ مجموعة الأقزام؛ ومجموعة الهازدا. من بين كل هؤلاء واحد وسبعون في المائة (71%) من السكان الناطقين باللغة الأفرو -آسيوية تتمركز مع الكتلة الكوشية. في نفس منحى دراسة تيشكوف. آت آل. لاحظت دراسة أخرى "للاحتشاد التتابعي الجينومي- (2018)" أن انتشار السلالات الأفريقية يتناسق مع البعد الجغرافي، وكذلك مع أنماط الهجرة المغادرة لمسقط الرأس والمرتدة إليه بعد حين. فالسلالات الأفرو- آسيوية والجماعات الإثنية- اللغوية النيلية - الصحراوية توجَد بكثافة في في شمال، وشمال شرق إفريقيا، حيث مهد إنسانها الأول.
تاريخاً، تَجذَّر مفهوم السلالة في التراث البيولوجي لعلاقة القرابة والنسب، لكنه تداخل مع مفهوم العرق من حيث التقليد في الاشتراك في السمات الثقافية والاجتماعية مثل اللغة والعادات والشعائر والعبادات. أما العرق كمصطلح منفصل عن بِنيته الاجتماعية، فهو يقوم على أسس التشابه في الصفات الجسدية للإنسان، والتي تمثل معايير للحكم على هويته، لكن من غير الأخذ في الاعتبار قيم وعادات ومفاهيم المجتمع الذي ينتمي إليه. لكل ذلك، أكترث الإنسان بطبيعة نوعه، فحاول تحسينها بالتزاوج مع من كان في تقديره أحسن عرقاً وأنبل نسباً.
للأسف، التصنيفات للشعوب والمجموعات البشرية على أساس وهم تَميُّزها وتَفرُّدها البيولوجي قاد إلى مفاهيم التنميط الثقافي الضيقة، والتمييز العنصري البغيض، والذي ما زال العالم يعاني عواقبه المأساوية إلى يومنا هذا. لذلك، الإلمام بالخطوط العريضة لعلم الإنسان المرتبط بالسلالات الجينية وحفريات اللغة والآثار أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط للمتخصصين في دراسة أصول الشعوب وتصنيف سلالاتها وتتبع هجرتها عبر العصور، لكن أيضاً، لمتطلبات المعرفة العامة الضرورية لمراجعة وتغيير الكثير من المفاهيم والمسلمات الخاطئة، وبالتالي تغيير الإرث الثقافي والكتابي الخاص بالتاريخ.
قد يتكلم أحفاد الكوشيين لغات مختلفة، وهذا متوقع، ولكنهم بلا جدال يجتمعون وراثيا في آخر جد مشترك لأبيهم وحبوبة لأمهم. والعلاقة الاشتراك هنا لغوية- جينية تجمع، ليس فقط، بين سكان أعالي وأسافل وادي النيل من نوبة وأقباط ومصريين، ولكن أيضاً العنصر الكوشي والسامي من سكان هضاب وسهول إثيوبيا والقرن الإفريقي، و كوشيون البحيرات الأزانيان، وجزر السيشيل، وكذلك أمازيغ المغرب العربي، والسكان الأصليين لجزر الكناري، في عرق كوشي واحد تحدث قدماه اللغة الكوشية القديمة، البرتو-كوشية.
حاشية:
تقسيم العرق البشري لكوشي/سامي منشأه القصة التوراتية التي فيها سَخَط نوح ابنه كوش عندما شاح عن ستر عورة وهو نائما سكران، فصار هو وذريته عبدا اسودا لأخيه كنعان ونسله.
مراجع:
(Cruciani et al., 2007); (Cruciani et al., 2004); (Trombetta et al., 2015); (Sanchez et al., 2005); (González et al., 2007) ;(Krings et al., 1999); (Tishkoff et al., 2009); (Fadhlaoui-Zid et al., 2013); (Michael, 2007).
؛ (Camoroff, 2009) ;(Herodotus)
عثمان عابدين عثمان
osmanabdin@gmail.com
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10161278177273141&set=a.10151553278383141
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: شرق إفریقیا
إقرأ أيضاً:
الاحتلال يصعّد عدوانه بالضفة ويواصل تهجير سكان طولكرم
صعّد الجيش الإسرائيلي عدوانه في الضفة الغربية المحتلة، فاقتحم عدة بلدات وأجبر سكان مخيم نور شمس للاجئين بمحافظة طولكرم على إخلاء منازلهم.
وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) باستمرار العدوان الإسرائيلي على مدينة طولكرم ومخيمها منذ 65 يوما، وعلى مخيم نور شمس منذ 52 يوما.
وقالت الوكالة إن جيش الاحتلال الإسرائيلي دفع بتعزيزات عسكرية تجاه مخيم نور شمس في إطار حملة اقتحامات مستمرة تستهدف المنطقة.
ونقلت عن شهود قولهم إن قوات الاحتلال أجبرت سكان منطقة جبل الصالحين بمخيم نور شمس على مغادرة منازلهم قسرا في ساعة متأخرة من الليلة الماضية.
#متابعة | العدوان على طولكرم يدخل يومه الـ65.. تدمير ممنهجٌ واعتداءاتٌ متواصلة
– تواصل قوات الاحتلال عدوانها على طولكرم ومخيميها لليوم الـ65 على التوالي، وسط حصار مشدد على مخيم نور شمس منذ 52 يومًا.
– استشهاد 13 مواطنًا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما حامل في شهرها الثامن،… pic.twitter.com/rKl38xrTLQ
— المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) April 1, 2025
وأوضحت وكالة وفا أن النزوح القسري جاء وسط عمليات دهم وتفتيش واسعة شملت المنازل والمباني السكنية في المخيم.
إعلانكما نقلت عن شهود قولهم إن الجيش الإسرائيلي أطلق النار في حارة المسلخ داخل المخيم، من دون الإبلاغ عن وقوع إصابات، وفق الوكالة.
وأشارت إلى أن الجيش يواصل إطباق حصاره على المخيم بالتزامن مع اقتحامات للآليات والجرافات العسكرية وفرق المشاة لشوارعه.
وأكدت أن الجيش يواصل حرق وتخريب المنازل والبنية التحتية بالمخيم.
مخيم طولكرم
وفي مخيم طولكرم، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي انتشاره المكثف داخل المخيم، الذي بات شبه فارغ من سكانه بعد تهجيرهم قسرا من منازلهم، حسب الوكالة.
وأفادت وكالة وفا بأن القوات الإسرائيلية دمرت البنية التحتية بالمخيم كليا، وعاثت في منشآته ومبانيه هدما وتخريبا وحرقا.
وفجر اليوم الثلاثاء، اقتحمت القوات الإسرائيلية منزلا في الحي الجنوبي لمدينة طولكرم، وشرعت في تفتيشه وتخريب محتوياته.
كما أنشأ الجيش الإسرائيلي حاجزا أمنيا قرب المدخل الجنوبي للمدينة وأخضع مركبات للتفتيش وصعّد إجراءات التضييق على المواطنين وتقييد حركتهم في فترة العيد.
وقد أسفر العدوان الإسرائيلي المتواصل على طولكرم ومخيميها عن استشهاد 13 فلسطينيا، بينهم طفل وامرأتان إحداهما حامل، إضافة إلى إصابة واعتقال العشرات.
كما تسبب في نزوح قسري لأكثر من 4 آلاف عائلة من المخيمين إلى جانب عشرات العائلات من الحي الشمالي للمدينة بعد استيلاء جيش الاحتلال على منازلهم وتحويلها لثكنات عسكرية.
ودمّر جيش الاحتلال نحو 396 منزلا بشكل كامل و2573 منزلا بشكل جزئي في مخيمي طولكرم ونور شمس، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية.
وفي جنين، قالت اللجنة الإعلامية بمخيم جنين إن الأوضاع الإنسانية لـ21 ألف نازح تتفاقم مع استمرار العدوان الإسرائيلي لليوم الـ71 تواليا.
ومنذ 21 يناير/كانون الثاني الماضي، تواصل إسرائيل عدوانها العسكري على محافظتي جنين وطولكرم شمالي الضفة الغربية المحتلة، ونفذت اغتيالات وشنت حملات اعتقال طالت عديدا من الفلسطينيين، كما أخضعت عائلات فلسطينية للتحقيق وحولت عشرات المنازل إلى ثكنات عسكرية.
إعلان