عربي21:
2025-04-06@06:31:30 GMT

مكونات وثقافات

تاريخ النشر: 30th, August 2024 GMT

ثمَّة مُسلَّمة إنسانيَّة غيَّبتها الحداثة القطيعيَّة، ثم طَمَرت ذكرها بإزالتها للفوارِق بين "الثقافة الجماهيريَّة" المصنَّعة والثقافة الشعبيَّة الفطريَّة، وذلك بعد إذ موَّهَت أولا الحواجز بين الحضارة والثقافة. وهذه المسلَّمة هي الإدراك الفطري المتأصِّل -قبل الحداثة الغربية- لكُلِّ مكون غذائي، بوصفه منحة ربانيَّة مُركَّبة لبيئة جغرافيَّة ومناخيَّة مُعينة، قبل اتحاده بهذه البيئة ليُشكل ثقافة صحيَّة وغذائيَّة وطقسيَّة مُتفرِّدة؛ ثقافة يُعَدُّ فيها الطعام الذي تُستعمل فيه هذه المكونات -أو العناصر الغذائيَّة- مركَّبا ثقافيّا وإنسانيّا فذّا بقدر كونه رافدا وثروة "طبيعيَّة"؛ إذ يُزود سكان بقعة جغرافية مُعينة باحتياجاتهم الغذائيَّة/ الصحيَّة اللازمة لتكوينهم، والملائمة للفصل المناخي، ولمُتطلَّبات البيئة، وذلك كما يُعَدُّ رافدا أساسيّا من روافد ثقافتهم بعد إذ اتَّحدَ بأصولها وصار مُدخلا فطريّا من مُدخلاتها.



هذه المسلَّمة طُمِسَت حين مَوَّهَت الحضارة الغربية الحاليَّة الحواجز بين الحضارة والثقافة، وخَلَطَت بين طبيعة تراكُم العلوم الطبيعيَّة/ الماديَّة الذي يُمكن تقويضه وتقويض مُنجزاته السابقة -دون آثارٍ إنسانيَّة خطيرة- إذا قفزت "الاكتشافات العلموية" الحديثة قفزة نوعيَّة تَجُبُّ الطرائق القديمة والمناهج القديمة، وطبيعة التراكم الثقافي الأزلي والمعبِّر عن تركيبيَّة الشخصيَّة الإنسانيَّة في تفرُّدها، والذي يُعَدُّ تقويضه تقويضا للثقافة كلها بل وللإنسان نفسه. ثم لفَّقَت الحداثة مسخ "الثقافة" الجماهيرية الاختزالي الشيطاني -للإنتاج الكبير- في أروقة المعامل الرأسماليَّة الاصطناعيَّة، لتستعيض به عن ثراء الثقافة الشعبيَّة التلقائيَّة التي لا يُمكن أن تصلُح للإنتاج "الثقافي" الضخم الذي تتربَّح منه الحداثة ومؤسساتها مئات المليارات.

مَوَّهَت الحضارة الغربية الحاليَّة الحواجز بين الحضارة والثقافة، وخَلَطَت بين طبيعة تراكُم العلوم الطبيعيَّة/ الماديَّة الذي يُمكن تقويضه وتقويض مُنجزاته السابقة -دون آثارٍ إنسانيَّة خطيرة- إذا قفزت "الاكتشافات العلموية" الحديثة قفزة نوعيَّة تَجُبُّ الطرائق القديمة والمناهج القديمة، وطبيعة التراكم الثقافي الأزلي والمعبِّر عن تركيبيَّة الشخصيَّة الإنسانيَّة في تفرُّدها، والذي يُعَدُّ تقويضه تقويضا للثقافة كلها بل وللإنسان نفسه
وبعبارة أخرى، فقد حطَّمت الحداثة الغربيَّة الخصوصيَّات الثقافيَّة المحليَّة التي كانت المحاصيل الزراعيَّة والمكونات الغذائيَّة ووصفات الطبخ مكونا محوريّا من مكوناتها، وذلك حتى يتسنَّى للنظام الإمبريالي الاتجار في كل شيء؛ في كل زمان ومكان. فما لم يتم نزع قداسة كل طقس، وتقويض خصوصيَّة كل مكوِّن؛ لن تتمكَّن الشركات العابرة للقارات من "حوسلة" الحاصلات وتسليعها، وبيع كل شيء في كل مكان، خصوصا لو كان ما تبيعه خارج سياقه ضارّا بكل سياق غذائي-إنساني سواه على المدى الطويل؛ أي أن المحصول النافع في سياق ما يصير في غيره سامّا سُميَّة جُزيئيَّة، إذ تغيَّرت تركيبته بالهندسة الوراثيَّة وبزراعته في بيئة اصطناعيَّة، ثم بتناوله في غير أوقاته ولغير أغراضه الأصليَّة.

بيد أن تقويض هذه الخصوصيَّات وقداستها لم يكُن تامّا، بما أنها لا زالت ستُستعمَلُ للتربُّح، ومن ثم؛ تظهر بين الحين والآخر دعوات محليَّة للحفاظ عليها، وإحياء ما اندثر منها؛ إيمانا بأهميتها ودورها في ترقية معيشة الإنسان وحفظ بدنه وصيانة عافيته؛ باستعمال أيسر المكونات وأقربها لبيئته.

وإن أخطر ما في هذا النظام الإمبريالي الهمجي أنه يُفيد -بدرجات متفاوتة- من تقويض الخصوصيَّات، كما يُفيد من مساعي استبقائها!

ولعلَّ أبرز الأمثلة المحوريَّة على الاختلافات الثقافيَّة الحاكمة فوق العناصر الغذائيَّة، والتي يُرَدُّ بعضها للبيئة الطبيعيَّة والمناخ المحلي والجغرافيا الإقليمية؛ هي الفوارِق بين اﻷوروبيين والآسيويين مثلا في تركيب العناصر الأساسيَّة لكل مطبخ محلي وتوظيفها، وهي العناصر التي تدخُل في بناء عدد كبير من وصفات ذلك المطبخ. هذه العناصر/ الخضروات الثلاث التي تُستعمَلُ في جمهرة كبيرة من الأطباق الأوروبية، وتُسمَّى بين الطُهاة بـ"الثالوث المقدَّس"؛ تتكوَّن في أوروبا -غالبا- من بصل وجزر وكرفس "أفرنكي"، ويُسمى الخليط في الفرنسيَّة: "میِرپوا mirepoix"، بينما هو في الإيطاليَّة: "سوفريتو soffritto"، وفي حين يطبخه الفرنسيون بالزبد البقري الطبيعي، أهم أعمدة المطبخ الفرنسي على الإطلاق، فإن الإيطاليون يستعملون أنواعا من زيت الزيتون الذي تمتاز به بيئتهم. فإذا تأملنا الفرعين الرئيسيين في المطبخين الهندي والصيني، وجدنا أن هذا الثالوث -عندهم- يُحِلُّ الجزر والكرفس بنتاج البيئة الأهم من الثوم والزنجبيل، وقد يُضيف إليهما الهنود البصل أو الفلفل الحار ويُطبخ المزيج في سمن بقري تنضح به الأطباق الهنديَّة في الغالب، بينما يُضيف الصينيون إليهما بصلا أخضر ويُطبخ المزيج غالبا في زيت صويا (وأحيانا في زيت شلغم).

هذه الفوارِق ليست طبيعيَّة/ ماديَّة محضة، مرجعها لاختلاف البيئة الطبيعيَّة وتبايُن ثمارها ومُخرجاتها؛ وإنما هي كذلك فوارِق ثقافيَّة، تُعبِّرُ عن رؤية كونية مُعينة تنبثق منها تصورات خاصَّة عن كل عنصر غذائي، ومكانته في البيئة الطبيعيَّة المسخَّرَة، ودوره الصحي في حياة الإنسان، وفي بناء طبقات النكهة المعبِّرَة عن بنية المطبخ المحلي وتكوينه المميز
هذه الفوارِق ليست طبيعيَّة/ ماديَّة محضة، مرجعها لاختلاف البيئة الطبيعيَّة وتبايُن ثمارها ومُخرجاتها؛ وإنما هي كذلك فوارِق ثقافيَّة، تُعبِّرُ عن رؤية كونية مُعينة تنبثق منها تصورات خاصَّة عن كل عنصر غذائي، ومكانته في البيئة الطبيعيَّة المسخَّرَة، ودوره الصحي في حياة الإنسان، وفي بناء طبقات النكهة المعبِّرَة عن بنية المطبخ المحلي وتكوينه المميز؛ أي إنها ليست فوارِق اعتباطيَّة وإنما "علمٌ" حقيقي وخبرة تراكمت بهما ثقافة حيَّة ممتدة تغذيها ممارسة اجتماعيَّة مُطردة.

ولعلَّ المثال الأبرز على هذا الطيف من الفوارِق الثقافيَّة المحليَّة، التي ينضح بها طبخ طبق واحد فحسب، هو طبخ ما يُسمَّى في دول الخليج بـ"الأرز البخاري"، ويُسمى بالإنكليزية "پيلاف"، وبالفارسيَّة "پُلو" حيث تُنطق الواو فاء مُثلَّثة، وذلك بالإضافة إلى أكثر من عشرين اسما -أو نُطقا مختلفا للاسم- تُمثِّل تنويعات مختلفة لهذه الطبخة على طول طريق الحرير القديم؛ من إسطنبول التركيَّة غربا إلى تركستان الشرقيَّة في الصين. بل يُرجح بعض المؤرخين أن طبق الـ"پايیا" الإسباني، وتنويعات البرياني الهندي الشهير؛ إنما هما من الفروع التي تحدَّرَت من هذه الطبخة-الثقافة الثريَّة؛ العابرة للقارات واللغات.

وعليه؛ فإذا انطلقنا من هذا الأصل، القاضي بأن المكونات الغذائيَّة تعبيرٌ عن البيئة الطبيعيَّة المسخَّرة وقد اكتسبت بُعدا غير طبيعي/ غير مادي بمرور الوقت، حتى صارت تعبيرا أصيلا عن ثقافة مُعينة؛ فإن هذا المُخرَج يتغيَّر اتجاهه بترسُّخه ليصير مُدخلا ثقافيّا، أي أنه بعد أن كان تعبيرا عن الثقافة التي تعكس -فيما تعكس- البيئة الطبيعية؛ فإنه يصيرُ كذلك صانعا لهذه الثقافة، وهذا ما يجدُر بنا التوقُّف لتأمُّله.

فإذا كانت المكونات الغذائيَّة تُعيد تشكيل الواقع الثقافي الإنساني إذا صارت من مُدخلاته، فلنتأمَّل في المدخلات الرئيسة في ثلاثة مطابخ شهيرة، ونتلمَّس إدراك كيفيَّة صناعتها للواقع الاجتماعي والثقافي، كما تُسهم العادات الغذائيَّة والطقوس العباديَّة في صُنعه. وسنجد -مثلا- أن المدخلات الخمسة المركزيَّة في المطبخ الإيراني التقليدي؛ هي: الزعفران، والكرز الحامض، والفستق، وماء الورد، والرمان. ومُدخلات المطبخ المصري التقليديَّة هي:أكل المصري للعدس والفول والبصل (أيام كنَّا نزرع العدس!)، أو أكل الفلسطيني للزيت والزعتر بخبزة مما تُنبته الأرض بإذن الله بغير تدخُّل بشري: عافية في البدن، وقوَّة للروح، واستقلال اقتصادي، وحُريَّة سياسيَّة الكمون، والكزبرة، والثوم، والبصل، والسمن الطبيعي، بينما يُعَدُّ الثوم، والريحان، وزيت الزيتون، والجبن، والطماطم؛ هي مُدخلات المطبخ الإيطالي التقليدي الراسخة. هذه المدخلات التأسيسيَّة في كل مطبخ، والتي تحكم شكل وصفاته وطرائق طبخه، تُعيد كذلك تشكيل هذه الثقافة كليّا، لا على المستوى الغذائي فحسب وإنما على المستوى العقلي والوجداني؛ إذ يبني الذائقة الفرديَّة والجماعيَّة، التي يؤدي الانسلاخ الجزئي منها أو الانطباع معها بثقافات غذائيَّة دخيلة إلى تشويه ثقافي وتغذوي وأضرار مناعيَّة -على المدى الطويل- يتعذر تدارُكها.

وسنجد من الآثار المحقَّقة أن توفُّر الزعفران في إيران قد جعله يُستعمل لا في تعطير الأرز وإكسابه لونا جميلا فحسب، وإنما يُستعمل كذلك كتابلٍ في إعداد اللحوم، وذلك كما هيمنت مركَّبات الكزبرة والثوم والسمن على المطبخ المصري، واصطنعت من "التقلية" مكونا مركزيّا من مكونات أطباقه الرئيسة. ولا عجب بعدها في تسلُّط مُركَّبات شتى من الريحان والثوم وزيت الزيتون على أكثر أطباق الإيطاليين، حتى كأنها دمغت بدمغتها!

ولعلَّ السؤال الذي يدور بخلد القارئ الآن: لم كان منا هذا التفصيل، وما جدواه؟

والإجابة: إن أكل المصري للعدس والفول والبصل (أيام كنَّا نزرع العدس!)، أو أكل الفلسطيني للزيت والزعتر بخبزة مما تُنبته الأرض بإذن الله بغير تدخُّل بشري: عافية في البدن، وقوَّة للروح، واستقلال اقتصادي، وحُريَّة سياسيَّة. فتأمَّل كيف جُعِلَ هذا كله -بحول الله- في اللقمة التي تتخيرها زادا، واحمد الله كثيرا.

x.com/abouzekryEG
facebook.com/aAbouzekry

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الثقافة الطعام المكونات مطبخ ثقافة طعام مطبخ مكونات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة صحافة مقالات سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البیئة الطبیعی الفوار ق ة م عینة ثقافی ا ة التی التی ت الذی ی

إقرأ أيضاً:

الابتكار الثقافي.. تصميم المستقبل بمقاييس إماراتية

محمد عبدالسميع

أخبار ذات صلة آرت دبي 2025.. احتفاء بالتنوع أدباء وباحثون: القراءة.. صانعة الخيال والابتكار الثقافي

إذا كان الابتكار، بمفهومه البسيط والمركّب، يدخل فيه التجديد والإضافة، فإنّ مفهوم الابتكار الثقافي لابدّ أن يتضمّن هذه العناصر وأكثر، بحسب التصنيفات والقراءات المتبعة في هذا الشأن، ومع أن الثقافة كمفهوم، عالم واسع متعدد الأبعاد ومتفاعلها، فإنّها كانت ولا تزال محلاً مناسباً لتطبيق الابتكار، وقراءة أثره على المساحة الثقافيّة في الفنون والثقافة، دون أن ننسى أنّ الأفكار تبقى أفكاراً على الورق وتنظيرات، إن لم يتمّ العمل بها، ولهذا فمن الإنصاف القول إنّ قياس الأثر يصلح وبامتياز على الحالة الإماراتيّة في هذا الموضوع، وهي الحالة التي اتخذت من الموجود والتراث والفنون والعناصر الثقافيّة الأخرى بيئةً مناسبةً للابتكار فيها، تحت مظلّة الدولة، أو إدارة القطاع العام، وحفز القطاع الخاص في ظلّ تشجيع الدولة وإدراكها أهميّة هذا التحوّل من التقليدي في العمل الثقافي إلى الأيسر والأنجع والأمثل، مع قراءة ما يسوقه المتخصصون والمنظّرون من التنبّه إلى أخطار فقدان الثقافة بريقها، أو الاستثمار في الثقافة دون وجود قيم وأصالة تحفظ للموروث حضوره وللثقافة وهجها، إذ تبدو هذه المسألة في غاية الأهميّة ونحن نتحدث عن الابتكار الثقافي، وفي ذلك يكثر الحديث ويتم تناول الموضوع من أكثر من جانب.
على أنّ الدولة/النموذج (الإمارات)، والتي سنقرأ من خلالها أهميّة فكر التجديد أو الابتكار وقراءة الاستثمار الواعي في هذا الموضوع، إنّما هي دولة تعي وتدرك جيّداً هذا الأمر، فهي تسير خلال المتاح وتتأمّل بنيته ومادته الثقافيّة، لتروّج له وتعمل على تيسيره وتقديمه للجميع، بل وفهم المعنى الاقتصادي المتضمّن في هذا النوع من الابتكار، أي الابتكار الثقافي، في أن تدرّ الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة دخلاً جيّداً، فنكون قد حققنا عن طريق الابتكار الشهرة وانتشار المنتج الثقافي، وحافظنا على القيمة الجماليّة المتضمّنة والمميزة لمفردات الثقافة والفنون، والأرقام والنسب الإحصائيّة التي تطالعنا بها مراكز الدراسات والصحف، تعطينا مؤشراً مفرحاً على حجم المنجز قياساً إلى النسبة العربيّة والعالميّة المتحققة في هذا الموضوع.
اقتصاديّات الثقافة
ويؤكّد المتخصصون في هذا الشأن والمهتمون وبما يعرف بـ«اقتصاديّات الثقافة»، أهميّة العمل على الإبداع أو الابتكار أو الخلق أو تقديم النوعي والمفيد في الموضوع الثقافي، بشقّيه الوظيفي والثقافي، مع الحفاظ على الجماليات والإرث والأصالة والروح، وما يتخلل كلّ ذلك من عادات وموروث، فنكون قد وصلنا إلى مرحلة التجديد والإضافة بالوعي والفهم إلى أين نحن سائرون.
وقد عملت دولة الإمارات العربيّة المتحدة على تحقيق الوجهة الإبداعيّة للعالم، ومثال ذلك ما حققته استراتيجيّة دبي للاقتصاد الإبداعي، نحو أن تكون دبي وجهةً مفضلة لكلّ المبدعين، بل وعاصمةً للاقتصاد الإبداعي، فتضاعف عدد الشركات الإبداعيّة في مجالات المحتوى والتصميم والثقافة إلى 15 ألفاً، وتضاعف عدد المبدعين إلى 140 ألفاً، ترفد ذلك كلّه المؤسسة الثقافية ذات العلاقة، مثل «مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي عام 2014، وذلك لتعزيز تنافسيّة حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لتصبح ضمن الحكومات الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم.
ويؤثّر هذا التوجّه الواعي على موضوع الابتكار، بالربط بين كلّ المتغيرات والأسباب التي تدعم هذا الأمر، وهو عمل تكاملي تتم فيه قراءة محفّزات الإبداع والتقنيات والإضافة والمواكبة العصريّة للتكنولوجيا، ويأتي دعم الدولة ليكلل كلّ ذلك، ولهذا كانت مواضيع تحدّي القراءة والترجمة ونسب الريادة وخطّة اقتصاديات الإبداع، كهدف وطموح، بل لقد كانت منصّة «ابتكر»، التي طوّرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تصبّ في هذا الاتجاه، كمنصّة تفاعليّة، وتوصف بأنّها الأولى من نوعها باللغة العربية للابتكار الحكومي، لصنع جيل من المبتكرين العرب وقادة المستقبل. ولتوضيح أهميّة هذه المنصّة، فقد كان هدفها الوصول إلى 30 مليون مشارك عالمياً، إضافةً إلى تنفيذ دبلوم في الابتكار بالتعاون مع جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، كدبلوم يعدّ الأول من نوعه أيضاً، لإعداد جيل من الرؤساء التنفيذيين للابتكار في الجهات الحكومية، وكذلك استحداث منصب الرئيس التنفيذي للابتكار في كلّ جهة حكومية اتحاديّة، وهو ما يؤكّد نظرة الدولة الواعية والواثقة نحو المستقبل، بما في ذلك من ريادة ونبوغ معرفي وتقني وتحقيق نسب عالية في موضوع الابتكار.
دعم الابتكار
وفي مجال رؤية الدولة أيضاً ورسالتها، يمكن وبكلّ جدارة أن نذكر «صندوق محمد بن راشد لدعم الابتكار»، والذي تبلغ قيمته 2 مليار درهم، وكذلك مبادرة «أفكاري»، الرامية إلى تشجيع موظفي الجهات الحكومية الاتحادية على تقديم أفكارهم ومشاريعهم المبتكرة، ويؤكّد كلّ ذلك ما يسمّى بـ«مسرّعات دبي المستقبل»، لصنع منصّة عالميّة متكاملة لصناعة مستقبل القطاعات الاستراتيجيّة، وكذلك خلق قيمة اقتصاديّة قائمة على احتضان وتسريع الأعمال وتقديم الحلول التكنولوجيّة في المستقبل.
إنّ «شهر الابتكار»، كموضوع عملي وعلمي أيضاً في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، هو شهر يستحق الحفاوة والاعتزاز المجتمعي بما انعكس على الأجيال من ثمار موضوع الابتكار، أمام تحديات القادم التكنولوجي الذي لا تستطيع أيّ دولة واعية أن تقف على الحياد منه، فإمّا أن ندخل بقوّة أو ننعزل عن العالم وما يحيط بنا من ثورة معرفيّة وتكنولوجيّة، فأجندة دبي المستقبل، دليل على التحدي والإيمان بالمخرجات المهمّة، كمبادرات رائدة عالمياً، كما في استراتيجيّة دبي للطباعة ثلاثيّة الأبعاد، واستراتيجيّة دبي للقيادة الذاتيّة، والمجلس العالمي للتعاملات الرقميّة، ومتحف المستقبل ومرصد المستقبل، وتنظيم بطولة العالم لرياضات المستقبل.
ولهذا، فإنّ كلّ ما ذكر يدور حول المستقبل، بما يحمله هذا المفهوم من تحديات، وفي الصميم من ذلك، كان «متحف المستقبل» بانوراما رائعة على مستقبل العالم، كمتحف تمّ تغذيته بأحدث الإنجازات التقنية وآخر الاكتشافات العلميّة، إذ اعتبر هذا المتحف مختبراً شاملاً لتقنيات المستقبل وأفكاره، لندخل إلى الاستثمار في العقل المبدع ودعم الأفكار والمشاريع الرياديّة والمبادرات والأبحاث التي تضيف قيمةً نوعيّة وتسهم في تحقيق التأثير الإيجابي، وفي السياق علينا أن نذكر أهميّة موضوع الطباعة ثلاثيّة الأبعاد، وما تشتمل عليه من مزايا تنافسيّة مرتبطة بالكلفة المنخفضة، والسرعة في الإنجاز، باعتبار ذلك يشكّل نموذجاً عصريّاً في التصميم.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ الطموحات تتواصل في دولة الإمارات العربيّة في استحقاقات هذا العصر والابتكار الذي بات أمراً واقعاً فيه، ففي النسخة السادسة من «هاكاثون الإمارات»، كانت هناك قراءة تستشرف المستقبل، حتى سنة 2031، بما في ذلك من تعزيز للهوية الوطنيّة وتعزيز الاستدامة وتطوير الرؤية والمؤشرات والمخرجات، وكذلك توسيع الشراكات.
أمّا «قمّة الابتكار» التي عقدتها الإمارات، سنة 2016، فكانت رؤية تؤسس لكلّ هذا النجاح الذي نعيش، خاصةً القراءة المبكّرة لدور الابتكار في موضوع الاقتصاد المعرفي، وتعزيز استخدام الحاسوب والأجهزة الذكية في المدارس، والاهتمام بالتعليم الإلكتروني في الدولة، والمؤسسات البحثيّة والمعاهد التقنية لتعزيز الإبداع والابتكار، والمجمعات المتنوعة، في إطار حفز ثقافة التعليم الإلكتروني في القطاعات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة، وإطلاق العديد من البرامج التي جاءت في سياق رؤية الدولة لما نحن مقبلون عليه من تحديات التقدّم والتحوّل الرقمي والحاجة إلى ابتكارات تدعمها وتشجعها الأعمال المؤسسية في الدولة.
من ناحية أخرى فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لها حضورها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تحقيق أكبر قطاع إبداعي يعتمد على تصدير المنتجات والخدمات الإبداعية، وقيمتها 13.7 مليار دولار أميركي.
إنّ الابتكار، وبما يحمله من تغيير إيجابي في المضامين والأسلوب والأفكار، ومن عمليات إبداعيّة معقدة تغذيها تدفقات المعرفة والتنوّع الإبداعي في المجتمع، نحو الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة، والتصميمات المتوقّعة في الآداب والفنون والموسيقى والأزياء والمهارات الحياتيّة الأخرى، هو مفهوم جدير بقراءته، وهو في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، وكما هو واضح، محمولٌ على جناح ثقة الدولة وقيادتها الرشيدة بالمردود الثقافي والحضور القويّ للإمارات في العالم، ولهذا فالمعايير الإبداعيّة تحتاج دائماً إلى قراءة وإعادة قراءة وفهم للتحديات وسبل تقديم الحلول.

مقالات مشابهة

  • الإعلام والاتصالات ووزارة الثقافة يبحثان التعاون الثقافي والإعلامي
  • الابتكار الثقافي.. تصميم المستقبل بمقاييس إماراتية
  • “البحوث الزراعية” يستقبل وفدا من المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي
  • المغرب يستعد لبناء محطات كهربائية تعمل بالغاز الطبيعي
  • خبر سعيد للباحثين عن الحياة لـ100 سنة.. التزموا بهذه النظام الغذائي
  • الخطة الوطنية للتكيف.. البيئة: نستهدف رفع الوعي.. خبراء: خارطة طريق للعمل المناخي تحدد أولويات المشروعات والتركيز على قطاعات الأمن الغذائي والمياه والطاقة
  • الاعلام والاتصالات ووزارة الثقافة يناقشان آليات دعم المحتوى الثقافي في وسائل الإعلام
  • أوروبا تحتاج إلى 250 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال لإعادة ملء مخازن الغاز
  • بعد انتهاء شهر رمضان وعيد الفطر 2025.. كيف تستعيد نظامك الغذائي؟
  • ضبط مواطنين و6 مقيمين مخالفين لنظام البيئة