سودانايل:
2025-04-03@02:39:13 GMT

نجيب محفوظ.. كتابً مرقوم

تاريخ النشر: 30th, August 2024 GMT

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
بمناسبة الذكرى ال 18 عام على رحيله
نجيب محفوظ.. كتابً مرقوم

تُبيّن الكتابةُ في أسمى مراقيها حالة تتجاوز الذات للتفاعل مع الكل. بأمر من ضمير حي. وانشغال بهَمٍّ تتوه فيه الرؤى وتُحارُ فيه العقول، فينبري خاصة الناس لفعل الكتابة ليبيّنوا للناس ما إستغلق عليهم أو حاروا في أمره، وما فهموا له مدخلا من مخرج.

هكذا تكون وظيفة الكتابة عندما يهم بها أهل البصر والإعتبار.. وعندما تكون رسالة يضطلع بها من نال من رَوَحِ الله نفحةً أو نفخةً.. فقد إصطفى الله إستاذنا نجيب محفوظ بما خصه من ملكة الكتابة بوصفها فعل تنويري، لا مجرد تعبير فقط. فالكتابة التي أبدعها نجيب محفوظ في مسيرته الفنية الأدبية كرائد للفن الروائي العربي هي خليط بين العبارة والإشارة.. فالعبارة عنده إطناب لرصد حادثات الحياة اليومية بكل تفاصيلها بما تحمله الفهوم على ما بها من محدودية لتجعل المعنى مغلقاً ونهائياً لا يشكل فهمه، ولا يلتبس إلا بمقدار ما تحويه مقتضيات الكتابة الفنية من رموز تستثير العقل وتحفزه على التفكير... أما الإشارة عنده فتحمل في مضمونها إيحاء بالمعنى يجعله يتسم على الدوام بالإنفصال على شتى المعاني... وقد تكون الكتابة بالإشارة على عكس العبارة وقفاً على الخاصة من أهل الفهوم.. وفي كليهما أبدع استاذنا نجيب محفوظ بما يجعل الحياة ارتقاءا طويلا بكل ما تحتوي من اجتماع وسياسة وتاريخ ودين وفلسفة وصراعات وضَراعات وآمال وعذابات. فقد جسد الأستاذ نجيب محفوظ في مسيرته الإبداعية كل تلك الموصوفات بالحياة من خلال مواقف حشدها بالمدهش والمثير والعادي والمتجاوز حتى لكأنه ما فرط في حياة البشر من آمال و شعور إلا وتعهده بتصوير ورصد في كتاب مرقوم، مطرز بعالي اللغة وشاعريتها، وبالِغ الحكمة ومنتهى جدارتها. مكتنز بالمعاني الفلسفية وما تقدحه في الأذهان مما إسترقَّ و/أو إستدقَّ من استفزازات ورؤى ومفاهيم.. وقد بلغ في ذلك مبلغا توقف عند حافة عتباته الأفذاذ من عتاة الروائيين، وجهابذة الأدب. فعندما هَمّ بكتابة شذرات من سيرته الذاتية التي أحجم عن سردها بالطريقة التقليدية المعتادة، فذهب فيها مذهبا يخالف فيها المألوف والمرعي إذ عمد الي طريقة مبتكرة رسم بها ذاته من خلال شخصية(عبد ربه التائه) وفي الإسم دلالات وإشارات حيث حملت معالم الشخصية تناقضات جمعت بين مواجد المتصوفة وعربدة الصعاليك، فأنطقه نجيب محفوظ بعصارة الحكمة التي حصدها عبر سني تحصيله المعرفي بالإطلاع الموسوعي وما بثه الإله في روعه من مجامع الرؤى الفلسفية والحكمة بقصد واضح أن تكون شخصية عبد ريه التائه هي نهاية حكاية الأديب عندما يصل مرافئ الختام في كتابه (أصداء السيرة الذاتية). فحمله بالإشارة مكنونات تلك المعارف السامقة، وفصوص الحِكم الباذخة . إذ نقرأ معه نُتفاً من تلك الأصداء على لسان عبده ربه التائه حيث يقول
:(لا تلعنوا الدنيا فهي تكاد ألا يكون لها شان بما يقع فيها).
ويقول: (الصديق الذي يندر أن نرحب به هو الموت).
ويقول :(ما نكاد نفرغ من إعداد المنزل حتى يترامى لنا لحن الرحيل)
ويقول :(في الكون تسبح المشيئة، وفي المشيئة يسبح الكون)
ويقول :( آهٍ من تلك المرأة الجميلة، التي لا وفاء لها. فلا هي تشبع، ولا عشاقها يتعظون)
ثم يقول: (أقرب ما يكون الإنسان الي ربه، وهو يمارس حريته بالحق)
ثم يقول بلسان من يطرق أجراس النهاية لغاية الوجود :(رأيت الموت في هيئة شيخٍ فانٍ وهو يقول معاتباً " لو كففت عنكم عملي عاماً واحداً، لإنتزعتُ منكم الإقرار بفضلي)
ويقول وهو يعتصر خلاصة الحكمة من لطف الله الخفي الذي يتمرغ في نعيمه بني البشر :(لولا همسات الأسرار الجميلة السابحة في الفضاء، لأنقضّت الشهبُ على الأرض بلا رحمة)
ثم ومن معين نبع صوفي هادئ المعاني تابت القيم يقول :(لا يوجد أغبى من المؤمن الغبي، إلا الكافر الغبي).
لقد انعقدت لإستاذنا نجيب محفوظ زعامة الرواية العربية بدأبه على إنتاج مشروع روائي قدم فيه أُمثولات تجاوزت المألوف من الحكي ليبدع عالما كونياً من الحارة والقهوة والغرزة والعوالم ونفحات الذكر والأساطير والفتوات واختلاجات الأنفس - خيراً وشراً - ومعمعان السياسة وألاعيب لاعبيها والتطلعات والاحباطات في قوالب فنية قوامها شاعرية اللغة ودقة المعاني وعمق الإشارات.
د. محمد عبد الحميد

wadrajab222@gmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: نجیب محفوظ

إقرأ أيضاً:

الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب

” يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك
فى إي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
فى وجودى أحبك وغيابي
ياحليلك ويا حليل أيامك ”
ويا حليل ، تلك الغنائية الممتلئة بنغم الشجن المضئ ، الذي أودي بالمطرب الفنان ” سيد خليفة ” ملتقط الفرائد من النصوص الغنائية ، فأسكرته حتى جعل منها منبعا من منابع الإنتماء الوطني الخالص من عصبيات الإيدولوجيات المقيتة الخانقة للبراءة .
ترى أي شاعر من الشعراء إستطاع أن يولد من جوانيته تلك المعاني الباذخة في الحنين إلى الوطن ؟
قطعا لغير العارفين قد يترائى إليهم أنها لشاعر سوداني !
لا والله .
بل هي لشاعر مصري أصيل ، اسمه إبراهيم رجب ، صدق القول ، وأحسن الوصف فبهر .
عاش إبراهيم رجب في الخرطوم سنوات من عمره ،
مدرسا ضمن هيئة المدرسيين التابعين للبعثة المصرية التعليمية في السودان أوان ذاك .
مصر المعرفة والحب ، علاقة السوداني بها كعلاقة الروائي الطيب صالح الذي قال :
” علاقتي بمصر ، وعلاقتي بالقاهرة بالذات ، ولا تزال كغيري من السودانيين علاقة تستند إلى الأزمنة التي تختزلها ، وإلى قياس الإمتدادات التي مثلتها وتمثلها بالنسبة إلى كل الأقطار العربية الأخرى ”
وهل غير النبلاء ” المشاؤون على صراط الجمال ”
من يقدرون على الوفاء ؟
وأي شاعر رائع من غير أبناء النيل يمكن أن يقول عن الخرطوم :
( كانت أيام يا وطني
زى الأحلام يا وطني
بتذكر فيك عهد صبايا
على شاطئ النيل
حبيبى جالس حدايا
أسمر وجميل
انا بفخر بيك يا وطني
بالروح افديك يا وطني )
فكيف انتمي إبراهيم رجب إلى الخرطوم ، ليصفها بوله يشبه وله التجاني يوسف بشير الذي قال في حبها :
” ضفافُها السحريّة المورقة
يخفق قلبُ النيلِ في صدرها
تحسبها أغنيةً مطرقة نَغّمها الحسنُ على نهرها ” ..
أن ينتمي المرء إلى هذا الوطن البعيد المنال – كما جاء في تعبير الطيب صالح – ذلك أمر عسير :
” أن تكون سمعت زغاريد النساء في الأعراس ،
ورأيت انعكاسات الضوء على وجه النيل وقت الشروق ووقت الغروب .
أن تتذكر تمر القنديل أول الموسم ،
ولبن البقر الغريض ، ورغوته ، معقودة عليه في الحلابات ، ذلك أمر عسير ) .
سادتي !!
وهل وقف حب شاعر غير سوداني للخرطوم عند إبراهيم رجب فقط !
لا ابدا والله !
وإليك يا قارئي أبيات من قصيدة أخرى للشاعر العماني ” علي بن سهيل حاردان – رحمه الله وغفر له – وهو شاعر لا يعرفه غالب الجمهور من السودانيين . إلا أنه شاعر كبير في عمان ، وصوت شاهق من أصوات الحركة الثقافية في موطنه .
قال عن سيرته الذاتية :
” سيرتي مكتوبة على جدران قلبي ،
من أراد أن يعرفها فليقرأ جدران قلبي بتمعن .
حزبي هو انتمائي إلى خير أمة .
وشعاري من أراد أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” ..
وقال في قريض خاص عن الخرطوم :
” سمراء أدري هواك كان مشكلتي
وكان أسري ولكن كان منطلقي
وكان خارطتي طرا وأشرعتي
منجى من التيه والذوبان والغرق
وكان بأسي ذا المزروع في جسدي
حقلا من الصبر بل نهرا من الدفق
حتى توحدت بالنيلين مثلهما
غسلت أقدامك الطهراء بالعرق
أنا ونيلاك ، والعشاق ما تعبوا
سعيا إلى الوصل ، خضنا كل مفترق ”
هكذا يركض على بن سهيل من عمان إلى الخرطوم ، والزمن فرس رهان لا يزل له قدم حتى يبلغ نهاية الشوط ويناجي :
” كوني كما أنت يا سمراء أنّ لك
عمرا نغذيّه بالأعمار فانطلقي
زيدي احتراقاتنا احتلي الصّبا أبدا
زيدي احتراقاتنا نزداَد في الألق
نزداد كبرا إذا أشرقت سافرة
زهوا بقاماتنا هزءا بمرتزق
طالي السّماء بنا في كل مئذنة
في كل أغنية في كل معتنق ”
ابن سهيل الشاعر الشاعر العماني كأني به هنا في صورة البروفيسور عبد الله الطيب :
” وحيا الله بالخرطوم روضاً
بحيث تعانق النيلان نيلا
يميناً إن بين شعاب قلبي
لعبئاً من فراقكم ثقيلاً ”
وشهادات شعراء العرب عن الخرطوم تترى ، ليبرز الشاعر السوري الكبير نزار قباني ، بل يقر ويعترف أنه ما تعرّف على شعره ، والنيل إلا في الخرطوم فيقول :
” نصف مجدي محفور على منبر لويس هول والشابل في الجامعة الأمريكيّة في بيروت ، والنصف الآخر مُعلق على أشجار النخيل في بغداد ، ومنقوش على مياه النيلَين الأزرق والأبيض في الخرطوم ، طبعًا هناك مدن عربيّة أخرى تحتفي بالشعر وتلوح له بالمناديل ، لكن بيروت وبغداد والخرطوم تتنفس الشعر وتلبسه وتتكحّل به ، إن قراءتي الشعريّة في السودان كانت حفلة ألعاب ناريّة على أرض من الرماد الساخن ” ..
ويقرأ نزار قباني خيرية السودان ويقول مستدراكا :
” في ” دار الثقافة ” في أرض أم درمان ، كان السودانيون يجلسون كالعصافير على غصون الشجر ، وسطوح المنازل ، ويضيئون الليل بجلابياتهم البيضاء ، وعيونهم التي تختزن كل طفولة الدنيا وطيبتها ، هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء خرافي ، شيء لم يحدث في الحلم ولا في الأساطير ، شيء يشرّفني ويُسعدني ويبكيني ، أنا أبكي دائمًا حين يتحوّل الشعر إلى معبد والناس إلى مُصلين ، أبكي دائمًا حين لا يجد الناس مكانًا يجلسون فيه، فيجلسون على أهداب عيوني ، أبكي دائمًا حين تختلط حدودي بحدود الناس ، فلا أكاد أعرف من منا الشاعر ومن منا المُستمع ، أبكي دائمًا حين يصبح الناس جزءًا من أوراقي ، جزءًا من صوتي ، جزءًا من ثيابي ، أبكي لأن مدينة عربيّة، مدينة واحدة على الأقل لا تزال بخير ، والسودان بألف خير ، لأنه يفتح للشعر ذراعَيه ، كما تفتح شجرة التين الكبيرة ذراعَيها لأفواج العصافير الربيعيّة المولد ”
ويضيف نزار قباني قائلا :
” لم أكن أعرف – قبل أن أزور السودان – أي طاقة على السفر والرحيل تملك الكلمات ، ولم أكن أتصوّر قدرتها الهائلة على الحركة والتوالد والإخصاب ، لم أكن أتخيل أن كلمة تكتب بالقلم الرصاص على ورقة منسية قادرة على تنوير مدينة بأكملها ، على تطريزها بالأخضر والأحمر ، وتغطية سمائها بالعصافير .
أشعر بالزهو والكبرياء حين أرى حروفي التي نثرتها في الريح قبل عشرين عامًا تورق وتُزهر على ضفاف النيلَين الأزرق والأبيض.
هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء لا يصدّق ”
تلك هي الخرطوم بعيون نزار قباني .. هي مفترعة ” اللاءات الثلاثة ” في تاريخ الحركة السياسية العربية في مناصرتها للرئيس جمال عبدالناصر سنوات انتكاسته .
كما هي أكثر عواصم أوطان الشعوب المسلمة إصغاء لدقات قلب الأمة ، شدت في أفراح بلدانهم وبكت في أحزانهم ، وغضبت في غضباتهم .
وحسبنا حديثا عن ذلك المعنى ، مقال قديم للبروفيسور علي المك إذ قال :
” الخرطوم بين قريناتها كواسطة العقد وكحسناء الحي كل يشتهي وصلها و” كل يدعي وصلا بليلى” ..
لا السامبا ولا الرمبا تساويها
لا التانغو ولا سوينغو يدانيها
ولا طبل لدى العربان يوم الثار ولا رقص الهنود الحمر حول النار .
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بما فيها ، تساوي رقصة الخرطوم يوم النصر يا سمرا .
ولا هذى ولا تلك
ولا الدنيا بما فيها
تساوى ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا ” ..
وعن روافد تكوين الخرطوم ومغذياتها في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي ..
قال ” علي المك ” :
” كانت الخرطوم أم المدائن ، بل وعروسها ، تعلمها جامعة الخرطوم والمؤتمر ووادي سيدنا ومحمد حسين والأهلية ..
ويشنف آذانها بذكر الله صديق أحمد حمدون وعوض عمر وعبدالله الطيب ويزلزل منابرها الشريف الهندي والفضلي ونقد الله وعبد الخالق والترابي ” ..
هذه هي الخرطوم يعيدها الجيش إلى أهلها مرفوعة الرأس لعناق ” الأزرق للأبيض ” …
وأخيرًا الخرطوم للجميع.. لجميعِ السودانيين إلا الجنجويدي المغولي اللقيط الذي اتاها غازيًا .
فلن تكون الخرطوم للجنجويد ،
الخرطوم لعشاقها ،
ولن تكون للمسخرين لخرابها .
الخرطوم هي صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب .
د. فضل الله أحمد عبدالله
أم درمان ” حي الواحة ” 31 مارس 2025م
#معركة_الكرامة
#كتابات_سودانية

الدكتور فضل الله أحمد عبدالله

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • محفوظ ولد الوالد يروي قصة انضمامه للمجاهدين الأفغان وتأسيس القاعدة
  • ترامب يفتح النار على العولمة.. هل تكون بداية حرب عالمية اقتصادية؟
  • هل تعلم أن نجيب محفوظ كان دائمًا "صوت مصر" في أدبه؟
  • الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
  • ذكرى وفاة العراب أحمد خالد توفيق.. تعرف على بداياته ورحلته مع الكتابة
  • متى تكون الأيام البيض لشهر شوال 2025 - 1446 هـ
  • مصدر أمني إسرائيلي يكشف عن تطور جديد بشأن تركيا ويقول: الشرع عدو لنا.. لديه أهداف قصيرة وبعيدة المدى
  • ورطة منطقية والما عارفو يقول عدس
  • تقرير اكاديمي يقول إن المغرب أصبح "حديقة الخضروات لأوروبا" على حساب موارده المائية
  • ترامب يقول إنه “لا يمزح” حول الترشح لولاية ثالثة كرئيس