تعز بين الظلام والاستيلاء: مليشيا الإصلاح تسيطر على مكتب بريد الحصب وتغرق أحياء المدينة في العتمة (وثيقة)
تاريخ النشر: 29th, August 2024 GMT
اتهم رئيس الهيئة العامة للبريد والتوفير البريدي، خالد ناصر عبدالله، قوة أمنية تابعة لميليشيا حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) بالاستيلاء على مكتب بريد الحصب في مدينة تعز، في الوقت الذي تعيش فيه عدة أحياء من المدينة في ظلام دامس.
وأفادت مصادر محلية أن هذا الاستيلاء جاء بعد صدور توجيهات من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد محمد العليمي، خلال زيارته الأخيرة لمحافظة تعز، بضرورة إخلاء جميع المباني والمؤسسات من أي تواجد عسكري.
في وثيقة موجهة إلى الرئيس العليمي، تداولها ناشطون عبر منصة "فيسبوك"، أخلت الهيئة العامة للبريد مسؤوليتها عن هذه الخطوة، معتبرةً إياها مخالفة للقانون. وأكدت الوثيقة أن الهيئة سبق وأن أرسلت مذكرات رسمية للاعتراض على هذا الإجراء لكل من وزارة الاتصالات والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، إلا أن تلك الاعتراضات لم تلقَ أي استجابة.
وأوضحت الهيئة في بيانها أن هذا التصرف غير القانوني سيعرقل سير العمل، لا سيما وأنها كانت بصدد إعادة تفعيل جميع مكاتب البريد في المحافظة، محمّلةً قوات النجدة مسؤولية أي تبعات قد تترتب على ذلك.
في سياق متصل، ذكر سكان محليون أن مليشيا حزب الإصلاح عمدت إلى إغراق أحياء واسعة من مدينة تعز بالظلام، كإجراء عقابي بعد توجيهات الرئيس العليمي بإخراج القوات العسكرية من مبنى بريد المرور، الذي كان قد تم تحويله إلى محطة كهرباء تابعة لشركة الأنوار الخاصة، والمملوكة لأحد قيادات الإصلاح.
المصدر: وكالة خبر للأنباء
إقرأ أيضاً:
تحت ظلال الكافور: حكايات من زمن الإصلاح والحرية.. .ونبش قبور الكبار!
في ظهيرة صيفية من سبعينيات القرن الماضي، كنا نحن الفتية نجلس تحت ظلال أشجار الكافور والجزروين على ضفاف ترعة الزيني. كان الهواء حارًا، لكنه مشبع برائحة الأرض، وصوت المياه يهمس في خلفية المشهد.هناك، بين الترعة والحقل، كان الفلاحون والنساء والأطفال يشكّلون فرق العونة، يعملون بجدّ في جمع لطع إصابة ورق شجر القطن، كما لو أنهم يقتطفون التعب من وجه الأرض.
وسط هذا الحشد، بدأ رجل طاعن في السن حديثه كمن يفتح نافذة على ماضٍ منسي. تحدّث عن أيام ما قبل ثورة يوليو، عن المعاناة تحت سلطة الخاصة الملكية، عن الناظر الذي كان يستبيح كرامات النساء، ويعامل الفلاحين كعبيد في أرض لا يملكون منها شيئًا سوى العرق. كانت الأراضي تمتد من الترعة الجبّادة إلى المصرف، بطول أقل من كيلومتر، لكنها كانت بعيدة المنال لمن يزرعها.
توسّع الحديث، ودخلت النساء على الخط، يشكين من جبروت تلك المرحلة، من ظلم لا يُنسى، ومن ذكريات تخدش الروح. وفجأة قال أحد الرجال:
ـ "يا أحمد، فاكر كانوا بيقولوا عليك إيه؟"
أجابه مبتسمًا:
ـ "أبو عرّائه!"
وضحك وهو يقول:
ـ "كويس إن العرّاءة كانت موجودة، أنا كنت بأحمد ربنا إني بلاقيها".
تداخلت الحكايات، تشابكت مثل غصون الكافور، وتحوّلت الجلسة إلى أرشيف حي ينبض بالذكريات عن فرحة توزيع الأراضي بعد الثورة، حين شعر الناس لأول مرة بأنهم ملاك لا عبيد.لكن الزمن دار دورته، وها هم الأحفاد اليوم يلعنون قانون الإصلاح الزراعي، ويهينون ذكرى عبد الناصر الذي حرر أجدادهم من القهر.
الطريف ـ وربما المحزن ـ أن حفيد "أبو عرّائه" يقود اليوم حملة على شبكات التواصل الاجتماعي في كل مناسبة، يرتدي زيّ النبلاء، ويتحدث بلغة السادة، مدّعيًا أن عبد الناصر "سلبهم" أرضهم. والحقيقة أن الأرض التي ورثها أصبحت جزءًا من الحيز العمراني، وجعلته من طبقة الأثرياء. وهناك أيضًا من يوهمون أنفسهم أن آباءهم كانوا من الأعيان قبل الثورة، وأن عبد الناصر "استولى" على أملاكهم. لكن التاريخ لا يكذب. قانون الإصلاح الزراعي لعام 1952 حدد الحد الأقصى للملكية بـ200 فدان، ثم 100، ثم 50 فدانًا. فأين هي أراضيكم؟!
الحقيقة أن آباءكم كانوا "خُوَل زراعة"، مزارعين يعملون لدى الخاصة الملكية أو الأوقاف، لا يملكون سوى جهدهم. ويحضرني هنا مثال "هارييت توبمان"، الناشطة الأمريكية التي هربت من العبودية، وقادت عشرات المهمات لتحرير مئات العبيد عبر "السكك الحديدية السرية"، وفي الحرب الأهلية شاركت في عمليات حرّرت أكثر من 700 شخص. لم تكن توبمان مجرد محررة، بل رمزًا لمقاومة النسيان والجحود.
وكذلك كان الإصلاح الزراعي في مصر: لحظة تحرر من استعباد طويل، لكن التاريخ كما نعلم يُكتبه الأقوياء ويمسحه الورثة الجاحدون حين تغريهم المكاسب.
ولأننا في زمن "النكوص"، ظهر من ينبش القبور ويطلق تصفيات حسابية ضد رجل مات منذ أكثر من نصف قرن. عبد الناصر ليس نبيًا ولا قديسًا، بل زعيم خاض تجربة وحلم، نستدعيه كلما عصفت بالأمة أزمة. مات في أيلول الأسود وهو يسعى لحقن الدماء. هل تعرفون ماذا تعني أيلول الأسود؟ هل قرأتم تاريخ مبادرة "روجرز" التي حاول من خلالها تهدئة الجبهة لبناء حائط الصواريخ؟
هل قرأتم أن من خان مشروع حائط الصواريخ كان المقدم "فاروق عبد الحميد الفقي"، من أبناء الطبقة الرجعية الإقطاعية؟
هل تتذكرون "كمشيش"؟ هل قرأتم وثائق اختراق الموساد للقمم العربية وتسجيلات الزعماء.. ؟
تتحدثون عن شريط مسرّب، تم اجتزاؤه لغرض مشبوه، وتسريبٌ خُطط له بعناية في دهاليز غرف مغلقة، لأنهم يعرفون أن جهل البعض سيحوّل المقطع إلى مادة للسخرية والتشويه. فلماذا تم تسريب هذا الشريط الآن؟ ومن المستفيد؟ ولماذا لا تُسرّب أشرطة الصفقات المعاصرة؟ أو أرشيفات التطبيع؟ أو وثائق تهريب الثروات؟
عبد الناصر لم يكن معصومًا، لكنه لم يكن خائنًا. لم يمت غارقًا في أرصدة أو قصور. فماذا قدمتم أنتم؟ وأين مشاريعكم؟ قرار الحرب لم يكن نزهة تكتب على مقاهي فيسبوك، ومَن يعرف السياسة يدرك أن الهزيمة لا تمحو شرعية المشروع، بل تكشف من خان.
ليست من شهامة الرجال نبش القبور. ليست بطولة أن تلعنوا مَن أعاد للناس كرامتهم، تحت أجهزة التكييف.. .ومن خلف شاشات الجهل.
تبقى الحكايات، مثل تلك التي سمعناها يومًا تحت شجرة الكافور، شاهدة على زمن حاول أن يعيد للناس حقّهم، قبل أن يُدفن هو في تراب وطنٍ لا يعرف كيف يصون ذاكرته.
وسوف يظل اسم عبد الناصر أطول من عمره، وسيظل هو الحاضر الغائب، المتدفق من كل نقطة ماء، من قلب السد العالي حتى المصب. سيظل "جمال السد العالي" شاهدًا وشامخًا، في وجه كل من يحاول العبث بالنهر الخالد.، ، !
محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث مصري في الشأن الجيوسياسي