لجريدة عمان:
2025-11-30@23:35:57 GMT

اقتصاد الكرنفالات

تاريخ النشر: 27th, August 2024 GMT

ماريانا مازوكاتو

ألفارو بارينجتون

في هذا الشهر، تعود واحدة من أعظم الاحتفالات بالثقافة الكاريبية إلى شوارع غرب لندن. كرنفال نوتنج هِل -مثله كمثل كرنفالات عديدة في مختلف أنحاء العالم- من بنات أفكار أحفاد أفارقة، استعانوا بتقاليد الموسيقى والأداء. تنتشر روائح الدجاج الجامايكي المشوي وتتردد أصداء موسيقى السوكا وأصوات المقالي الفولاذية في الشوارع، فتسترشد بها فِـرَق الـتَـنَـكُّـر المتشحة بألوان زاهية، وريش، وخرز.

مع ذلك، سوف يمر العرض عبر أشد مناطق لندن تفاوتا، حيث تنتصب قصور قيمة كل منها 15 مليون جنيه إسترليني (19.5 مليون دولار) إلى جانب موقع برج جرينفيل، حيث أسفر حريق قبل سبع سنوات عن مقتل وإصابة مئات من السكان من ذوي الدخل المنخفض. وبعد صيف متوتر من أعمال الشغب المناهضة للهجرة، يمثل الكرنفال العكس تماما: فهو احتفال بالتنوع والإبداع الجماعي. كرنفال نوتنج هِل ليس مجرد مهرجان؛ بل هو واحد من أكبر الأحداث الثقافية «السوداء» على هذا الكوكب واحتفال عالمي بالشتات الإفريقي. كان الهدف من إنشاء هذا الكرنفال تخفيف التوترات في نوتنج هِل، بعد مقتل النجار المولود في أنتيجوا، كيلسو كوشران، في عام 1959 وأعمال الشغب العنصرية في ستينيات القرن العشرين. منذ ذلك الحين، تحول الكرنفال إلى احتفال بالتماسك الثقافي، حيث يجمع بين مجتمعات لندن المتنوعة ويستعرض أفضل ما في الثقافة الكاريبية. تحكي الموسيقى وعروض الأداء قصة التحرر من العبودية وتسلط الضوء على الأعمال المبهرة التي أتى بها الإبداع الفردي والجماعي. مع ذلك، لا تزال أعمال الشغب تلقي بظلالها على الكرنفال، حيث تصوره التغطية الإعلامية الكسولة والمشوهة غالبًا على أنه حدث خطير عامر بالجرائم ومكلف للمجتمع المحيط به. يتجاهل هذا التوصيف الزائف القيمة العامة الهائلة التي يخلقها الكرنفال لصالح الأفراد والمجتمعات.

الاحتفالات والمهرجانات مفتوحة للجميع، بفضل الجهود غير التجارية بقيادة المجتمعات المحلية التي تنظمها وكالة ائتمان قرية الكرنفال (CVT)، وهي مؤسسة خيرية مسجلة، بتمويل من هيئة لندن الكبرى، والبلدية الملكية في كينسينجتون وتشيلسي، ومجلس وستمنستر. وكما يقول أمين المهرجان هانز أوبريست، فإن الكرنفال إنتاج ثقافي بلا أبواب، حيث يُـرَحَّـب بالجميع للنزول إلى الشوارع والمشاركة في الروح الإبداعية لهذه المناسبة، دون أي من التسلسلات الهرمية التقليدية التي نجدها في أشكال أخرى من الإنتاج الثقافي. لكن الكرنفال، مثله في ذلك كمثل أحداث ثقافية ومبادرات مجتمعية أخرى، واجه صعوبات متزايدة في تأمين التمويل. وهذا جزء من أزمة أوسع نطاقًا. يساهم قطاع الفنون والثقافة بأكثر من 125 مليار جنيه إسترليني في اقتصاد المملكة المتحدة ويوظف أكثر من 2.4 مليون شخص، لكنه برغم ذلك واجه تخفيضات تمويلية شديدة، الإنفاق العام الأقل كثيرًا من نظيره لدى جيران بريطانيا الأوروبيين.

الأمر ينطوي على قضية أعمق. الواقع أن النهج السائد في صناعة السياسات ينظر إلى القيمة من خلال عدسة الثمن الضيقة، والتي لا تصلح على الإطلاق لتقدير القيمة الديناميكية الكامنة في الفن والثقافة. ويُنظَر إلى الدعم المالي للثقافة باعتباره تكلفة، وليس مُدخلًا تحويليًا للاقتصاد والمجتمع.

في ورقة بحثية حديثة لتقييم القيمة الديناميكية لهيئة الإذاعة البريطانية، نوضح أنا وزملائي في إعداد البحث أن هذه المؤسسة تحقق عوائد كبيرة على المستويات الفردية والمجتمعية والصناعية. وينطبق ذات الأمر على كرنفال نوتنج هِل. فهو يخلق قيمة هائلة من ذلك النوع الذي يصعب التعبير عنه من خلال مقاييس الأسعار الثابتة.

في النهاية، يزود الكرنفال رجال الأعمال والشركات المملوكة لأقليات (بما في ذلك مئات من بائعي المواد الغذائية) بمنصة تسمح لهم بالنمو والوصول إلى أسواق أوسع، وهو يؤسَّس بشكل مشترك من قِـبَـل مجموعة متنوعة من المجتمعات المحلية والأسر التي تساهم بوقتها وطاقاتها. ويعمل الأداء في الفرق الموسيقية، وبناء العوامات، وتصميم الأزياء، وطهي الطعام، والمساهمة بطرق أخرى على توليد ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني من القيمة الاقتصادية. ويخلف الكرنفال، الذي يُـعَـد إبداعا جماعيا بامتياز، تأثيرًا مضاعفًا يحفز الاقتصاد المحلي، ويولد البنية الأساسية المجتمعية، ويديم دورة حميدة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي. والمجتمعات التي تشارك في خلق الكرنفال تنقل أيضا مهارات قَيّمة وتدفع بثقافة ريادة الأعمال والإبداع. إذ تُـكَـرَّس مليون ساعة عمل لتصميم وتصنيع 15000 زي معروض يدويًا والتدرب على عروض أكثر من 80 فرقة.

يخلق المهرجان خلية إنتاجية تولد، مثل جميع الأنشطة الثقافية، فوائد اجتماعية واقتصادية بعيدة الأمد: تحسين الصحة العقلية، وتعزيز النتائج التعليمية ورفاهة المجتمع، والمهارات القابلة للتوظيف. من المؤسف أن المصالح الخاصة تستولي غالبًا على قيمة مثل هذه الإبداعات المجتمعية المشتركة، وهذا يعني أن العائدات لا يُعاد استثمارها في الناس والشبكات التي تجعلها في حكم الممكن. لقد اجتاحت موجات عديدة من التحديث والترقية المجتمعات الفنية وأدت إلى إبعادها عن متناول اليد إلى حد كبير، ما يجعل من الضروري بدرجة أعظم أن تجد المنظمات الثقافية مثل كرنفال نوتنج هِل طرقا خَـلّاقة لحماية وإدامة القيمة الهائلة التي تخلقها. ومن الممكن أن تساعد مؤسسات جديدة في ضمان سيطرة المجتمع ومنع سرقة أحداث مثل الكرنفال. على سبيل المثال، بوسع المنظمات الثقافية أن تتطلع إلى تجربة صندوق الثروة المجتمعية في كامدن، الذي نجح في حشد وتحفيز إعادة الاستثمار المجتمعي. في غياب مثل هذه الآليات، تُستَخرَج القيمة والثروة العامة وتوزع غالبا على قوى فاعلة خاصة. هذا هو ما حدث مع High Line في نيويورك وTate Modern في لندن. في كل من الحالتين، استُخدِم التمويل العام لتجديد وإعادة تأهيل المناطق بمساعدة المجتمعات المحلية والمبدعين، لكن الفوائد المالية جرى تخصيصها مع ارتفاع أسعار العقارات إلى عنان السماء واتساع فجوة التفاوت. بينما أعربت حكومة حزب العمال الجديدة في بريطانيا التزامها بدعم الفنون، فإن استعادة التمويل العام بعد 14 عامًا من التخفيضات الكبيرة تشكل تحديًا كبيرًا.

ولأن نماذج الخزانة الحالية محدودة بمقياس الثمن، فإنها تفشل في التعبير عن القيمة العامة العريضة التي تخلقها أحداث مثل كرنفال نوتنج هِـل. إذا كانت الحكومة تقدر الثقافة كقوة تحويلية، فمن الواجب عليها أن تبذل مزيدا من الجهود لتسخير قيمتها من خلال تشكيل الأسواق.

إن الاستثمار العام في الفن والثقافة قادر على المساعدة ليس فقط في دفع عجلة النمو الاقتصادي، بل وأيضا في تحسين رفاهة المجتمع، والصحة العقلية، والتماسك الاجتماعي ــ وهي عوامل رئيسية في تحديد مستويات الجريمة ونتائج الصحة. إن نماذج التمويل وآلياته المبدعة مثل صناديق الثروة المجتمعية قادرة على توفير الأدوات اللازمة لتسخير هذا الشكل الديناميكي من القيمة العامة.

ويُـعَـد كرنفال نوتنج هِل مثالا خالصا للسبب الذي يجعلنا في احتياج إلى سرد جديد في صُنع السياسات والتنمية الاقتصادية. ينبغي لنا أن ننظر إلى الفنون باعتبارها مسؤولية حكومية أساسية، وأن نتعامل مع التمويل الطويل الأجل الذي تستلزمه بوصفه استثمارًا وليس تكلفة. فالفنون تخدم مهمة اجتماعية حيوية، وهي مهمة كفيلة بأن تساعد الحكومات في التصدي لفجوات التفاوت وإتاحة الفرص لكثيرين. إن تراثنا الثقافي المتنوع ينطوي على قيمة هائلة، وهو ملك لنا جميعا.

ماريانا مازوكاتو أستاذة اقتصاديات الابتكار والقيمة العامة في جامعة كوليدج لندن، وهي مؤلفة كتاب قيمة كل شيء: التصنيع والأخذ في الاقتصاد العالمي، واقتصاد المهمة: دليل القمر لتغيير الرأسمالية.

ألفارو بارينجتون فنان تدرب في نيويورك ولندن. يستكشف عمله في المقام الأول الطبيعة المترابطة للثقافة والتبادلات الثقافية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: القیمة العامة

إقرأ أيضاً:

كيف يتفاقم تغير المناخ ليصبح أحد أكبر تهديدات اقتصاد إسبانيا المرن

على الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي بثبات، يحذر تقرير جديد من أن إسبانيا ضمن الدول الأوروبية الأكثر "عرضة" لـ**تغير المناخ**.

تُحث إسبانيا على تعزيز قدرتها على الصمود أمام المناخ والمضي قدما في جهود إزالة الكربون لحماية اقتصادها. تقرير جديد صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) خلص إلى أن الاقتصاد الإسباني صمد "على نحو ملحوظ" عقب تعافٍ بطيء من جائحة كوفيد-19. وقد سُجّل في السنوات الأخيرة نمو مستقر في الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزا العديد من نظرائه الأوروبيين، ومدفوعا بعوامل عدة تشمل السياحة واستثمارات من صناديق التعافي والمرونة التابعة للاتحاد الأوروبي وزيادة الإنفاق الحكومي. غير أن الباحثين يحذرون من أن إسبانيا من بين الدول الأوروبية "الأكثر تعرضا" لتغير المناخ، مع تكبدها خسائر بشرية واقتصادية من بين الأشد في القارة؛ ويتوقع الخبراء أن الطقس المتطرف في إسبانيا أدى بالفعل إلى خسائر بقيمة 12,2 مليار يورو في 2025، وأنها سترتفع إلى 34,8 مليار يورو بحلول 2029.

تهديد لنمو إسبانيا

وجاء في التقرير: "إن ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الجفاف الشديد والفيضانات وموجات الحر وحرائق الغابات يهدد على نحو متزايد نمو البلاد ومستقبلها وبيئتها وصحتها العامة". وأضاف: "إن تعزيز القدرة على الصمود سيستلزم استثمارات تكيّف موجهة وبنى تحتية قوية". ورغم التقدم في الحد من مخاطر الكوارث والتكيّف مع تغير المناخ، فإن الخسائر الاقتصادية والبشرية الناجمة عن الكوارث آخذة في الارتفاع مع تزايد حدة هذه الظواهر وتواترها.

كيف يضر تغير المناخ باقتصاد إسبانيا؟

يصف التقرير الفيضانات بأنها من أكثر "الأخطار الطبيعية تدميرا" في إسبانيا، وقد زادتها خطورةً عمليةُ urbanization لمناطق عالية المخاطر. ففي الشهر الماضي، أغرقت أمطار غزيرة الطرق وتسببت في تقطّع السبل بالسياح بينما عصفت العاصفة أليس بأجزاء من الساحل المتوسطي؛ فقد ضربت السيول المفاجئة كتالونيا وحولت الشوارع بسرعة إلى أنهار من الطين، فيما أُوقفت مؤقتا خدمات القطارات بين برشلونة وفالنسيا. وفي إيبيزا، أُلغيت عشرات الرحلات ونُشرت فرق الطوارئ لإنقاذ عدد من الأشخاص العالقين داخل مركبات على الجزيرة. ومع ذلك، بدت تلك الأمطار المتطرفة أقل وطأة مقارنةً بـالسيول المفاجئة التي ضربت فالنسيا العام الماضي، والتي أودت بحياة 229 شخصا. وقد أفرغت ظاهرة دانا (منخفض معزول في المستويات العليا) أمطارا غزيرة حطمت أرقاما تاريخية: أكثر من 770 لترا لكل متر مربع في 24 ساعة في توريس، وفيضان الأنهار في رامبلا ديل بويو. ويؤكد الخبراء أنه لا شك في أن مثل هذه الزخات الانفجارية "تتزايد" بفعل تغير المناخ، حتى لو تعذر تحديد سبب دقيق لكل حالة.

موجات الحر ومخاطر الصحة

إن زيادة مدة وتكرار موجات الحر ترفع أيضا المخاطر الصحية وتقلّص الإنتاجية في المدن الكبرى، ما يستدعي، بحسب تقرير OECD، "مزيدا من إدماج التكيّف مع الحرارة في التخطيط الحضري وأكواد البناء". وكان صيف 2025 في إسبانيا الأكثر حرارة على الإطلاق، بمتوسط درجات حرارة بلغ 24,2 درجة بين واحد يونيو و31 أغسطس، فيما سُجلت أعلى درجة يومية بلغت 45,8 درجة في خيريز دي لا فرونتيرا، بجنوب إسبانيا، في 17 أغسطس خلال موجة حر. وقد خلقت هذه الحرارة اللاهبة، إلى جانب الرياح القوية، الظروف المثالية لامتداد حرائق الغابات بسرعة في مختلف أنحاء البلاد؛ فمنذ بداية 2025، احترق أكثر من 380.000 هكتار من الأراضي، أي ما يقارب خمسة أضعاف المتوسط السنوي، وحصدت الحرائق أرواح ثمانية أشخاص على الأقل. ويحذر العلماء من أن الظروف الحارة والجافة والعاصفة التي غذّت هذه الحرائق أصبحت الآن أكثر تكرارا بنحو 40 مرة وأكثر شدة بنحو 30 في المئة مقارنةً بما كانت ستكون عليه في عالم بلا تغير مناخي. وقالت الدكتورة كلير بارنز، الباحثة في مركز سياسات البيئة بـ"إمبيريال كوليدج لندن": "مع كل جزء من درجة إضافية من الاحترار، ستستمر موجات الحر الطويلة الشديدة في الاشتداد، بما يزيد احتمالات حرائق هائلة كالتي أتت على مساحات شاسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية".

حملة إسبانيا للطاقة المتجددة

وعلى الرغم من الأحداث الجوية المتطرفة المدمرة، وسّعت إسبانيا قدراتها في الكهرباء المتجددة بشكل ملحوظ، حيث باتت الطاقة الشمسية والرياح تزود الآن أكثر من نصف إنتاجها السنوي. وبينما يعني ذلك أن البلاد على المسار لتحقيق أهداف إزالة الكربون، تحذر OECD من أن الطلب على الكهرباء مرشح للارتفاع بأكثر من 40 في المئة بحلول 2030. ويعزز هذا النمو الحاجة إلى مواصلة توسيع الاستثمارات في بنية الشبكة والربط البيني والتخزين، مع تنفيذ تدابير للتعامل مع التقليص القسري للإنتاج والازدحام على الشبكة. كما تكافح إسبانيا لخفض الانبعاثات المرتبطة بقطاع النقل، والتي تمثل نحو ثلث بصمتها الإجمالية؛ إذ إن ارتفاع ملكية المركبات وضعف الحوافز السعرية للتحول إلى بدائل أنظف قد "قوّضا جزئيا مكاسب الكفاءة".

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

مقالات مشابهة

  • رسميا.. هذه هي القيمة الجديدة للأجر الوطني المضمون ومنحة البطالة
  • وزير الاستثمار: نستهدف تعظيم الصادرات ذات القيمة المضافة وخفض عجز الميزان التجاري
  • ماذا ينتظر اقتصاد روسيا في العام المقبل؟
  • تَشَظِّي اقتصاد العالم
  • الطريقة الصحيحة لتحويل القيمة المالية لحجز وحدة في مبادرة بيتك في مصر
  • كايزر تشيفز يتفوق في القيمة التسويقية على الزمالك
  • كيف فقد اقتصاد غزة 83% من قيمته خلال عام واحد؟
  • بلجيكا في قلب الإضراب العام.. مطارات مشلولة و اقتصاد متعثر
  • اقتصاد أوكرانيا يخسر 1.3 تريليون دولار بفعل الحرب
  • كيف يتفاقم تغير المناخ ليصبح أحد أكبر تهديدات اقتصاد إسبانيا المرن