جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@05:47:06 GMT

قصة الوادي الصغير (7)

تاريخ النشر: 27th, August 2024 GMT

قصة الوادي الصغير (7)

 

بقلم /  حمد الناصري

قال رجل من الذين أقاموا جِسْر الماء "السَد" مع سالم ابن عبدالأعلى بالوادي الصغير:

 
ـ  كان الناس من قبلنا ، يَتّخذون من الماء مقاماً في اليُسر والعُسر ، وكان الماء في عُمق الوادي له بُعد أكبر وأعظم من البُعد المكاني وله نصيب كبير في ضَرّاء الناس وعُسرهم ، وحينها كانت الظروف صَعبة والزمان قاسياً والاخطار مُتعددة يَصعب مُغالبتها ، فالطبيعة تقسو على البشر وتتحَدّى الإنسان الذي يميل إلى الراحة والدّعة والرفاهية ، ووقتئذ تأثّرَتْ أحوال الناس كثيراً بنقص الماء ، مِمّا دعَت الحاجة للحصول عليه بأيّة وسيلة مُمكنة ، ولذلك شرع سالم ابن سيدي عبدالأعلى بفكرة بناء السَدّ للتغلب على ذلك العُسر وتلك المَصاعب ،وكان إقامة الجِسْر حلاً مُستداماً ولكنه أيضًا  تحدياً صَعْباً أمام أهل الوادي.

؛

  وحينما اشْتد الخطب وأشرف الناس على الهلاك  عطشاً، كان أبرز ما قام به حفيد سيدي عبدالأعلى هو الوقوف في وجْه نواميس الطبيعة كأنه نداً لِنَد ، يَحمل في قلبه ووجدانه محبّة الناس جميعاً ومسؤولية حياتهم وبقائهم ، مُنطلقاً من شريعة الحياة .. فالماء سِرّ الحياة ووجوده كَنْه ديمومتها .. وكان ذلك المَبدأ ناصِعاً نقياً في يقين الرجل ومُزلزلاً غَيض المُبغضين الحاسدين ، وكاشفاً وجوه ونفوس الحاقدين الكالحة ، وفاضحاً نوايا وعَورات المُنافقين ، ومُعَرّيَا أفكارهم الظلامية ومُحَطّماً نوازع الجدل العقيم.


ذلك الجِسْر الصغير بالوادي لم يَكن وقتها ذي أهمية كبيرة ، ثم أدرك الناس أهميته ومنافعه فتحوّل إلى مَصْدر جاذب لِلزّحف وتكاثر الناس حوله للإقامة والسّكن.. فكان حقاً مِضْماراً للحياة المُستقرة.

لذلك فالتّغيير في أنماط الحياة يجب أنْ يَشمل المجالات التي تنفع الناس ولا تضرّهم، لأنها تُمَثّل الغاية إلى صَون ما هو ضُروري للحياة في إطار نظرة مُتعمقة ذات قيمة للناس.

وأمّا أفكار جسر الماء فقد شملتْ القِيَم التقليدية ، وقواعدها الأخلاقية ، كالسّمت وآداب المُجتمع وما تعارف عليه الناس في حياتهم المعيشية من تنظيم وعدالة، كما شَمِلت مرجعية الوعي التُراثي وإبراز مرجعية أكثر وعْياً بأهمية الماء في الوادي الصغير وقريتا البحر والتراث والاحياء المُجاورة وحارات سيح المالح العشرة، والثقافة المُرتبطة بها.


كل ذلك أدّى إلى نُشوء مُجتمع مُتعاون ومُتحضر وقابل للنمو والتوسع بفضل وجود الماء والاستقرار.


قال رجل ضخم ، يُعرف بـ شديد ويَكره سالم الراس :

ـ جسر الماء الذي أقامه ابن عبدالأعلى ليس له أهمية ، خاصة وأننا في وضع آمن ومُستقر ، ثم إنه كان ينبغي ربط الأجزاء المُنعزلة بطرق أو مَمَرّات، فلو كان ذلك الجسر على ضِفاف الوادي مُتجاوراً مع سيح المالح ، فأهميته ستكون أكبر لأنه سيربط الحارات المُنعزلة بقرية البحر وصُولاً إلى قرية التراث وما جاورها.


ناهيكَ عن أنه أُقِيم في وسط الوادي الصغير وفي عُمقه فلا أرى له هدف مُستقبلي، بقدر ما هو مُكْلف جداً وفوائده ضعيفة المردود حالياً ، زدْ على ذلك ، فالجسر يحتاج إلى حماية وصيانة وخدمات أخرى .. فمن يتحمّل تلكم الأعباء والجهود الباهظة، ومن يتحمّل المسؤولية عوامل البيئة التي سوف تؤثر عليه ومن يتحمّل كُلفة الحِماية والصّيانة المُستمرة.؟

لا شكّ وفي زمن غابر حفر السيد عبدالأعلى عيناً للماء في قرية التراث ، وأثناء الحفر وُجد قاعًا جافًا وحصاً كبيرة ، ومَجرى ماء ، يُعرف بماء القمر ، يَمُرّ عبر العين الصخرية التي بناها عبدالأعلى الاول ولم تكن العين عميقة ، فكثرة الصخور جعل عبدالأعلى يتراجع عن تطويرها حتى أهْمَل العين رغم بقائها كشاهد عيان على قدرته العميقة على خَلْق ذكرى جميلة لا تُنسى ؛.


وأردف الرجل قائلا:

 وأمّا هذا الرجل المُتزلّف سالم الراس فهو يطمع أنْ يَشتهر بمجرد إقامة الجسر وفي نِيّته أنْ يخلف جَده دون عِلْمِه وهذا اسْتيراث مُبطن وتدريجي  ، فقد قَتل قبْلَه عبدالأعلى أبيه الأعلى وخلفه من بَعده وعزل ابن عبدالأعلى أبيه ومات الابن في عُزلته قبل أنْ يَخلف أباه ، وسالم هذا ، يُكَرّر نفس التجربة، يَعْزل جدّه عبدالأعلى ، إنها ذريّة تَقتل بعضها البعض طمعاً في السُلطة ، وفي هذه الأسرة خاصّيتين ، فرجالهم إمّا أنْ يموت مَقتولاً وإمّا أنْ يموت مَعزولاً .. وقليل من يَموت موتاً طبيعياً رحيماً ، وكل ذلك بسبب عين الماء التي أقامها عبدالأعلى الاوّل وجسر الماء الذي يُقيمه سالم الراس عن ذلك ليس ببعيد.


والحقيقة لقد تحدثت كثيراً في هذا الجانب بوصفي حكيم الوادي ولا زلتُ مُصِراً على رأيي مُسْتبطا دِلالة الحِكمة الراشدة وأقول:


ـ نحن لا نُريد جِسْراً مُتعرجاً، ونُطالب بإعادة تصحيح مساراته كأنْ يكون مُستقيماً فإنْ كان سالمٌ صادقاً فيما وعَدنا به ، وغير كاذب ولا مُفْتَر ، فليعمل عملاً صالحاً ، وذلك ما نطلبه منه وما نريده أنْ يستمر في الوادي.. فإنْ بدا سالم بالتجاوب معنا والتنازل عن قراره غير الصائب ففي ذلك خير كثير، وجنّبَنا الاختلاف، وأراحنا من الشِقاق، وبثّ في أنفسنا سُروراً ومودة.. وإنْ يَكُ صادقاً في قوله يُصِبْنا ببعض ما وعَدنا به، ويُحقق أُمْنياتنا ورجائنا.. فجِسْر الماء الذي أقامه لا صواب فيه، وضَرره أكبر مِن نَفعه.؛ وإنْ لم يفعل ما آمرُه به، فعليكم أنْ تَمْتنعوا عن التعاون معه او الاحتكام لرأيه وما جاءكم به، ليس إلّا فتنة أراد بها الشرّ في الوادي الصغير.

قال رجل مُتحمساً:


ـ إذنْ، نَهدم ما بناهُ سالم الراس ونُقيم جسراً يُشبه عين الماء التي بناها الجد الأول في وسط الوادي.؛ أو أن يُظهر لنا صِحة ما جاءنا به ويُبيّن لنا نيته النافعة.


قال رجل يُعرف بالأعور :

 

 ـ  صدقت فرأيكَ سَديد وقولك جميل ..فإنْ لم يكن كاذباً في قوله أو مُسْرفاً في صَنعته.. فلماذا يتعرّض لنا بصواب ما بناهُ ويراهُ لا ضرر فيه.؟ ولماذا يتمسّك برأيه ويُصِرّ عليه.؟

رد الرجل:

 

 ـ بالأمس فوجئت بجريان جارف على حافة الوادي ، وظننتُ بأنّ صُخور حاجز الماء تكسّرت وتناثرت وجسر الماء وعين الماء العميقة ، غمرتهما سُيول غزيرة وعاصفة مطرية شديدة نزلت على رؤوس الجبال.

وإني أجنح إلى رأي ، الأعور ، وأتمسّك برأيه الحكيم فالتّزمت لا نفع فيه ولا رجاء ويقود إلى العصبية، والتي ستجلب شرّاً مُطْلقاً وتَخلق فوضى عارمة ، وتفتح علينا بُؤر الشرّ والفتنة.. وعندها ستؤدي إلى ردّة فِعْل مُساوية للعُنف الذي بدأهُ إبن عبدالاعلى.. لذلك فالتعنّت عاقبته خيبة وخسران.؛


وأخشى أنْ تضعف قوّتنا إذا ما تغلغلت فينا الفِتن وانتشرت بيننا ،ثقافة التهديد والتطرّف ، وتنتقل نيران ذلك الهوس المُدمر لتحرق أرجاء  الوادي وقرية البحر وقرية التراث والحارات العشرة والأحياء المالحة المُتناثرة على سُهول الوادي الصغير.

قال رجل كثّ الشعر :


ـ وأنا أقف إلى جانب رشادة الحكمة التي أبداها الأعْور ، ولا أدري ما فائدة إقامة جسر ماء على جانب صخرة أقام عليها عبدالاعلى الأول عين ماء قديمة في عُمق الوادي وتسمّت بإسْمها "قرية عين الماء القديمة".. لذا أرى أنّ ما بناهُ سالم ابن عبدالأعلى كلمة حقّ أريد بها باطل.؛

  قال رجل شديد الصّرعة والحمق :

ـ هذا الجسر الذي بناهُ سالم الراس لن يُفيض عليكم إلا بالدّمار ، تخيلوا معي ، لو امتلأ الجسر بالماء ، كيف نُصرفه.؟ فأكثر من سيتضرر هي القُرى التي في عُمق ووسط الوادي كقرية التراث وقرية عين الماء القديمة، أما الحارات العشرة المُتناثرة وحيّ سيح المالح المُجاور لقرية البحر فيكون التأثير عليهما اقل ضرراً.؛

لذلك أرى  هدم الجسر وإبْقاء عين الماء القديمة التي بناها الجد عبدالاعلى الأول إنْ شئتُم .؛ وذلك حتى لا يَفِد إلينا رجالاً ويتزاحمون على وادينا الصغير ، فعين الماء التي بناها الجد الاول والجسر الذي أقامه سالم الراس هُما السبب الذي جعل ناس كثير يأتون إلينا من الشمال والجنوب ، ولسنا بحاجة للمزيد من الاكتظاظ والتزاحم على الماء ،دون أدنى شُروط ، وأخشى أن تتبخّر أحلامنا ونفقد آمالنا المعقودة عليها ، أو تُفضي إلى إكراهات وتوتّرات في منطقة الوادي الصغير.


وإنْ شِئتم ، فأنا سوف أغنيكم عنهما ، سأقِيم عين ماء عميقة جدًا وستكون ضَخمة تمتد إلى جسر كبير ، وأجعلها مُحصّنة ومُحاطة بأحْجار ضَخمة وواسعة لا تنضب أبدا ، فيفيض الماء عليها فيضاً ونشقّ نهراً لكل فيض من تلك القرى.. وبذلك نتشارك جميعاً في المنفعة. وسَموها إنْ شئتم بـ عين أبو صَرعة.؛

قال حكيم الوادي:


ـ كفاكم هُراء، كفاكم تمزّق وتفرّق .. فعين الماء التي بناها جدي عبد الأعلى كانت نافعة ومُفيدة جداً ، وجسر الماء الذي أقامه سالم الراس أشدّ ضررًا وأكبر خطراً على الوادي ومُجتمع الحارات والمُجتمعات المُجاورة كسيح المالح وقرية البحر وقرية التراث .. ثم دُلّوني ماذا يُريد ابن عبدالاعلى من صَنيعه هذا ، أنْ يَسْتأثر الماء علينا لمنافعه الخاصة ويُسَيطر على أرزاقنا وقراراتنا  ..أم هو فعلاً صادق النيّة في نفعه لمجتمع الوادي والمُجتمعات الأخرى ، فالحياة برمّتها شراكة وتعاون وتقارب وتواد ومنافع مُتداخلة ومُتبادلة تجري كمُستقر ثابِت ، هي كالماء تجري مِن أعلى إلى أسفل لكن ابن عبدالاعلى يُريدها من أسفل إلى أعلى .. يُريد أنْ يَسْتأثرها لنفسه ويَسْتحوذ عليها على حِسابنا ونكون دومًا تحت سَطوته وبحاجته وبلا حِيْلة لنا إلّا أنْ نتبعه كالقطيع.؛

وبذلك فنحن لا نتفق معه ونرفض الجسر الذي أقامه؛ وكما يُقال، سيْل ما يبلّك ما يهمّك.؛


     قال رجل من بيت عبدالاعلى عُرف بكبره وكبريائه على الناس وبه غُرور وعَنجهية ، يُمَجّد عائلة الجد عبد الاعلى ويرى أنها الأحق بالحُكم والشِّيْخة بسبب  الثوابت التاريخية ورواسبها المكانية التي تمتد من الوادي الصغير إلى قرية البحر والتراث ويرفض تغيير مُسَمّى حيّ المالح والحارات العشرة.. فهي جُزء من قُرى مُتعرجة وامتدادات لقرية البحر العميقة وهو أوّل مَن أطلق لُقب "آل الأعلى" على عائلة أبناء عبدالاعلى:

ـ أيها الرجال ، لقد بالغْتُم في ظنكم السيئ بالحُكم على عين الماء التي بناها جدّي الأعلى الأوّل وأفْرَطّتم في المُقارنة بينها وبين الجسر الذي أقامهُ سالم الراس وذلك لعمري فيه الكثير من التجنّي  ، فالجسر الذي أقامه سالم الراس، لا علاقة له بمنبع الماء "عين آل الأعلى " ولا مَصلحة له فيه وهو ليس بيننا الآن فنصدّقه أو نُكذبه ، هو من آل الراس أو أطلقوا عليه كيف شئتُم بـ آل سالم ، وسواء أكنتم على الخطأ أو لصواب فقد كنتم يوماً تثقون بسالم الراس ، وآل الأعلى كما يَعلم الجميع كانوا على خِلاف بآل سالم وجسر الماء الذي أقامه سالم الراس هو ليس عين الماء التي بناها جدي الأوّل الأعلى.. وإنْ لم يَركن سالمٌ إلى الحِكْمة والتعقّل ويتوقّف عن جرّ المُجتمع إلى الفوضى ، فنحن سنتخلّى عنه ونعتبره كمنْ باعَنا نحن  أهله ومكانة عزوته وشرفه آل الأعلى.؛


قال حكيم الوادي برويّة:

ـ مَهْلاً يا قوم واسْمعوا.. لن أرشدكم إلى القبول بجسر الماء الذي أقامه سالم الراس.. وما قام به رجال سيح المالح من جمع واحد وعزل وانفصال تام ، نستنتج منه، أنّ ابن الراس كانت له نيّة سَيئة ومُبَيّتة أصْلاً وتقوم على تقسيم الوادي الصغير وحاراته العشرة وقريتيه البحرية والتراث.

أيها الناس اسْمعوا وَعُووا وتفكروا ..أنّ جِسْراً بلا هويّة ولا تاريخ يُنتسب إليه ، ويَحمل في طيّاته شنآن من التفرقة وزيادة في الإنقسام والتشتت في الوادي الصغير،  ولا يزيد المُختلفين عليه إلاّ فرقة وافتتاناً وضَيْقاً  ،فإبن الراس يُريد أنْ يَكون ويُغَيّر كل تُراثنا وتقاليدنا ويأتي بتُراث مُختلف حتى عن تُراث جدّه الراس وهذا الرجل ـ وأشار إلى مُحاوره ذو الكِبْر والغُرور ـ ونحن جميعاً وكل الرجال ، نُريد أنْ تبقى قِيَمَهُ ثابتة وماكِثَة في عُقول وضمائر ذُرّيته من بَعْده..؛ بربكم أي الرأيين أحقّ بالاتّباع؟

مَشهد الغُروب يحمل بعضاً من حُزن يُخَيّم عليه لَيْلٍ طويل ، والانفس توّاقة إلى مَن يقودها نحو رأي سديد وعَقْلنة واعية تخدم الواقع وتُصْلح الحال ، بإسْم رجال يَحمون الوادي من الفِرقة والشتات.


يتبع 8

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

حتى لا يسيل بنا الوادي نارًا

ليسألَ الصَّادقين عن صدقهم

أذكر مرّة أثناء مشاركتي في إحدى جنائز شهداء الانتفاضة الثانية، والناس يهتفون: "بالروح بالدم نفديك يا شهيد"، أني لم أكن أهتف معهم. كنت صغيرًا وقتها، ولم أكن قد تدربت بعد على الكذب. نهرني رجل كنت أمشي بقربه: "لماذا لا تهتف معنا؟"، سألني مستنكرًا.

قلت له: "وماذا لو لم أفدِ الشهيد بدمي وروحي! ألا أكون قد كذبت عليه؟".

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هل اقتربت حرب الصين الكبرى؟list 2 of 2من البداية إلى النهاية.. قصة أحمد حسون مفتي البراميل والإعداماتend of list

"لا تتفلسف، افعل ما يفعله الناس، هل تظن أن الشهيد سيعود ليسألك؟".

مرّت الأيام، وقرأت في الجامعة قصة الطاهر وطّار: "الشهداء يعودون هذا الأسبوع"، وعلمت معها أن عودة الشهداء مرعبة، مرعبة جدًّا، إنّ عودتهم -لو حدثت فعلًا- كفيلة بشق المجتمع لقطع متناثرة، وهي تذكر بحال الأنبياء الأوائل؛ "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين".

إنّ المجتمعات التي اختارت عبودية الاستقرار بدلًا من عبودية رب دار القرار، تدفع أثمانًا باهظة، أكبرها نكران الذين رحلوا من أجل بناء ما هم فيه، وهذا النكران يتحول مع الوقت إلى لعنة يمكنك شمها كقيح في الفم؛ يتكاثر مع الكلام ويتعفن مع الصمت (جرّب استمع لأي مسؤول في السلطة الفلسطينية وستفهم قصدي).

المهم، أنّي تذكرت الرجل في الجنازة، الذي علّمني لأوّل مرّة أن الكلام لا فواتير عليه. لكن الشهيد على خلاف ذلك، فهو الدليل الأخير في الوجود على أن الكلمة لها قيمة.

ألم يصطف هذا الطابور الطويل من الأنبياء والربيون والشهداء فداء للكلمة؟ ألم تكن كلمة التوحيد تحديًا لاهوتيًّا صرفًا، بل وكانت على الدوام مغامرة خطرة ومكلفة؟!

وإن كنت تعجب من الحروب "الكلامية" التي تخاض باسم "العقيدة" على منصات التواصل الاجتماعي، فذلك لأن أحدهم يفضل هزيمة ميت في كتاب على منازلة حي يتحكم في الرقاب! ويفضل القتال على تأويل الكلمات، من أن يقاتل على ما ستؤول إليه الكلمات.

إعلان في يوم ذي مسغبة

ما كان شكل اليقين الذي حمله شاب مطارد في التسعينيات في فلسطين ليتجاوز أضخم "عقبة" مرّوا بها هو وشباب معه لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة؟ كانوا يفهمون أن "العقبة" لا يمكن تجاوزها إلا بـ"الاقتحام"، وكأن الهداية من أول يوم هي فعل عسكري. ما الذي كانوا يملكونه يوم خرجت الجموع بالآلاف تهتف لخيار "الختيار"؛ خيار "عقلية الدولة" الواعدة بـ"وهم الاستقرار"؟

في التسعينيات (ولكل حقبة عقبتها) بدا أن المطاردين الذين حملوا السلاح؛ "خارج التاريخ" ("داخل التاريخ وخارجه، هذه سلطة لا ينبغي أن يملكها غيرنا"، يقول الطغاة). عروض كثيرة قدمت لهذا الشاب وقتها، "سلم سلاحك، إن رفاقك باتوا اليوم بين شهيد وأسير وملتحق بالأجهزة الأمنية الجديدة"، قالوا له، وفعلًا، لم يبدُ وقتها أن ثمة أي أفق للقتال، لكن شهيدنا أجاب بالنفي معللا غايته النهائية: "حتى لا يسجل التاريخ أن الجميع قد استسلم وألقى السلاح".

مسألة "تسجيل التاريخ" هذه، لطالما نفرت منها، كنت أظنها "كليشة"، وهي "كليشة" بالفعل، لكن لماذا كلّما أمسك الشهيد بـ"كليشة" ما، أعاد بعث الروح فيها؟ ربما هذه واحدة من مهامه الجوهرية، أن يدافع عن أبسط الحقائق وأكثرها تكرارًا.

محمد الضيف (الجزيرة)

كان اسم رجل التاريخ هذا محمد الضيف، يحترف الانتظار الفعّال، وريثًا للذين قضوا نحبهم، يرى أن السبعة الذين حوله سيصبحون سبعين ألفا بإذن الله، وحين تحقق ذلك بعد ثلاثين سنة، قال بهدوء -وهو يشرح على الخريطة تحفته الأخيرة- "سنغير مجرى التاريخ"؛ التاريخ الذي ثابروا على طردنا منه، لكننا دخلناه، دخلناه عنوة.

الثناء من المحل الأرفع

حين سُئل الشيخ أحمد ياسين عن هدفه ذات مرّة، أجاب: "أملي أن يرضى الله عني".

وحين اغتالته "الأباتشي" الإسرائيلية وهو في طريق عودته من صلاة الفجر، استحالت عبارته هذه لشعار خط على الجدران والملصقات. وقتها كانت علوم الإدارة والتنمية البشرية والتخطيط في بداية أوجها، قلت لنفسي: "حسنًا، هذا هدف جيد، لكنه عام جدًّا، وغير محدد، ولا يمكن قياسه!".

إعلان

في العشرينيات من العمر، يبدو "الذكاء" أكثر الصفات جذبًا لنا، خصوصا إذا كان مصحوبًا بقدرة على استعمال اللغة، والأذكى هو الأكثر قدرة على إثبات تفرده، وبسبب مفاسد التعليم في عصرنا يثبت الذكاء نفسه عبر "التشكيك"، فالعقل الأكثر قدرة على السخرية من اليقينيات هو الأكثر ذكاء، والعقل الذي يتمرد على الجماعة هو الذي لم تحتمل الجماعة فرادته.

هكذا جرى تعريف العقل بعد أن فقد وظيفته، واستحال هو بذاته لموضوع، مع أنك لو تأملت في الذين أثروا بشكل عميق في عصرنا، لصعُب عليك تذكر جملة واحدة قالوها. خذ يحيى عياش مثلًا، الرجل الذي ربى جيل التسعينيات بأكمله، لم نره، ولم نكن نحفظ عنه جملة واحدة، وحين أفرج الغزاة بعد سنوات عديدة من رحيله عن مكالمة مسجّلة له مع أبيه، صُعقنا من هدوء صوته وخجله.

حسنًا، أين نكون بعد هذه الحقبة من العمر؟ أقصد بعد مرحلة العشرينيات من العمر، أي بعد أن لا يعود يهمنا كثيرًا إعجاب الآخرين بنا، أو بالأحرى بعدما لا يعود يشبعنا؟ إننا نبحث عن إعجاب من مستوى مختلف، من محل أرفع، حتى إن قيمة المرء تحدد من المكان الذي يطلب منه الثناء. في هذه الحالة يشكل التوحيد نضجًا نهائيًّا للشخصية، فما قيمة كل ذم أهل الأرض إذا نلت ثناء الملأ الأعلى!

بعد كل هذه السنين، تيقنت أنه لا يوجد شيء يمكن قياسه أكثر من جملة الشيخ: "أملي أن يرضى الله عني".

ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

في ظرف قحط وحاجة، وبينما كان النبي عليه السلام قائما يخطب يوم الجمعة بالناس، هرع الناس إلى قافلة جاءت محملة من الشام إلى المدينة المنورة، وتركوه خشية أن تفوتهم القافلة، ولم يبق إلا اثنا عشر رجلا في مكانهم.

فقال النبي الأكرم لمن بقي منهم: "والَّذي نفسي بيدِه، لو تتابَعْتُم حتَّى لا يبقى منكم أحَدٌ، لسال لكم الوادي نارًا".

ماذا لو أنهم قاموا كالآخرين؟ ماذا لو أن آخرهم لحق أولهم ولم يبق أحد؟  ماذا لو أنهم فروا جميعا في بدر؟ ماذا لو أنهم رفعوا راية بيضاء وسلموا المدينة في حصار الأحزاب؟

إعلان

في كل مفترق ضيق وصعب، تخلع القلة أعضاءها كي نمر خلفها. ثبات فئة قليلة يعصم وادي التاريخ من سيلان النار، وعبرهم يهرب اليقين كمادة منشطة تكفل استمرار الأمر.

ومن تقلبت فيه الأحوال والسنون ولم يحسن تربية يقينه وصيانته، فلن يتعلم شيئا على الإطلاق. ينظفه باستمرار ويزيّته، ويدفنه إذا ما تعرض لمداهمة؛ كقطعة سلاح نادرة هو "اليقين".

وبمقدار ما تخسر من حقائق تعتقدها بمقدار ما يقل وزنك، كعهن منفوش يتطاير الناس الذين فرّطوا فيه مع كل زوبعة لا ينتبه لهم أحد. وكثيرًا ما يتفتت يقين الناس على وقع خفة الآخرين، أولئك الذين لا يملكون حقائق تخصهم يدهشون إلى درجة الحسد من رؤية الثبات، وكأنه يذكرهم بفراغهم، بوزنهم، بغياب ما يهبونه أرواحهم.

الخسارة الحقيقية هي أن نمنح "أهل الخفة" أحقية تحديد الحقائق، تلك التي لا يملكون منها شيئا، فـ"أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس".

يثبّت الأوتاد على الأرض ويثبتونها، يحمون من بقي ما أمكنهم، في ظروف معتمة وشديدة العتمة، يخرجون من كل غبراء مظلمة، قلوبهم مصابيح الهدى، وحين يتحكم الطغاة في كهرباء العالم، تبقى هذه القلوب تنير لمن يريد رؤية الطريق. وكمقاتل في شمال غزة، يستيقظ لا يدري ماذا سيُفتح عليه، "الياسين" على كتفه وعقده التشغيلي مع الله؛ هكذا تكمل القلة عصمة وادي التاريخ من سيلان النار، فينا جميعًا.

المجادلة

ما قيمة مشكلة زوجية في بقعة جغرافية تستعد لقيادة العالم ويستعد العالم لحربها؟ أي عناية تتجه لأمر كهذا؟

لم يكن ثمة حل أرضي للمشكلة، ويبدو أن الطلاق قد وقع في صيغة ظِهار، ولم تجد الزائرة عند خير البشرية مبتغاها، لكن قلبها التفت للأعلى، هناك حيث تستودع الأمور المغلقة، وتبكي القلوب المفجوعة، فنزل جبريل عليه السلام من أجل خولة بنت ثعلبة، يحمل خلاصها.

قالت عائشة: "ما أوسع سمع الله"! وعن هذا السمع الدقيق، نقرأ سورة المجادلة إلى يوم الدين.

في هذه الأيام، يمر مشهد المرأة الغاضبة التي لا نعرف اسمها -لكن الله يعرفه- وهي تصرخ: "يا رسول الله لا تشفع لهم"! وحولها اختلطت أشلاء الناس بفتات الأبنية.

إعلان

"لا تشفع لهم"، تقصدنا جميعا، نحن الذين كنا على شاشة التلفاز وقت السحور، نشاهد قتل 180 طفلًا في أقل من ساعة!!

ولكن من "نحن"؟!

الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين؟

أم الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون؟

آه لو استطاع أحدنا أن يعرف… لربما ارتاح قليلًا.

 

مقالات مشابهة

  • ولاد الفنانين أغلبهم موهوبين.. مها الصغير ترد على الانتقادات التي وجهت لابنها ياسين أحمد السقا
  • هقابل الراس الكبيرة.. نص أقوال المتهمين في رشوة وزارة الري الجديدة
  • بدون قلة أدب.. مها الصغير ترد على انتقادات الجمهور لنجلها ياسين أحمد السقا
  • «المفروض نكبر».. مها الصغير ترد على منتقدي نجلها في مسلسل سيد الناس | فيديو
  • قصة الوادي الصغير (33)
  • عبدالله بن سالم يشهد حفل زفاف خليفة أحمد الشيخ
  • عاجل.. مارسيليا يطلب التعاقد مع ميدو الصغير رسميا
  • زمالك 2007 يهزم الأهلى بهدف ميدو الصغير
  • برلمانية تحرم أسرةً من الماء ببني ملال
  • حتى لا يسيل بنا الوادي نارًا