جنيف ما بين الصراع الدولي وأشواق شعبنا في السلام.. المأساة الإنسانية في السودان
تاريخ النشر: 25th, August 2024 GMT
جنيف ما بين الصراع الدولي وأشواق شعبنا في السلام.. المأساة الإنسانية في السودان
* عبد الجليل الباشا محمد أحمد
لاشك أن حرب 15 أبريل قد خلفت مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث أكدت التقارير الأممية والمحلية بأن عدد النازحين داخليا الذين تركوا ديارهم ومنازلهم قد بلغ 9 ملايين شخص، بينما لجأ عدد 2 مليون إلى الدول المجاورة بحثا عن الأمن والاستقرار، في حين بلغ عدد الذين لقوا حتفهم في هذه الحرب اللعينة حوالي 19000 وربما يفوق الموتى هذا العدد بكثير بحسب التصفيات والاغتيالات على أساس الهوية، لا سيما وأن هناك العديد من المفقودين الذين كان ومازال مصيرهم مجهولاً، هذا وقد بلغ عدد الجرحى 33000، وفوق هذا وذاك هناك 25 مليون مهددين بشبح المجاعة، في الوقت الذي بلغ فيه عدد المتأثرين بالسيول والأوبئة والأمراض حوالي 117000 حسب الاحصائيات الرسمية، هذا بالإضافة إلى الدمار والخراب الذي حل بالبنية التحتية والخدمية وتهتك النسيج الاجتماعي بسبب الاستقطاب الحاد وانتشار خطاب الكراهية وإثارة النعرات القبلية والجهوية بغرض تحويل الحرب إلى نزاع إثني شامل لايبقي ولا يذر، وحتى الذين يعيشون في السودان معاناتهم تزداد يوما بعد يوم نتيجة لندرة المواد الغذائية وغلاء الأسعار وانعدام السيولة والاعتقالات والملاحقات والمضايقات في الطرقات.
* جنيف مابين التفاؤل وخيبة الأمل:
في ظل هذه المعاناة جاءت محادثات جنيف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وبمشاركة دولية و‘قليمية واسعة مما أعطى الأمل لأهل السودان في إنهاء الحرب وتحقيق السلام الذي يسدل الستار على فصول مآسي النزاع الذي هدد البلاد في تماسكها ونسيجها ووجودها، فبالرغم من النجاح الذي حققته المحادثات في إيصال المساعدات الإنسانية من خلال فتح بعض المعابر الحدودية إلا أن السودانيين والسودانيات قد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة في فشل المفاوضات في تحقيق وقف إطلاق النار، فمهما كانت إلتزامات الأطراف فإن هذا الاتفاق معرض للانهيار في أي لحظة طالما أن الحرب مستمرة باعتبارها تشكل السبب الرئيسي في كل معاناة أهل السودان.
* لماذا فشلت جنيف في تحقيق وقف إطلاق النار؟
في تقديرى الشخصي هنالك أسباب عديدة لم تمكن محادثات جنيف من بلوغ سدرة منتهاها حسب الأهداف الثلاثة التي أعلنها الوسطاء وهي:-
أولا: غياب الضغط الكافي من قبل المجتمع الدولي والإقليمي وذلك بسبب صراع المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا على منطقه البحر الأحمر مما أعطى قيادة الجيش فرصة للمناورة والمساومة لتحقيق مكاسب متعلقة بشرعنة السلطة سواء كان بالاعتراف أو التسليح بدلاً من التركيز على السلام لإنهاء معاناة شعب السودان المغلوب على أمره.
ثانيا: سيطرة واختطاف الحركة الإسلامية لقرار الجيش، مع إصرارها على استمرار الحرب حتى تجد موطئ قدم في المعادلة القادمة وبالتالي كان لها دور كبير في غياب وفد الجيش عن جنيف، بيد أن ذلك لا ينفي أن الطموح الشخصي للبرهان في حكم البلاد مجددا يشكل القاسم المشترك بينه وبين الإسلاميين، علاوة على أن الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش في حربه ضد الدعم السريع مهما اختلف الناس حول موقفها فهي لن تقبل بأن يستخدمها البرهان (كبرازة شوك) وبالتالي سوف تصر على المشاركة في أي مفاوضات حتى يكون لها موطئ قدم في المرحلة القادمة.
ثالثا: غياب الصوت المدني الموحد.
رابعا: ضعف الحراك الشعبي والجماهيري المنادي بوقف الحرب على المستوى القاعدي.
* الخيارات المتوقعة بعد فشل جنيف في وقف إطلاق النار.
1- استمرارية وتوسعة دائرة الحرب على المستوى الإثني والجهوي.
2- الاتفاق بين الجيش والدعم السريع على إيقاف الحرب وتشكيل حكومة بعيدا عن المدنيين.
3- انتصار طرف على الآخر وفرض أجندته وهو خيار مستبعد في ظل معطيات الواقع في الميدان.
4- تقسيم السودان إلى دويلات صغيرة بحكومات متعددة على نحو ما يحدث في ليبيا.
5- تدخل المجتمع الدولي سواء كان بواسطة البند السابع او دولة منفردة بحجة رعاية مصالحها بما في ذلك أمنها القومي.
6- الخيار الأمثل هو الحل التفاوضي السلمي بمشاركة القوى السياسية الذي يوقف الحرب ويحقق السلام ويؤسس لعملية تحول مدني ديمقراطي في ظل بيئة سياسية تحكمها مبادئ الحكم الراشد.
* ما هو المطلوب لإيقاف الحرب وتحقيق السلام؟
أولا:- على المجتمع الدولي والإقليمي أن يحرر أزمة السودان من صراع المصالح حتى يتمكن من ممارسة ضغوط حقيقية على الأطراف وبالذات الممانعة من أجل التعاطي الإيجابي مع المبادرات والجلوس في طاولة التفاوض.
ثانيا: التوافق على رؤية شاملة لمخاطبة تداعيات الحرب وأسبابها الجذرية للحيلولة دون ترحيل الأزمة للأجيال القادمة.
ثالثا: توحيد القوى المدنية الداعية لوقف الحرب.
رابعا: التواصل الفعال مع المجتمع الدولي والإقليمي وكافة قطاعات الشعب السوداني من أجل تحقيق آماله وتطلعاته في السلام والاستقرار.
رابعا: العمل على محاربة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي ودعم التعايش السلمي.
خامسا: تفعيل وتنظيم العمل الشعبي والجماهيري القاعدي لإعلاء صوت وقف الحرب وبناء السلام.
ختاما نقول إن شعبنا يموت بالحرب والجوع والمرض والغرق، وعليه لابد من توحيد كل الجهود من أجل محاصرة دعاة الحرب داخل وخارج الوطن والعمل الجاد على وقف الحرب وتحقيق السلام، فالواجب الديني والوطني والأخلاقي والإنساني يحتم علينا بذل الوسع كله لرفع المعاناة عن كاهل شعبنا مهما كان الثمن، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وقديما قيل ما حك جلدك مثل ظفرك.
* مساعد الرئيس للشؤون الولائية بحزب الأمة القومي
Email:- abdelgaleel.albasha.mohammed@hmail.com
الوسومالحركة الإسلامية السعودية السلام السودان الولايات المتحدة حرب 15 ابريل 2023م حزب الأمة القومي عبد الجليل الباشاالمصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الحركة الإسلامية السعودية السلام السودان الولايات المتحدة حرب 15 ابريل 2023م حزب الأمة القومي المجتمع الدولی وقف الحرب
إقرأ أيضاً:
في ذكرى اندلاع حرب اليمن: كيف تغيرت جماعة الحوثيين خلال عقد من الصراع؟
مراحل عدة من الصعود والهبوط مرّت بها جماعة (أنصار الله) الحوثية في اليمن، المدعومة من إيران، وذلك خلال سبعة أشهر من اجتياحها المسلح للعاصمة صنعاء في الـ 21 من شهر سبتمبر/أيلول 2014، وطوال عشر سنوات من الحرب التي خاضتها مع الحكومة اليمنية الشرعية بمساندة تحالفٍ عربيٍ قادته الجارة، المملكة العربية السعودية.
في إفادته لبي بي سي، يعتبر رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث، عبد السلام محمد، جماعة الحوثي بأنها "ولدت ونشأت خلال السنوات العشر الأولى من عمرها بين 2004 و 2014 كجماعة مسلحة تعتمد نهج التمرد المسلح وحرب العصابات وتحمل فكراً عصبياً عنيفاً يؤمن بالسلاح والقوة لتحقيق الأهداف، وترفع شعار الموت وترتبط في المصالح باستراتيجية إيران في المنطقة."
ويرى محمد أنه منذ نجاح انقلاب الجماعة على الدولة اليمنية انقضت حتى الآن عشر سنوات وجدت ذاتها داخل الحكم، وعليها مسؤوليات ليست مهيأة لها "لذلك فشلت في التحول الديمقراطي والسياسي وتهربت من الحوار ومن الالتزامات المالية والاقتصادية أمام اليمنيين، فالجماعة كحركة مسلحة لا ترى التمكين والبقاء إلا في الحرب، بينما خيارات السياسة تؤدي بها إلى التفكك والفشل، لهذا حاربت التغيير وبقيت على أسلوبها الدموي والعنيف، لضمان بقاء السيطرة على الدولة والناس"، بحسب تعبيره.
بدوره يلخص الباحث السياسي اليمني لطفي النعمان أهم نقاط التحول في مسار جماعة الحوثيين بعدة نقاط، أولها التحول من أقلية مضطَهَدة إلى جماعةٍ تمارس الاضطهاد بحق غيرها، إضافة إلى البروز في الذهن الشعبوي كحركة مدافعة عن السيادة داخليًا وكمناصرة ومساندة لأهم القضايا العربية خارجياً. وأدت النقطة السابقة إلى زيادة الانتفاخ بتوهم الدور السياسي المؤثر إقليميًا ودولياً، بحسب ذات المصدر.
ويرى النعمان أن عناصر القوة التي اكتسبتها جماعة الحوثيين خلال عقدٍ من الصراع تمثلت في "الثبات والحضور على الأرض والتماسك الداخلي ـ خلافاً للحكومة الشرعية المناوئة لها - واستغلال الظروف الخارجية لترسيخ وجودها وإبراز حضورها كمدافع عن السيادة والاستقلال.. كما تروج الجماعة".
من جانبه يوجز الباحث في شؤون الجماعات الدينية، عاصم الصبري، عناصر القوة لدى الحوثيين اليوم بمجموعة من العوامل، أهمها:
الهيكلية الهجينة (الجماعة/الحكومة) تمكنهم من تحقيق توازن بين الاستفادة من الدولة والاحتفاظ بمرونة الميليشيا.
القدرة العسكرية المتطورة: شهدت الجماعة تطوراً لافتاً في تكتيكاتها العسكرية، لا سيما في استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
الدعم الخارجي: استمرار تلقي الدعم من إيران وحزب الله، مما عزز قدراتها العسكرية والاستخباراتية.
السيطرة على الموارد الداخلية: استغلال المؤسسات الاقتصادية والتجارية في المناطق التي يسيطرون عليها لتمويل عملياتهم.
الخلفية التاريخية للجماعة
خرج الحوثيون في البداية عما عرف بـ "تنظيم الشباب المؤمن" ذي المذهب (الزيدي) وهو أحد مذاهب الشيعة المعتدلة الأقرب للسنة، وسرعان ما تحولوا إلى جماعةٍ مذهبيةٍ أقرب إلى الشيعة الجعفرية الإثني عشرية، لكن التغير الأهم في تجربة الجماعة أنها تحولت إلى تنظيمٍ عقائدي جهادي مسلح استفاد من الدعم الإيراني، المباشر وغير المباشر بواسطة حزب الله اللبناني، في خوض ستٍ من الحروب الشرسة مع نظام حكم الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.
حروب صعدة الست السابقة
بدأت الحرب الأولى بين قوات الجيش اليمني وجماعة الحوثيين في يونيو/حزيران العام 2004 حيث أسفرت عن مصرع زعيم الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، ثم توالت هذه الحروب واتسع نطاق عملياتها ليشمل محافظات مجاورة أخرى لصعدة كالجوف وحجة وعمران.
ومرت الجماعة بفترة من التبدلات منذ عام 2010، يعلق عليها الصحفي الباحث في شؤون الجماعات المسلحة، عدنان الجبرني بقوله إن جماعة الحوثيين بدأت بإجراء "تغييرات منهجية في هيكلها التنظيمي، وطريقة تفكيرها، وأساليب عملها، لدرجة أن هذه التحولات أصبحت غير مفهومة تمامًا للجميع."
سقوط نظام صالح
خلال الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الراحل صالح بعد نحو عامين، استغلت جماعة الحوثيين الاضطرابات التي عمت البلاد لإعادة تنظيم صفوفها وتهريب الأسلحة إلى معاقلها في محافظة صعدة، وذلك عبر وسائل ومنافذ برية وبحرية متعددة من بينها ميناء (ميدي) بمحافظة حجَّة الواقعة شمال غربي اليمن على البحر الأحمر بالقرب من الحدود مع الجارة السعودية.
وبحسب الكثير من المعلومات فقد كانت إيران المصدر الرئيسي لتوريد الأسلحة وأجهزة الاتصالات إلى الحوثيين من هذا الميناء ومعاير أخرى مختلفة، وكذلك سوق السلاح المحلية التي تشتهر بها محافظة صعدة.
الاستيلاء على السلطة
خرجت الجماعة عن الإجماع الوطني الذي تشكل من خلال مؤتمر للحوار رعته الأمم المتحدة، دافعةً بجحافل من أتباعها القبليين ومسلحيها نحو صنعاء، تحت شعار الاحتجاج على ارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشة بعد جرعةٍ من الزيادات في أسعار المشتقات النفطية قررتها الحكومة الانتقالية وقتذاك برئاسة "محمد سالم با سندوة".
غير أن كل ذلك، كما اتضح لاحقاً، كان مجرد ذريعة للتقدم نحو صنعاء بعد اكتساح محافظة عمران، لينتهي الأمر باجتياح أتباع ومسلحي الجماعة لصنعاء، العاصمة اليمنية، ووضع الرئيس الانتقالي "عبدربه منصور هادي" رهن الإقامة الجبرية في منزله قبل أن يتمكن من الفرار إلى عدن، جنوب البلاد، التي أعلن عنها "عاصمةً مؤقتة" واندلعت بعد ذلك شرارة الحرب، ليلة السادس والعشرين من شهر مارس/ آذار 2015.
عن تحولات الجماعة في زمن الحرب
خلال العقد الأخير، يرى الصحفي والباحث اليمني في شؤون الجماعات الدينية عاصم الصبري، أن الحوثيين تحولوا "من مجرد جماعة مسلحة إلى كيان يجمع بين صفات الميليشيا والدولة، في ما يمكن وصفه بنموذج "الجماعة/الحكومة". فمنذ عام 2018، أعادت الجماعة هيكلة بنيتها الداخلية بحيث أصبحت جزءًا من مؤسسات الدولة، مما مكنها من الاستفادة من مواردها دون الالتزام الكامل بمسؤولياتها".
الوضع الجيوسياسي للجماعة
رغم دحر جماعة الحوثيين من معظم المحافظات في جنوب البلاد في بدايات الحرب العام 2015 إلاّ أنها كما يرى باحثون في الشأن اليمني كانت "لا تزال تتمدد على مساحة جغرافية واسعة في الشمال الغربي لليمن الذي يشرف على ثلاثة موانئ في محافظة الحديدة وميناء (ميدي) في محافظة حجة، كما تهيمن على عدد من الجزر في البحر الأحمر أهمها جزيرة (كمران) الاستراتيجية" ويقطن في مناطق سيطرة الحوثيين نحو سبعة ملايين نسمة، تشكل تعاملاتهم الحياتية ووارداتهم المالية مصدر دخل مادي كبير للحوثيين.
يرى خبراء عسكريون أن جماعة الحوثي المسلحة أصلاً كانت قد ورثت ترسانةً لا يستهان بها من أسلحة الجيش اليمني ومعسكراته وبناه التحتية، إلاًَ أنها بفعل الدعم الإيراني زادت على ذلك بإنشاء صناعة حربية محلية، كما تدعي، مكنتها من انتاج منظومة متنوعة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والذخائر المتفجرة فضلاً عن انتاج الذخائر والألغام الأرضية والبحرية.
لكن الأهم من كل ذلك هي الخبرات التي راكمها الحوثيون، سواء الذاتية أو المكتسبة من دعم طهران وإسناد حزب الله اللبناني، ومن تلك الخبرات القدرة على التمويه والتخفي خارج نطاق المعسكرات والمواقع الأمنية المعروفة التي استهدفها سابقاً التحالف العربي أو التي تقصفها اليوم كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.
يقول الباحث والصحفي عدنان الجبرني، إن "إحدى نقاط قوة الحوثي هي أنه لم يتم فهمه بالشكل الصحيح" من قِبِل خصومه في الداخل والخارج.
ويضرب الجبرني مثالاً على ذلك بقوله "الحوثي يصنع الجناح الأيمن للطائرة المسَّيرة في منطقة معينة والجناح الأيسر في مكانٍ بعيد آخر، ويصنع محرك الطائرة في موقعٍ مختلف، ويتم ذلك من خلال مجموعةٍ صغيرة من عناصره تعمل بعد ذلك على تجميع وتركيب الطائرة." ويؤكد الباحث الجبرني أن "الحوثي لا يمتلك قواعد عسكرية بل عدداً من الكهوف ينحتها في الجبال في مناطق "نشور وآل زائد" في صعدة أو منطقة "حرف سفيان" ويعمل كل ذلك بطريقةٍ لا تظهر للعيان." وتتعذر مراقبة تلك الكهوف أو رصد حركة الدخول إليها أو الخروج منها، حيث تستخدم لتخزين الأسلحة، ومراكز للقيادة، ومخابئ لقادة الجماعة تحميهم من خطر الاستهداف بالاغتيال أو بالضربات الجوية.
إخفاقات ونقاط ضعف
في مقابل ما يعتقد الحوثيون أنها نجاحات لهم مكنتهم من "الصمود" خلال السنوات العشر الماضية من الحرب، إلاَّ أنهم يواجهون اليوم عوامل ضعفٍ وإنهاك وارتباكٍ خطيرة جاءت نتاجاً لمجمل ممارساتهم الداخلية والخارجية.
أصبحت الجماعة مع مرور الوقت أكثر استبداداً وانغلاقاً، كما يصفها الباحث في مركز صنعاء للدراسات، صلاح علي صلاح "واستطاعت ترسيخ نظام قمعي كمم الأفواه وضيق الحريات وفرض قيوداً عقائدية وإيدلوجية متشددة لا تتوافق مع قاعدة عريضة من المجتمع اليمني."
أما خارجياً فيضيف صلاح أن جماعة الحوثيين "على الرغم من قدرتها على حجز موقع متميز لها في التوترات الإقليمية خصوصا الأخيرة إلاَّ أنها ساهمت في عزل نفسها سياسياً ودبلوماسياً، وتسببت لنفسها في عقوبات غير مسبوقة وحولت ذاتها الى أداة صراع خارجية تهدد مستقبلها وستقبل اليمن كدولة مستقلة."
ومنذ انخراطها في ما سمي بـ "محور المقاومة" والهجوم على إسرائيل وخطوط الملاحة العالمية بعد الـ 7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تعرضت الجماعة كما يقول الباحث عاصم الصبري "لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، خاصة بعد تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما جعل شبكتها المالية أكثر انكشافاً وعرضة للعقوبات الدولية."
ورغم استفادتها من الدعم الإيراني، فإنها "لا تملك القدرة على التحمل طويل الأمد مثل دول قوية كإيران وكوريا الشمالية، ولا تستطيع الانفصال التام عن النظام الدولي كما فعلت تنظيمات مثل القاعدة وداعش،" كما يقول الصبري.
يضيف عبد السلام محمد أن "دموية الحركة أدت إلى تقليص الحاضنة الشعبية وأدت الأزمات الاقتصادية إلى صناعة صورة نمطية مرتبطة بالجوع والحرب والمرض والموت، وذلك نتيجة استنزاف الجماعة مقاتليها في الحروب وارتباك قياداتها في حالة الهدنة ما انعكس على ضعف الجماعة التي حاولت الهروب إلى مستنقع الدم والحروب مع العالم فقطعت طريق الملاحة الدولية وتحولت إلى مهدد للأمن الإقليمي والدولي."
كيف يعبر الحوثيون عن مواقفهم وتبدلات جماعتهم؟
منذ بدء الحملة العسكرية ضد جماعة الحوثيين في الـ 14 من شهر مارس/آذار الجاري توارى جميع قادة المستوى الأول والثاني للجماعة تقريباً عن الأنظار، وابتلعتهم كهوفهم الجبلية وأنفاقهم الأرضية المحصنة، وتعذر الاتصال بأي منهم، وسوى المتحدث باسم الجماعة، المقيم في سلطنة عمان، محمد عبدالسلام، ويحيى سريع الناطق باسم القوات التابعة لها، لم يتبق سوى قيادات من الصف الثالث اختفت حتى عن وسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى للجماعة الذي نصبَّه الحوثيون "رئيساً للجمهورية" في مناطق سيطرتهم تحدث مساء أمس الاثنين، عشية ذكرى الحرب، في خطابٍ مكتوب، قالت وكالة (سبأ) الخاضعة للجماعة إنه "وجَّهه للشعب اليمني بمناسبة اليوم الوطني للصمود 26 مارس/آذار 2025" وقال فيه إن "يوم الصمود الوطني يأتي لتكتمل عشر سنوات من جهاد الشعب اليمني وصبره وثباته وصموده الأسطوري." وأضاف متسائلاً: "من ينسى كيف تعرّض بلدنا الحبيب في مثل هذا اليوم لعدوان خارجي مسنوداً بتحالف دولي وإشراف أمريكي وصمت أممي، دون أي مبرر أو مشروعية، وها نحن نجدد الاحتفاء بالثبات، والصمود الذي كسرنا به -بفضل الله- وسنكسر به إلى ما شاء الله كلّ من يهدف إلى كسر إرادة هذا الشعب وتركيعه واحتلال أرضه، وإعادة الوصاية الخارجية عليه بعد تحرره في ثورة 21 سبتمبر/أيلول المجيدة 2014."
وبحسب الوكالة فقد "وجَّه الرئيس المشاط رسالة إلى النظام السعودي قائلاً "إذا كان صادقاً في دعواه وحريصاً على السلام والأمن في المنطقة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية فعليه أن يمضي قُدماً في تنفيذ الاتفاقات التي تقود نحو تحقيق السلام الشامل والدائم، وتنفيذ متطلباته المتمثلة في وقف العدوان، ورفع الحصار، وانسحاب القوات الأجنبية بشكل كامل من الأراضي اليمنية، ومعالجة ملفات العدوان فيما يتعلق بالأسرى والتعويضات، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار."
يذكر أن الاتفاقات التي أشار إليها المشاط كانت قد جرت عقب توقف هجمات التحالف الذي قادته السعودية على الحوثيين بعد سبع سنوات من الحرب، كما جرى التوصل بعد ذلك إلى اتفاق بين الجانبين على هدنةٍ لا تزال سارية رغم هشاشتها.
اتفاق الهدنة هذا جرى التوصل إليه خلال زيارة قام بها السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر إلى صنعاء، في العاشر من ابريل/نيسان 2023، حيث قال عقب الزيارة "إن لقائه مسؤولين حوثيين بحضور وفد من سلطنة عُمان في العاصمة صنعاء، هدفه "تثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار" وصولا إلى "حل سياسي شامل ومستدام" للأزمة في البلاد، التي مزقتها الحرب لسنوات ممتدة.
يذكر أن جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لم يكن طرفاً في ذلك الاتفاق السعودي مع الحوثيين.
أما عن موقف الجماعة من العمليات العسكرية الأمريكية الجارية في اليمن فسبق أن عبَّر عنه أحد صقورها القيادي حسين العزي بعد أيامٍ فقط من العمليات العسكرية الأمريكية بقوله " الحل واضح وسهل للغاية ولا يحتاج لفرقاطات ولا لأي عنجهيات منافية للأخلاق والقوانين. بإمكان أمريكا وقف هجماتنا والتخلص من قرار حظر السفن بوقف عدوانها على اليمن، وإدخال كافة المساعدات الإنسانية - المنقذة للحياة - إلى أهالي غزة المظلومين" على حد تعبيره.
واقع الجماعة ورمزية زعيمها
في حسابه على موقع فيسبوك وصف الإعلامي أحمد المؤيد، المتحدر من محافظة صعدة، زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، بقوله "كان هذا الشاب يقف في أرضٍ جرداء، بلا مأوى، بلا مؤن، يقتات على القليل، لكنه يملأ الدنيا حديثًا عن الخطر القادم من وراء البحار، عن ضرورة يقظة الأمة، عن معركة لا تحتمل التردد ولا الخوف."
وأضاف المؤيد "عام بعد عام، كانت الحروب تعصف به واحدة تلو الأخرى، كل واحدة أشد قسوة من سابقتها، لكنه لم ينحنِ. لم يتراجع. لم يتخلَ عن فكرته". هذا وترى الجماعة أنها اليوم "في حالة حرب مفتوحة مع كل من إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة وبريطانيا" ولا تكف عن التهديد بمواجهة مع هذه القوى بكل ما يتوفر لديها من إمكانيات وقدرات.
يذكر أن أوساط الجماعة، بعد عقد من الحرب، كانت قد دأبت على وصف نفسها بأنها أصبحت "قوةً إقليمية ينبغي التعامل معها مباشرة" بل و"الاعتراف بها كحكومة" تمثل اليمن وشعبه، من قبل جوارها في منطقة الخليج وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، متجاوزة بهذا خصومها في الداخل، وعلى رأسهم الحكومة "الشرعية" المعترف بها دولياً، ولا تبحث الجماعة، في رأي كثير من المراقبين والمحللين، عن حلٍ سياسي للنزاع الداخلي بل عن صفقةٍ أكبر مع الجوار العربي والعالم.
خطران اثنان
خلاصة ما يمكن استنتاجه من إجابات على أسئلة في هذا الشأن طرحتها بي بي سي على عدد من الباحثين والدارسين في شؤون جماعة الحوثيين فإن أكثر المتغيرات التي تواجهها الجماعة يتمثل في أمرين، بحسب آراء هؤلاء. أحدهما يكمن في تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجماعة الحوثيين بتفكيكها كتنظيم وزوالها كجماعة مسلحة وليس فقط الاكتفاء بإضعاف قدراتها العسكرية.
يتوقع بعض المراقبين في اليمن والمنطقة والولايات المتحدة وبريطانيا أن يتم الانتقال من مرحلة عض الأصابع الجارية حالياً بين الجانبين الأمريكي والحوثي إلى معركة تكسير العظام.
يبدو ذلك خطوة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل للتحول لاحقاً نحو إيران، وهو أمرٌ مرجح بقوة إن لم يكن حتمياً، طال الزمن أم قصر، خصوصاً إذا لم يتم احتواء التوتر المتصاعد بين إيران من جهة وإسرائيل والقوى الغربية من جهة أخرى حول برنامج طهران النووي في أقرب وقت ممكن.
أما ثاني هذين الخطرين اللذين تواجههما جماعة الحوثيين فيمكن تحديده في احتمال أن تتعرض حليفتها إيران لهجوم أمريكي ماحق، وهو ما سوف يشكل تهديداً شبه وجودي لحاضر ومستقبل إيران والحوثيين معاً، بالإضافة إلى ما يمكن أن يكون له من انعكاسات بالغة الخطورة على مستقبل الوضع في اليمن وسائر دول منطقة الشرق الأوسط.