فن «المقامات» من الهمذاني إلى الحريري!
تاريخ النشر: 24th, August 2024 GMT
إيهاب الملاح
(1)
كانت النقلة أو إذا شئنا الطفرة من «مقامات الهمذاني» إلى «مقامات الحريري» كبيرة جدًّا وملهمة، فقد أصبح لدينا فن عربي «أصيل» يظهر نصه المؤسس في صورة كاملة وناضجة (خمسين مقامة تقريبا للهمذاني)، ثم يكون هذا النص أبا شرعيا لنص آخر يستلهم الشكل ويحتذي الخطى، ويقدم مقاماته بمحتوى ذي خصوصية ثقافية وجمالية ولغوية بالغة!
نحن نتحدث إذن عن «مقامات الحريري» التي حازت من الشهرة والقبول والذيوع ما لم تحزه مقامات الهمذاني حتى وقتٍ قريب! وقد بلغ من شهرة «مقامات الحريري» وذيوعها وانتشارها أن عكف عليها الشراح واللغويون شرحًا وتفصيلًا وتحليلًا.
ومن أطرف ما قرأت في هذا الشأن (بعيدًا عن أي توثيق تاريخي أو حصر دقيق) أن «ديوان أبي الطيب المتنبي» و«مقامات الحريري» يتربعان على عرش أكثر النصوص شرحًا في الأدب العربي.. فقد بلغت شروح «مقامات الحريري» خمسة وثلاثين شرحًا بحسب كتاب «كشف الظنون» لحاجي خليفة. أما «ديوان المتنبي» فقال ياقوت الحموي «ولم نسمع بديوان شعرٍ في الجاهلية ولا في الإسلام شرح هكذا بهذه الشروح الكثيرة سوى هذا الديوان».
(2)
هذا وقد توقف عندها أيضًا (أي مقامات الحريري) الدارسون والباحثون في العصر الحديث، ومنهم المرحوم شوقي ضيف في تاريخه الكبير للأدب العربي، وفي (الفن ومذاهبه في النثر العربي)، وفي كتابه التعليمي عن «المقامة». ولا أتصور أن دارسا مبتدئا مقبلا على قراءة الأدب العربي ونصوصه والإلمام بمعالمه لا يتوقف أمام ما كتبه شوقي ضيف ذلك أنه عتبة لا غنى عنها (فيما أظن).
كذلك من بين أبرز وأهم الباحثين الذين أولوا «مقامات الحريري» اهتمامًا ملحوظا المرحوم محمود فهمي حجازي الذي كتب دراسة بارعة عن «مقامات الحريري» في تراث الإنسانية، وقدَّم فيها تحليلا تاريخيا ولغويا رفيعًا للمقامات ومضمونها وقيمتها اللغوية، وأبرز ما حملته لنا من ثروة لغوية مهولة كان البعض يرى أنها زائدة على الحد ومفرطة في التعقيد والصعوبة!
ولم تبعد المقامات (سواء تلك التي كتبها الهمذاني أو الحريري) عن اهتمام طائفة من أهل النقد والتأويل المعاصر، فتوقف بعضهم عندها متأملا مستجليا معانيها ودلالات إنتاجها وما تحمله في باطنها من ثروة ثقافية اجتماعية إذا جاز التعبير.. وكذلك طائفة من الدراسات الأجنبية التي توقفت عند الجانب الثقافي من المقامات وقارنت بين مقامات البديع والحريري من منظور ثقافي اجتماعي، فالبديع ابن القرن الرابع بسياقه التثاقفي الكوزموبوليتاني، والحريري ابن القرن السادس الذي جرت فيه الحياة والثقافة والسياسة في العالم الإسلامي جريا متسارعا نحو تحولات مفصلية أدت إلى إعادة تشكل هذا العالم ورسم خرائطه رسما جديدا.
(3)
وعلى سبيل المثال.. ها هو الأستاذ الراحل الجليل الدكتور مصطفى ناصف أستاذ البلاغة والنقد بجامعة عين شمس يشدد ويلح في التشديد على أن الكلام ما زال موصولًا في أهمية «مقامات بديع الزمان»، و«مقامات الحريري»..
يقول: «فما يزال أمامنا هذا الروح الغريب الذي تألف من الخضوع والإباء مندمجين أو متعابثين. إن القارئ ما يزال محكوما بفكرة الألاعيب لا يكاد يتشكك فيها، ثم هو لا يتردد في إطلاق كلمات من قبيل التعفن والانحطاط. ماذا عسى أن يجد في ظل التضاد مع البلاغة العربية، وما دام القارئ الأوروبي لا يكاد يهتم اهتمامًا متواصلا ببلاغتنا فمن حقنا مع الأسف أن ننتظر حتى يأتينا الضوء الأخضر، يجب أن نبدأ عهدا جديدا من التأملات التي تفض مغاليق نستهين بها استهانة مخزية».
وهكذا يرى ناصف في المقامات حلما من الأحلام [الغريبة] حول رجل غريب الأطوار مجهول القدر يُضطر إلى الاستمالة، وهو في قرارة نفسه متكبر عنيد: وهو يرى في «المقامات» (سواء كانت للهمذاني أم للحريري) مراجعات لتاريخ الشخصية العربية، مراجعات ترمي إلى التحرير، تحرير الذات وتحرير الروح وتحرير العقل، من خلال ملامح لا تخلو من طفولة وجرأة واتهام. ثم يتساءل: ما السر الكامن وراء الولع بمقامات بديع الزمان ومقامات الحريري؟
وينفي ناصف عن «المقامات» أن تكون مقصورة فقط على الغاية التعليمية اللغوية كما أجمع مؤرخو الأدب «أنريد فحسب أن نتعلم الكلمات تعلمًا معجميا قاصرا أم نريد أن نستلهم من الكلمات شيئا مقلقا غامضا يحاورنا في خفة وإصرار. كيف وجد الشيخ محمد عبده شرح المقامات جزءا من وظيفته واهتمامه بإيقاظ الروح.
هذا سؤال يجب أن يطرح دون استخفاف».
ولا يبطل التأمل في مقامات بديع الزمان: فهل كان أبو الفتح السكندري شخصا واحدا يختلف عن غيره من الأشخاص، أم كان له نصيب في كل واحد من القراء؟ وهل كان أبو الفتح طبقة من طبقات الوعي والسلوك..
أو بعبارة أخرى هل أراد بديع الزمان أن يقول إن لكل منا ظاهرا وباطنا. كل فرد يمثل حالة من حالات التأويل. هل ثمّ فرق بين أبي الفتح الإسكندري ولغة بديع الزمان؟
هذه مجرد عينة من تساؤلات ناصف التأويلية والوجودية حول نص المقامات من منظور مغاير تماما للمنظور التقليدي سواء كان تأريخيا أو لغويا
(4)
تعد «مقامات الحريري» في نظر الباحثين والدارسين أهم نموذج أدبي ظهر في العصر العباسي الثاني بعد نماذج أبي العلاء النثرية (كما تجلت في «رسالة الغفران» وفي «رسالة الصاهل والشاحج»)، وقد أخذ الناس يشيدون بمقامات الحريري منذ ظهورها، وعبروا عن هذه الإشادة، بعباراتٍ مختلفة، يورد الدكتور شوقي ضيف بعضًا منها، وننقلها عنه لأهميتها من ناحية، ولبيان القيمة المركزية لمقامات الحريري؛ أدبيًّا ولغويًّا، التي احتلتها في الأدب العربي منذ ظهورها، من ناحية ثانية.
لعل من أطرف ما جاء بشأنها نقلًا عن الزمخشري، وكان يعيش في عصر الحريري تقريبًا، ما يرويه:
أقسم بالله وآياته ومشعر الحج وميقاته
إن الحريري حري بأن نكتب بالتبر مقاماته
أما ياقوت الحموي في معجمه، فيقول: إن الحريري أبر بكتاب المقامات على الأوائل، وأعجز الأواخر، ويقول أيضا: لقد وافق كتاب المقامات للحريري من السعد ما لم يوافق مثله كتاب؛ فإنه جمع بين حقيقة الجودة والبلاغة، واتسعت له الألفاظ وانقادت له البراعة.. حتى لو ادعى بها الإعجاز لما وجد من يدفع في صدره، ولا من يرد قوله، ولا يأتي بما يقاربها فضلًا عن أن يأتي بمثلها، وقد رزقت -مع ذلك- من الشهرة وبعد الصيت، والاتفاق على استحسانها من الموافق والمخالف ما استحقت وأكثر». أما ابن خلكان في وفياته فيقول عن الحريري إنه «رزق الحظوة التامة بعمل المقامات».
ويبلغ عدد مقاماته خمسين، وهي كمقامات البديع، كلها حكايات درامية تفيض بالحركة التمثيلية، وإن كان الحريري لم يقصد بها إلى القصص من حيث هو، وإنما قصد بها إلى تعليم الناشئة الأساليب الأدبية، وقد بناها على الرواية إذ يروي الحارث بن همام أحاديثها، ويقول ابن خلكان: إنه عنى بهذا الحارث نفسه أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث، وكلكم همام»، والحارث: الكاسب، والهمام: كثير الاهتمام،
أما الأديب المتسول الذي تُروى عنه المقامات، والذي يقابل عند الحريري أبا الفتح السكندري عند بديع الزمان، فهو «أبو زيد السروجي»، وهو من أهل الكُدية الذين احترفوا التسول متخذين وسيلتهم إلى ذلك الحلب بصوغ اللسان، وسحر البيان،
وقد صور الحريري في المقامة الساسانية دواعي هذا التسول، ودوافعه، ويزعم ياقوت الحموي في معجمه وكذلك ابن خلكان أن شخصية أبي زيد السروجي شخصية حقيقية، ولكن الباحثين المحدثين يتهمون ذلك ويردونه؛ لأنه لا مبرر له، وما أبو زيد إلا كأبي الفتح السكندري صاحب بديع الزمان الهمذاني، بل كأي بطل لقصة أخرى، ليس من الضروري أن يكونوا معبرا عن حقيقة خلفه..
(وللحديث بقية)
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الدنيا ربيع والجو بديع.. طقس دافئ فى أسوان ثالث أيام العيد
الدنيا ربيع والجو بديع.. هذا هو الحال داخل محافظة أسوان اليوم، الأربعاء، حيث تشهد طقسا دافئا وغيوما متقطعة تغطي سماءها في ثالث أيام العيد، وسط تحسن فى الأحوال الجوية واستقرار الطقس بعد عاصفة ترابية ضربت المحافظة أمس، الثلاثاء، وأدت إلى حجب الرؤية وانتشار الأتربة.
وانخفضت درجات الحرارة اليوم، الأربعاء، فى محافظة أسوان بمقدار 10 درجات مئوية، وسجلت العظمى اليوم فى أسوان 32 درجة مئوية، بينما سجلت الصغرى 19 درجة مئوية.
الأحوال الجويةكان اللواء دكتور إسماعيل كمال، محافظ أسوان، وجه المسئولين برفع درجة الاستعداد القصوى للتعامل مع حالة الطقس المتقلبة، حيث قامت الجهات المختصة بإغلاق حركة الملاحة النهرية بمجرى نهر النيل وبحيرة ناصر نظراً للأحوال الجوية وشدة الرياح المحملة بالرمال والأتربة وضعف الرؤية.
وشدد المحافظ على المتابعة اللحظية عبر أجهزة مركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة بديوان عام المحافظة، وغرف العمليات الفرعية بالمراكز والمدن للتفاعل السريع مع أى أحداث طارئة.
على أن تقوم إدارة المرور بالطرق السريعة الصحراوى الغربى أسوان - القاهرة، وأسوان - أبو سمبل البرى بالتنبية على سائقى الأتوبيسات والسيارات والمركبات بتوخى الحذر أثناء السير للحفاظ على السلامة العامة للمستقلين لهذه المركبات.
من جانبه، أوضح المهندس بحرى سامى البربرى، مدير فرع هيئة النقل النهرى بأسوان، أنه تم التنبيه على جميع الفنادق العائمة والدهبيات والعائمات النهرية الأخرى على اختلاف أنواعها بإيقاف النشاط الملاحى بصفة مؤقتة، لحين تحسن الأحوال الجوية ، مع حظر الإبحار والمغادرة بصفة قطعية.
وقال إنه تم فى نفس الوقت التشديد على جميع العائمات النهرية المبحرة الآن بالفعل بتوخى أعلى درجات الحرص والحذر أثناء الإبحار والمناورات وأعمال التراكى، مع اتباع جميع التعليمات الأساسية للإبحار والأمن.