ماذا وراء المواجهات بين العشائر العربية وقسد شرق سوريا؟
تاريخ النشر: 22nd, August 2024 GMT
في 7 أغسطس/آب الجاري، هاجمت قوات عشائرية عربية مواقع تتبع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف دير الزور، لتكون هذه هي الموجة الثانية من المواجهات بين الطرفين، إذ اندلعت الاشتباكات للمرة الأولى بين الجانبين في سبتمبر/أيلول 2023.
ومع اندلاع الاشتباكات الأخيرة، أصدر إبراهيم الهفل -أحد مشايخ قبيلة العكيدات، وقد تصدّر المواجهات مع قسد في المرتين- بيانا أكد فيه أن "جيش العشائر لن يترك السلاح والأرض حتى التحرير وتطهيرها من عصابات قنديل" في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني.
وقد طال هجوم قوات العشائر في أيامه الأولى مناطق واسعة في الضفة الشرقية لنهر الفرات بمحافظة دير الزور، ومنها الصبحة وذبيان والرغيب والحوايج والطيانة وأبو حمام وغرانيج والباغوز، ونتج عنه السيطرة على معسكر تابع لقسد، بالإضافة إلى مقتل وجرح العشرات من الطرفين والمدنيين.
وبعد استقدام تعزيزات ضخمة وتلقيها مساندة من طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، استطاعت قسد استعادة المناطق التي خسرتها، مما أجبر مقاتلي العشائر على الانسحاب إلى الضفة الغربية لنهر الفرات الخاضعة لسيطرة قوات النظام السوري.
تعود شرارة الانتفاضة الأولى إلى سبتمبر/أيلول 2023، وهو تاريخ ظهور ما يسمى "مقاتلي القبائل والعشائر" بزعامة الهفل، حيث بدأت الأحداث باعتقال قسد لأحمد الخبيل قائد مجلس دير الزور العسكري التابع لها، والذي يضم مقاتلين عربا من أبناء المحافظة، العديد منهم منتسب لقبيلة البكير المتفرعة عن العكيدات.
وبررت قسد عملية عزل واعتقال الخبيل وقيادات أخرى من مجلس دير الزور بـ"ارتكابهم الانتهاكات والجرائم" وأن تحركات قسد أتت بعد شكاوى وردت من الأهالي. وفي المقابل، اتهمها نشطاء ينتمون للمكون العربي بأنها استهدفت الخبيل بسبب الصراع على النفوذ معه.
وتطورت الأحداث نتيجة عمليات التفتيش والدهم التي نفذتها قسد إثر اعتقال الخبيل، والتي طالت منتسبين لقبيلة العكيدات، إضافة إلى زوجات بعض قادة مجلس دير الزور العسكري، مما أشعر المكونات العربية في المنطقة بأنها مستهدفة بشكل كامل.
وظهر الهفل في عدة تسجيلات صوتية في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2023، معلنًا فيها النفير العام ضد قسد في كامل منطقة الجزيرة السورية (محافظات الرقة ودير الزور والحسكة).
ومن جهة أخرى، أشار معهد واشنطن للدراسات -في دراسة أصدرها عام 2023- إلى استياء المكونات المحلية من حكم القوات الكردية واستحواذها على الموارد، وأكد عدم وجود تأييد كبير من العناصر العشائرية للخبيل، لكن ما دفعها للتحرك ضد قسد هو حالة الغضب نتيجة سقوط قتلى مدنيين خلال عمليتهم ضد قيادات مجلس دير الزور العسكري.
ونظرا لفارق القوة العسكرية بين الطرفين، تمكّنت قسد من تضييق الخناق على القوات الموالية للهفل، وانتهى به الأمر للفرار باتجاه المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري في محافظة دير الزور، لتبدأ معها مرحلة التنسيق مع النظام وحلفائه.
دور إيران والحكومة السوريةوقد بدا لافتاً أن الهجوم الذي شنته قوات العشائر مطلع أغسطس/آب الجاري انطلق من مواقع سيطرة النظام السوري في دير الزور، واتهمت قسد استخبارات النظام بشكل صريح بتدبير الهجوم ضد مواقعها، مع إغفال دور إيران، رغم تواتر المصادر التي تحدثت عن الدور الإيراني المهم في عمليات تجنيد مقاتلي العشائر وتدريبهم طوال الأشهر التي سبقت الهجوم.
وأواخر عام 2023، نشر معهد الشرق الأوسط تقريرًا استعرض فيه افتتاح إيران مراكز تجنيد لأبناء شرق سوريا، تحت إشراف القيادي في حزب الله الحاج مهدي، كما أشار إلى نية طهران المستقبلية لشن هجمات لإزعاج القوات الأميركية بالمنطقة.
وبحسب تقرير أصدره مركز جسور للدراسات المتخصص بالشأن السوري في 19 أغسطس/آب 2024، فإن هجوم قوات العشائر الأخير ضد قسد تم تحت إشراف غرفة عمليات تضم مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، واستخبارات النظام السوري، وبمشاركة من مليشيا الدفاع الوطني الموالية للنظام.
ونظرًا للدور الواضح للنظام السوري وإيران في الهجوم، فقد عمدت قسد إلى محاصرة المربعات الأمنية التابعة للنظام في مدينتي القامشلي والحسكة شرق سوريا، بهدف الضغط على النظام ودفعه للتراجع عن تنسيق هجمات القوات العشائرية ضد قسد في محافظة دير الزور.
واعتبر التقرير أن إيران وجدت في دعم هجمات قوات العشائر، ضد مناطق النفوذ الأميركي، وسيلة ضغط منخفضة التكلفة للرد على الهجمات المتكررة للقوات الأميركية على مواقع المليشيات التابعة لإيران في العراق وسوريا.
أما النظام السوري -بحسب التقرير- فأراد إظهار انخراطه الفاعل مع "محور المقاومة" من خلال تنسيق الهجوم مع إيران، بالإضافة إلى رغبته في تعزيز موقفه أمام تركيا في ظل محاولات روسيا التقريب بين أنقرة ودمشق.
وتتفق آراء كثير من الخبراء والمطلعين على الواقع شرق سوريا ومنهم سامر الأحمد الباحث في مركز عمران للدراسات المتخصص في منطقة شمال شرق سوريا، أن دور الهفل والقوات التابعة له تحول إلى "دور وظيفي" لصالح إيران والنظام السوري، وبات يشكل غطاءً لأنشطة الحرس الثوري الإيراني ضد القوات الأميركية في المنطقة.
وعلى الرغم من توقف المواجهات في 10 أغسطس/آب الجاري، فإنه من غير المستبعد أن تتجدد لاحقًا، خاصة في ظل وصول تعزيزات لفصائل سورية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني إلى المنطقة، إذ أفاد تقرير صادر عن موقع دير الزور 24 المتخصص برصد الواقع الميداني، باستقدام تعزيزات من دمشق منتصف هذا الشهر تتبع للفرقة الرابعة المقربة من إيران إلى منطقة الشريط النهري المقابلة لسيطرة قسد شرق دير الزور.
وأفاد التقرير الصادر عن مركز جسور بعدم تفاعل إيران مع الوساطة الروسية من أجل وقف التصعيد بين قوات العشائر وقسد، وعدم حضور ممثلين عن الحرس الثوري في هذه المفاوضات، وهو ما يدفع لتوقع المزيد من الهجمات مستقبلا، وعدم توقفها عند الحد الحالي.
ومن الواضح أن الفصائل العشائرية في دير الزور باتت من الأوراق التي يمكن أن تستخدمها إيران تبعاً لحاجتها للتصعيد مع الولايات المتحدة، خاصة في حال رغبت طهران في إرسال رسائل خشنة إلى واشنطن، مع عدم تعريض الساحة العراقية للتوتر نزولاً عند رغبة الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني التي تطالب باستمرار بإعطاء فرصة للجهود الدبلوماسية لتسوية الخلافات.
وقد أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين هذا النهج بتصريحات له بتاريخ 20 أغسطس/آب الجاري، أوضح فيها أن حكومته تتحرك من أجل تجنب الانزلاق إلى حرب.
ومن العوامل المؤثرة التي ستحدد إذا ما كنا سنشهد موجة جديدة من المواجهات بين العشائر وقسد هو حجم الضغوطات التي تمارسها روسيا على إيران لوقف التصعيد، إذ أظهرت موسكو من خلال مسارعتها إلى الوساطة عدم الرغبة في توسيع المواجهات.
وإذا كانت المواجهات قد دفعت القوات الأميركية لاستجلاب تعزيزات من القوات الخاصة، فإن استمرارها قد يدفع واشنطن لزيادة تركيزها على شرق سوريا وليس العكس.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات مجلس دیر الزور النظام السوری قوات العشائر شرق سوریا ضد قسد
إقرأ أيضاً:
هل تستعيد إيران نفوذها في سوريا؟
في المرحلة الأولى من الحرب الأهلية السورية، نفت إيران وجود قواتها على الأراضي السورية رغم الأدلة التي أثبتت عكس ذلك، قبل أن تضطر إلى الإقرار بتدخلها، مبررةً ذلك بحماية مرقد السيدة زينب في دمشق.
طهران استثمرت كثيراً من الدماء والموارد في سوريا
غير أن التغلغل الإيراني العميق في سوريا تجاوز الرمزية الدينية بمراحل؛ إذ كان بمنزلة موطئ قدم استراتيجي دافعت عنه طهران بثمن باهظ، مضحيةً بآلاف من قواتها، حسب ما أفاد د. لقمان رادبي، خبير في الشؤون الكردية والشرق الأوسط.
كان سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 حدثاً مزلزلاً، وجّه ضربة قاسية لنفوذ إيران وروسيا في سوريا. وبينما تتمسك موسكو بقواعدها العسكرية في سوريا رغم حربها في أوكرانيا وتزايد العقوبات الغربية ضدها، فإن موقف إيران أكثر تعقيداً، فخلافاً لروسيا، التي تنظر إلى سوريا من زاوية المصالح الجيوسياسية والعسكرية، ترى إيران سوريا كساحة أيديولوجية واستراتيجية مركزية لطموحاتها الإقليمية.
ضعف السلطة في دمشق
وقال الكاتب في تحليله بموقع "جيوبوليتيكال مونيتور" الكندي إن النظام الفعلي في دمشق يواجه صراعاً شاقاً لبسط سيطرته على دولة ممزقة آخذة في الانهيار؛ فالأحداث الأخيرة، التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص، بينهم مدنيون، في اللاذقية والمدن الساحلية الأخرى التي تعد معاقل تاريخية للطائفة العلوية، تعكس ضعف قبضة الحكومة على السلطة.
وأضاف أن هذه الاضطرابات، التي يؤججها فلول نظام الأسد، لا يمكن احتواؤها عبر عمليات أمنية منفصلة أو فرض حظر تجول فقط، بل تكشف عن حالة استياء أعمق لا تستطيع دمشق ولا داعمتها الخارجية، تركيا، القضاء عليها بسهولة.
Syria’s Next Chapter: Iran Reshapes its Influence https://t.co/yV7hXKwIqC
— Charbel Antoun (@Charbelantoun) March 19, 2025ورغم معارضة إيران لنظام إسلامي سُنّي في دمشق، فلا تزال تحتفظ بنفوذها داخل المجتمع العلوي، الذي كان العمود الفقري لنظام الأسد. فقد حرصت طهران على بناء تحالفات دينية وسياسية مع العلويين، بما يضمن استمرار بصمتها الأيديولوجية في سوريا، حتى في ظل التحولات السياسية.
وتابع الكاتب "يزيد الوضع تعقيداً الدستور الانتقالي الجديد، الذي يرسّخ هوية سوريا "العربية"، رافضاً الاعتراف بالهويات غير العربية، مع اعتبار الشريعة الإسلامية "مصدراً رئيساً" للتشريع. هذا الإطار الإقصائي قوبل برفض قاطع من الأكراد والدروز، الذين يرونه استمراراً لنهج الأسد بواجهة إسلامية سنية جديدة".
جنوب وغرب سوريا
في جنوب سوريا، يسعى الدروز، الذين طالما تحفّظوا على الفصائل السنية المتطرفة والهيمنة الإيرانية، إلى تعزيز حكمهم الذاتي. وتحت المظلة الإسرائيلية، من غير المرجح أن ينحاز الدروز إلى أي طرف بعينه، بل سيحاولون استغلال وضعهم لتحقيق مزيد من الاستقلالية.
في هذه الأثناء، تتابع إسرائيل المشهد بحذر، محافظةً على وجودها العسكري في الجنوب السوري. فمن منظور تل أبيب، يشكل نظام إسلامي متطرف في دمشق تهديداً أمنياً أكبر بكثير من حكومة تهيمن عليها إيران، مما يجعل الحسابات الإسرائيلية في سوريا أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
Insight from @AhmadA_Sharawi: "The idea that Iran and its proxies have vanished from Syria is pure fantasy. Tehran is actively fueling instability to claw back its influence, and Syria’s new government faces a tough battle to keep Hezbollah...at bay."https://t.co/OEruyIC5CT
— FDD (@FDD) March 18, 2025أما تركيا، فتواجه مزيجاً من الفرص والتحديات. فرغم أن أنقرة قد تجد قواسم مشتركة مع الفصائل الساعية للسيطرة على سوريا، فإنها ستظل مقيدة بالمصالح الإيرانية. فقد رسّخت إيران وجودها في المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية السورية، ولعب الحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في تشكيل سياسات النظام السابق.
وقدمت طهران تضحيات هائلة، شملت آلاف المقاتلين من قوات القدس وقوات الحرس الثوري، بالإضافة إلى مليارات الدولارات، للحفاظ على الأسد في السلطة، ومن غير الوارد أن تتخلى ببساطة عن استثماراتها في سوريا.
عودة النفوذ الإيراني
ولفت الكاتب النظر إلى أن إيران اتبعت هذه الاستراتيجية من قبل؛ فبعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق وخسائر هائلة، تمكنت من توسيع نفوذها داخل القطاع الشيعي العراقي. وحتى بعد سقوط صدام حسين وصعود تنظيم داعش، نجحت إيران في تأسيس ميليشيات موالية لها، مما ضمن بقاء العراق في حالة عدم استقرار دائم.
وعبر سيطرتها على الأحزاب الشيعية، سعت إيران إلى قمع حكومة إقليم كردستان وإبقاء السُنّة في وضع ضعيف. وينبغي لمن يملكون مصلحة في مستقبل سوريا، يقول الكاتب، أن يتوقعوا تكرار إيران لهذه الاستراتيجية، هذه المرة عبر الطائفة العلوية. ولن تسمح طهران لتركيا، التي استثمرت في سوريا أقل بكثير منها، بجني الفوائد السياسية والاقتصادية على حسابها.
ساحة للصراع
وأوضح الكاتب أنه في المستقبل ستظل سوريا ساحةً تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية، كلٌّ وفق مصالحه وأجنداته الخاصة. فالجزء الغربي من البلاد، حيث يكافح النظام الجديد لترسيخ سلطته، سيبقى بؤرةً للاضطرابات.
في المقابل، من المرجح أن تحافظ المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية والدرزية على استقرار نسبي، حيث استطاعت القوات الكردية، بفضل هياكلها العسكرية والسياسية المنظمة، تعزيز سلطتها وتأسيس آليات حكم مستقلة عن دمشق.
أما إسرائيل، فلا تجد دافعاً قوياً لدعم أي تغيير جذري قد يفضي إلى تمكين فصائل معادية. ولا يمكن إنكار أن النظام الجديد في دمشق يفتقر إلى القدرة اللازمة لاحتواء النفوذ الإيراني الراسخ.
وقال الكاتب إن طهران استثمرت كثيراً من الدماء والموارد في سوريا بحيث تظل قوةً لا يمكن لأنقرة ولا للحكام الجدد في دمشق تجاهلها، إذ ما يزال محور المقاومة قادراً على إعادة تشكيل نفسه، كما يتضح من الصراع الدائر بين هيئة تحرير الشام في دمشق وحزب الله، في لبنان.