الفضاء: حيث لا تحتاج إلى عضلاتك
تاريخ النشر: 21st, August 2024 GMT
أن «أصبح رائد فضاء» هو حلم ممتنع للكثير من الناس، وأغلب الناس يذكرون هذه الأمنية ولو من باب الاستبعاد والتندر لصعوبة تحقيقها، وعند التفكير فيها فأول ما يخطر في البال هو تلك المشاهد المتعلقة بالحرية الفريدة للحركة للرواد وهم في داخل محطات الفضاء، حيث يتقلبون بكل حرية في حركات بهلوانية غير ممكنة على الأرض، دون أن تقيدهم الجاذبية نحو الأسفل، بل ويقومون بسكب بعض المياه على شكل كرات في الجو ثم السباحة نحوها وابتلاعها بشكل فكاهي، وأغرب ما في شعور انعدام الجاذبية فهو فعليا عدم وجود الحاجة تقريبا للعضلات لرفع أي شيء مهما كان وزنه، فإذا كنت تريد نقل قطعة تزن طنا من مكان لآخر داخل محطة الفضاء، فأنت بحاجة فقط لدفعها بطرف إصبعك حتى تندفع في الاتجاه الذي تريد دون بذل أي جهد تقريبا.
ظاهرة الشعور بانعدام الجاذبية في الفضاء هي نتيجة لمبدأ بسيط يمكن تقريبا لأي أحد استيعابه، ولكن في البداية دعنا نوضح أنها ليست بسبب البُعد عن سطح الأرض -كما يتخيل البعض- فمقدار قوة الجاذبية فعليا على ارتفاع 400 كم فوق سطح البحر -وهو متوسط ارتفاع محطة الفضاء الدولية- يبلغ حوالي 90% من مقدارها الذي نشعر به هنا على سطحها، أما السبب الفعلي لعدم الشعور بها فيمكن توضيحه بالمبدأ التالي: تخيل أنك أمسكت بحجر صغير ثم رميته، بالتأكيد سيقطع مسافة معينة ثم يسقط في مسار على شكل قوس، وإذا أردت أن تطيل المسافة، فعليك أن تزيد السرعة التي رميته بها، فيطول القوس الذي يقطعه قبل السقوط، وهكذا. الآن تخيل أنك تستطيع رمي هذا الحجر بسرعة هائلة بحيث يقطع مسافة تعادل محيط الكرة الأرضية ثم يرجع إليك من خلفك! نظريا هذا ممكن، لكن المشكلة ستكون هي أن الحجر سيلقى مقاومة شديدة من الهواء وتقل سرعته تدريجيا، بخلاف أنه لن يبقى متماسكا من الأساس بسبب قوة الاحتكاك التي ستولد حرارة شديدة تؤدي لاحتراقه وتفككه، لذلك، الحل هو أن نقوم بالطريقة نفسها، ولكن، في مكان لا يوجد فيه هواء يعيق هذه السرعة: الفضاء. أي أن الصاروخ الذي يحمل مركبة الرواد إلى محطة الفضاء الدولية يصل بهم إلى سرعة كبيرة تبلغ حوالي 8 كيلومترات في كل ثانية، ثم يترك مركبتهم تقترب ببطء من المحطة التي تسير بنفس السرعة لتلتحم بها قبل أن ينتقلوا للعيش على متنها ويبقوا فعليا في حالة «سقوط دائم»، أي كأنهم يسقطون بسرعة ثابتة إلى مكان لا نهاية له، وهو ما يشعرهم بعدم وجود الجاذبية، وهي تجربة لم يشهدها الجسد البشري من قبل منذ أن بدأت الخليقة على متن هذا الكوكب سوى قبل 63 عاما فقط.
هذا الشعور العجيب والمميز بالإضافة لمشهد الأرض المدهش من الأعلى تتسابق على توفيره وتطويره حاليا عدة الشركات بأسعار باهظة، يستطيع تحملها بعض الأغنياء، وأعني دفع ملايين الدولارات من أجل رحلة سياحية إلى الفضاء مدتها في بعض الأحيان بالكامل ربع ساعة فقط، لذلك، هذا الشعور لم يجربه حتى الآن سوى قلة محظوظة من البشر.
هذه التجربة ليست مجرد متعة مجردة، فوجودك في الفضاء لفترات طويلة يصاحبها الكثير والكثير من الظواهر الصحية السلبية التي لم يكن البشر على علم بها قبل بدء عصر الفضاء، ومن ضمنها الدوار الذي يصيب الرواد لفترة مؤقتة بعد الوصول بسبب عدم الإحساس بالاتجاهات، لأن الدماغ اعتاد على قوة شد الجاذبية باتجاه الأسفل.
ليتخذه مرجعًا للإحساس بباقي الاتجاهات، ويعاني رواد الفضاء كذلك من ضعف مناعة الجسم، وتقلبات الساعة البيولوجية التي تدلك على الليل والنهار؛ لأن المحطة تدور حول الأرض بمقدار 16 مرة في اليوم، لذلك يشهد قاطنوها 16 شروقًا للشمس و16 غروبًا لها.
هذا بخلاف المشاكل النفسية كالتوتر والكآبة التي يسببها العيش داخل بيئة محطة الفضاء المغلقة تمامًا والشبيهة بالسجن، وتكاد تخلو من أدوات الترفيه سوى وجود قبة زجاجية تراقب من خلالها مشهد الأرض البهيج والمميز أسفل منك ووجود تواصل دائم بالصوت والصورة مع العائلة والأصدقاء،
وهناك حادثة معروفة حدثت بين عامي 1973 و1974، حين أضرب 3 رواد فضاء في محطة سكاي لاب الفضائية الأمريكية عن القيام بالتجارب والأنشطة داخل المحطة، وامتنعوا عن التواصل مع الأرض بسبب إجهاد العمل المتواصل لمدة 84 يومًا، واعتبروا ذلك اليوم يوم إجازة وراحة لهم رغم معارضة مديريهم، وهو ما أفضى لاحقًا إلى دراسات أكثر عمقًا للظروف النفسية التي يعاني منها الرواد في عزلة الفضاء، وتطوير برامج التأهيل النفسي قبل السفر لفترات طويلة. أما سيدا المشكلات الصحية في الفضاء فهما هشاشة العظام وضمور العضلات؛ لأن الراحة المطلقة للجسد -الذي لم يعد بحاجة حتى لحمل وزنه أو بذل جهد لحمل أي شيء- تقلل كثيرا من استخدام العضلات والعظام فتفقد قوتها وكثافتها، ولربما شاهدت كيف أن الرواد بعد عودتهم إلى الأرض وإخراجهم من مركبتهم الفضائية يتم حملهم على الأكتاف لعدم قدرتهم على الوقوف والمشي بسبب هذه العلة.
وهنا يأتي دور المشي والجري، كأسلوب تقليدي لحماية الرواد من هشاشة العظام وضمور العضلات، حيث يجب عليهم الجري يوميا على آلة المشي -وهم مشدودون بأحزمة عليها كي لا يطفوا في فضاء المحطة- لمدة لا تقل عن ساعتين يوميًا؛ لأن الجري يرغم الجسد على بذل جهد يحفظ العظام والعضلات وينشط الدورة الدموية ويرفع المعنويات، وأيضًا التأكد من اتباع نظام تغذية صارم يتم إعداده في الأرض بعناية بواسطة مختصين غذائيين يختارون المكونات بعناية لتساعد على نمو العضلات وتجنب ضمورها وفقدان العظام لكثافتها.
هذه الآثار الصحية السلبية التي تظهر أثناء وجود البشر في الفضاء يهتم بها فرع جديد من الطب يعرف باسم «طب الفضاء»، وهو الفرع الذي يدرس وجود الجسم البشري في ظروف انعدام الجاذبية، وهذا الفرع ابتكر الكثير من الحلول والأدوية وأساليب العلاج التي أصبح لها استخدام فعلي لحالات مرضية لعامة الناس هنا على ظهر الكوكب، وفي عام 2013 حضرت محاضرة حول طب الفضاء قدمها د. نبيل محسن، والذي كان حينها طبيبا في المستشفى السلطاني وله علاقة بأبحاث طب الفضاء في إحدى الدول الغربية، وكنت قد ذهبت إلى المحاضرة وفي بالي أن لدي معلومات معقولة حول دور علوم الفضاء في تطوير الطب، لكن بعد دقائق من بدء المحاضرة تفاجأت بالكمية المذهلة من الاختراعات والحلول الطبية والدوائية التي نشأت من رحم هذه الأبحاث، لدرجة أنني أدركت أنه لو لم يكن لأبحاث الفضاء سوى هذه المخرجات في الحقل الطبي لوحده لكانت فعلا استحقت كل المال والجهد المبذول فيها، فعمليات ليزر العيون، وصمامات القلب، وأدوية تقليل ضمور العضلات وهشاشة العظام، وجهاز قياس حرارة الأذن الداخلية، وتقنيات منع نزيف ما بعد الولادة، هي بعض هذه الابتكارات الكثيرة جدا لعلوم الفضاء في مجال الطب.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: محطة الفضاء فی الفضاء
إقرأ أيضاً:
هكذا يستقبلون العيد في غزة!!
أليس من المرهق لأي شخص أن يحمل أعباء الماضي وهموم الحاضر، فضلا عن القلق بشأن المستقبل؟ فكأنّه بذلك لم يكفه ما يواجهه من صعوبات في واقعه المؤلم، جراء أحداث يسترجع مرارتها مع كل مناسبة عيد، ليجد نفسه غارقا في مزيج من الألم والعذاب والحنين إلى أيام وبيوت وأماكن كانت تجمع شمل العائلة والأهل والأقارب والأصحاب والجيران، وكأن لسانه يقول: لم يبقَ ما يستحق الاحتفال به، كلّ الذين أعرفهم لم أعد أراهم، وكلّ الذين أحبّهم استشهدوا، أو تحت الأنقاض، لم يبق سوى ذكريات تضيف ملحا على الجراح، لا سيما في أيام العيد التي تمرّ على قطاع غزّة، كتابوتِ حزنٍ لا تتسع بقاع الأرض لدفنه.
في هذا العام، غابت بهجة العيد عن غزة وأهلها المنهكين المحاصرين، من قِبل عدو محتل بغيض، ومن قريبون وجيران يرون الظلم ويسمعونه دون أن يحركوا ساكنا.
انطفأت الألوان الزاهية، والأضواء البراقة، وضجيج الناس، والخطوات المتسارعة التي تملأ الأرصفة والشوارع والحارات، لتحل محلها أصوات القصف والصراخ والفقد والدمار، فلا ملابس جديدة، ولا بحث عن متنزه، بل لا يوجد سوى مكان يجلس فيه الغزي ليجمع ما تناثر من ذكريات، إلا الركام، ويبكي بحرقة على فراق الأحبة، يذرف دموعا يرجو أن تطفئ نيران الحزن في قلبه.
غابت بهجة العيد عن غزة وأهلها المنهكين المحاصرين، من قِبل عدو محتل بغيض، ومن قريبون وجيران يرون الظلم ويسمعونه دون أن يحركوا ساكنا
القلوب مُثقلة بالحزن والوجع، والحياة شاحبة في أعين أصحابها. تغصُّ حناجرنا ألما، وترتجفُ الأصوات رهبة وتفيضُ العيون دمعا، يكاد المرء يتوقف عن التنفس اختناقا، وتتوقف عجلة الحياة للحظات من هولِ المُصاب الجلل الذي يعجز عن استيعابه، حتى أنّ الأرض لم تعد تتسع للحزن والخذلان والخيبات.. أحزانٌ تتوزع على مساحةِ أرضٍ تكثر فيها الآلام، ويتجرّع أهلها مُرّ الفراق وألم الفقد، وتعتصرهم العبرات الموشومة، حسرة في القلوب، وجراحا لا تَبرأ.
رغم الدمار الهائل والمجازر المتواصلة، استقبل أهالي قطاع غزة فجر الأحد عيد الفطر بالتكبيرات وأداء صلاة العيد، متحدّين الموت والركام، في مشهد يجسّد معاني الصمود والتشبث بالحياة. شاهدنا كيف يصطف المئات في الساحات العامة وعلى أنقاض المساجد المدمرة لأداء صلاة العيد، مرددين "الله أكبر" بأصوات تخترق الحطام، حاملة رسالة تحدٍ للاحتلال، ورسالة أمل إلى العالم. لم تكن مشاهد الصلاة وسط الدمار مجرد طقس ديني، بل تعبيرا صامتا وصارخا في آنٍ واحد، عن تمسك الفلسطينيين بكرامتهم وهويتهم وحقهم في الحياة، رغم كل محاولات الإبادة والاقتلاع التي تمارسها آلة الحرب الإسرائيلية منذ شهور.
هذا هو حال أهل غزّة في هذا العيد، فكل عائلة تستذكر فقيدها وجريحها، سواء كان أبا أو أما أو أخا أو أختا، ابنا أو بنتا أو حتى جارا. هذا ما يشعر به الفلسطيني في قطاع غزّة عندما يستعيد ذاكرة الأحداث التي مرّت به ولا تزال ماثلة أمامه، أحداث أشدّ وقعا من أي وصف، قيّدته وحرمته بهجة العيد وفرحته المسلوبة، مستحضرا كل مآسيه وآلامه، وكأنه يفتح خزائن أحزانه وتابوت أوجاع لا تتسع له الأرض.