هل يغير مشاركة منتخب المغرب في مونديال السيدات نظرة المجتمع للمرأة؟
تاريخ النشر: 9th, August 2023 GMT
أنهى منتخب فرنسا مشوار نظيره المغربي في كأس العالم للسيدات في كرة القدم بفوزه عليه 4 - صفر الثلاثاء، في أديلايد في طريقه إلى ربع النهائي. وقدمت اللاعبات المغربية أداء ملفتا خلال المباريات التي شاركن بها، كما لفتن الأنظار إليهن حيث تعتبر مشاركتهن أول مشاركة لمغرب وللعرب في مونديال السيدات.
استمر المغرب في اللعب بخطته المعتادة (4-4-2) إلا أن الإرهاق الشديد على اللاعبات، بجانب قوة الخصم، منع المغرب من الضغط على الخصم أو بناء هجمة واحدة
واجه فرنسا منتخب مُرهق حقق أعلى طموحاته وهو التواجد بدور 16 من كأس العالم للسيدات 2023#كرة_القدم_النسائية #VisitSaudi #FIFAWWC pic.
ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالا، ترجمته "عربي21"، أشار إلى أن سباق النساء المغربيات في كأس العالم هذا الصيف قد يكون له تأثير ثقافي واجتماعي أكبر في من مشاركة الرجال في مونديال قطر.
وقال كاتب المقال، المؤرخ المختص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا جراهام كورنويل، إنه عندما حقق فريق كرة القدم المغربي للرجال مسيرته التاريخية إلى نصف نهائي كأس العالم في كانون الأول/ ديسمبر، احتفل المشجعون في جميع أنحاء إفريقيا والشرق الأوسط بالانفراج الذي طال انتظاره.
"غيّرن نظرت المجتمع إليهن"
وتابع: في الأسبوع الماضي، أصبحت لبؤات الأطلس أول فريق عربي يتأهل إلى جولة خروج المغلوب من كأس العالم للسيدات، وهي لحظة يبدو أنها قد غيرت بالفعل بعض التقاليد في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا. مشيرا إلى أن مشاركة النساء المغربيات في كأس العالم هذا الصيف سيكون لها تأثير ثقافي واجتماعي ملحوظ، لا سيما أن برنامج لعب المغربيات يبلغ من العمر 25 عاما فقط.
وذكر كورنويل، أنه "عندما فازت الولايات المتحدة بكأسها الثانية في كأس العالم عام 1999، كانت المرأة المغربية لا تزال لم تحقق سوى فوز واحد في أي مكان:، مضيفا أن "مسألة ما إذا كان ينبغي السماح للنساء بلعب كرة القدم كانت موضوع نقاش في المقاهي والصحف والتلفزيون والراديو حتى قبل أسبوعين، ولا يزال هناك الكثير من المتشككين".
يرى المقال أن مباراة المغرب الأولى، التي انتهت بخسارة 0-6 أمام ألمانيا البطل مرتين، لم تساعد أبدا، حيث أدت إلى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، تمت مطابقة مقاطع من الأهداف الألمانية مع أغنية مغربية شعبية يحسب فيها المغني من واحد إلى 10.كما بين أن بعد الهدف السادس "طوبقت الأرقام من سبعة إلى 10 بصور الحياة المنزلية: ممسحة وغسالة ومطبخ ومولود جديد. كانت الرسالة الملمح إليها هي أن الخسارة كانت دليلا آخر على أن المنزل هو مكان المرأة الصحيح".
ومع ذلك، بعد أسبوع، حدث تحول ملحوظ شهد فوز منتخب المغرب على كوريا الجنوبية، 1-0، في أول فوز له في كأس العالم، ثم تمسك بطريقة ما بالتقدم 1-0 ضد هجوم متأخر من كولومبيا - حتى ذلك الحين، كان أحد فرق البطولة. اجتمع الفريق معا على أرض الملعب في بيرث، أستراليا، وهم يرفعون أصواتهم بالدعاء وينتظرون نتيجة مباراة ألمانيا وكوريا الجنوبية. مع ورود خبر يفيد بأن ألمانيا وكوريا الجنوبية قد تعادلت - مما يعني أن المغرب سيتقدم - أفسحت الهتافات الطريق لفرحة كبيرة. وقربت الكاميرات صورة رقية مزراوي المدافعة التي لم تلعب دقيقة واحدة في المباريات الثلاث. جثت على ركبتيها تهتف باكية من الفرح.
بحسب المقال، تغيرت النظرة إثر ذلك حيث تقدم المغرب إلى دور الستة عشر يوم الثلاثاء مع المستعمر السابق فرنسا، والتي هزم منتخبها للرجال منتخب الرجال المغاربة العام الماضي. وتباع: بعد فوز كولومبيا، أطلقت شركة كنور "Knorr"، وهي شركة حساء وأحد أساسيات المطبخ المغربي، إعلانا به صورة لكأس العالم ورسالة نصت على ما يلي: "لا شيء غير كنور ينتمي للمطبخ. مبروك لبؤات الأطلس".
كما أضاف: قالت مريم ولفاطمي، 27 عاما من خنيفرة، في مقابلة: "قبل أن تبدأ الفتيات باللعب، قال الناس، 'عودي إلى مطبخك'،" ولكن بعد فوزهن يقولون، 'نعم، إنهن لبؤات الأطلس'. تغير الجو العام بعد نجاحهن".
ويؤكد كورنويل أن التحول الثقافي مقصود، إذ أنه "نتاج عقود من الاستثمار في التدريب والمرافق والتجنيد من قبل الاتحاد الملكي، بقيادة رئيس الاتحاد صاحب الرؤية، فوزي لقجع، بإلهام وتشجيع من الملك محمد السادس".
إلى ذلك، افتتح عرض معاينة على شبكة التلفزيون الوطنية 2M بمحادثة بين اثنتين من الممثلات الكوميديات، إحداهن ترتدي زي الرجل. جادل الرجل في البداية بأن "كرة القدم للرجال؛ النساء أفضل حالا في الخبز "، ولكن بعد ذلك مقتنع بأن" الزمن قد تغير وحان الوقت لمشاهدة اللبؤات". المقطع رائع لأنه يتعامل مع تحفظات المغاربة بشكل مباشر - في أكبر محطة تلفزيونية في البلاد، بحسب ما أورد المقال الذي ترجمته "عربي21".
قالت بهية الهميدي، رئيسة قسم النساء في الجيش الملكي ونائبة رئيس البطولة الوطنية للسيدات: "في سن مبكرة يلعب الفتيان والفتيات كرة القادم في الشارع وعلى الشواطيء في سن معينة ولم يكن لدينا بنى تدعم الفتيات. لدينا الآن حقول في كل المناطق، حتى في البلدات الصغيرة".
يرى المقال أن الجيش الملكي استثمر في تنمية الشباب حاسما لكرة القدم في جميع أنحاء البلاد؛ خصوصا الأندية الأخرى تحاول محاكاة نجاحه.
لكن على الرغم من تقدم اللعبة المحلية، على نطاق عالمي، فإن إحدى أكبر القصص التي ظهرت من مسيرة الفريق في هذه الكأس كانت نوهيلة بنزينه، التي أصبحت أول امرأة ترتدي الحجاب في إحدى مباريات المونديال.
هجوم فرنسي على حجاب لاعبة مغربية
في الأسبوع الماضي على شبكة "CNews" الفرنسية المحافظة، وصفت فيليب غيبرت ارتدائها للحجاب بأنه "رجعي" وقالت إنه كان إهانة لزملائها في الفريق، الذين كانت تنتقدهم ضمنيا لعدم الاحتشام.
يقول معد المقال: كثير من المغاربة يضحكون ضحكة مكتومة على هذا. هناك، الأمر لا يشكل قضية. فالكثير من الرياضيات في جميع الرياضات يرتدين الحجاب، والكثير منهن لا يرتدينه.
في السياق، قالت زينب الصريري، مدربة ولاعبة محترفة سابقة من طنجة، "لا أحد يتحدث عن ذلك. سيركز الناس دائما على شيء غريب، لكن هنا ليس شيئا غريبا حقا. إنه شخصي. … هذا كل شيء."
من الشائع تماما رؤية العائلات ومجموعات الأصدقاء التي ترتدي فيها بعض النساء الحجاب والبعض الآخر لا يرتدينه. بالنسبة للجماهير المغربية، بنزينه هي مجرد مدافعة بطولية ألقت بجسدها حول منطقة الجزاء حيث تشبث المغرب بتقدم 1-0 في وقت متأخر ضد كولومبيا، على حد قول كورنويل.
وأضاف: بينما جاء منتخب الرجال إلى كأس العالم العام الماضي ويضم نجوما من بعض أكبر أندية كرة القدم الأوروبية، كانت النساء المغربيات غير معروفات نسبيا قبل بدء البطولة، حيث لا تزال شعبيتهن ضئيلة مقارنة بشعبية فريق الرجال، لكنهن في طريقهن للحاق بالركب. بالنسبة للكثيرين، يشعر اللاعبون بسهولة الوصول إليهم. بدأ المشجعون في الإشارة إلى اللاعبين بأسمائهم الأولى - وهو أمر لم يُسمع به فريق الرجال - ومتابعة كل ما ينشرن على انستغرام.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يذكر المقال أن نجاح الفريق له أيضا شعور عميق بالأسرة، مستدلا بشباك، كابتن الفريق، التي تستذكر بانتظام وبإلهام والدها الراحل، النجم السابق الذي كان جزءا من المنتخب الوطني الذي فاز ببطولة المغرب الأفريقية الوحيدة في عام 1976. الشابات يتفرجن مع عائلاتهن.
ويختتم بقول الناصري: "إنهم يشبهونني، يشبهون أختي، بل يشبهون أمي التي ترتدي الحجاب – وكأننا مجموعة تنظر في المرآة". وخولة أرزاف، طالبة من الرباط تبلغ من العمر 22 عاما، التي تشاهد الألعاب مع شقيقها. إذ قالت: "لقد كان تحولا كبيرا، ليس فقط بالنسبة للنساء ولكن للرجال الذين يشاهدون الفريق ويدعمونهم".
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي رياضة فرنسا المغربي مونديال السيدات المغرب فرنسا المرأة العربية مونديال السيدات سياسة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
#سواليف
في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.
بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.
هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.
مقالات ذات صلةبسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.
رمادية فرنسية
قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.
بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.
في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.
يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.
منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.
موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.
لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.
أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط
في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.
وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.
بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.
يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.
فضيحة المُسيَّرات
مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.
شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.
لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.
في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.
يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.
ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.
يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.
ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.
كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.
سكوربيون
تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.
تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.
وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.
منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.
تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.
لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.
أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.
لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.
عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.
كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.