الدرديري محمد أحمد والتضليل المتعمد
تاريخ النشر: 18th, August 2024 GMT
الدرديري محمد أحمد والتضليل المتعمد
* بابكر فيصل
استمعتُ لتسجيل يتحدث فيه القيادي بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني الدرديري محمد أحمد عن مقال كتبه حول “عربان الشتات” يؤكد فيه أن حرب 15 أبريل ليست سوى الحلقة الأخيرة من حلقات مؤامرة تهدف لتوطين عربان الساحل الإفريقي في السودان بعد تهجير سكانه الأصليين.
قال الدرديري إن هؤلاء العربان ظلوا يبحثون عن وطن بديل يُمثلوا فيه نسبة مقدرة من عدد السكان ويُعترف لهم فيه بحقوق المواطنة وتتوفر لهم فيه فرصاً لم يحصلوا عليها في بلدانهم الأم، مؤكداً أنهم وجدوا ضالتهم في شخص حميدتي (الذي ظل مشروع توطين عرب الشتات في السودان هو مشروعه الأول منذ أن أسس مليشيا سماها الوعيد الصادق سنة 2007).
زعم الدرديري أن لهذه المؤامرة أطرافاً خمسة هي: أوروبا (خاصة فرنسا)، عربان الشتات، الإمارات، قوى الاتفاق الإطاري، الدعم السريع (حميدتي)، وادعى أن المؤامرة مرت بثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى كانت في سنة 2014 عندما أطلق الاتحاد الأوروبي “عملية الخرطوم” الهادفة لجعل السودان مركزاً لإيقاف الهجرة غير المشروعة لأوروبا، حيث اعتبروا (السودان دولة عبور مؤهلة للتمويل ولعب دور الشرطي لوقف تدفق اللاجئين واختاروا الدعم السريع لأن يكون هو هذا الشرطي وهكذا تلقى الدعم السريع عشرات وربما مئات الملايين من أوروبا لتعزيز دوره كلاعب إقليمي مما مكن الدعم السريع وحميدتي شخصياً لأن يقدم نفسه لعربان الشتات في ثوب مقبول لأول مرة).
المرحلة الثانية هي (عاصفة الحزم 2015 التي أدخلت عنصر جديد في المؤامرة وهو الإمارات. عاصفة الحزم مكنت حميدتي من تجنيد عربان الشتات بمرتبات مغرية وبالتالي قدمته لهم كزعيم وقائد حقيقي).
المرحلة الثالثة (جاءت في 2019 عندما تولى حميدتي منصب نائب رئيس المجلس العسكري، ولأول مرة وجد عربان الشتات واحداً منهم يتولى مثل هذا المنصب الرفيع وبالتالي صار حميدتي بمثابة المخلص لعربان الشتات والضامن لتحقيق حلمهم بالوطن البديل).
قال الدرديري إن أوروبا أرادت التخلص من عربان الشتات في غرب افريقيا وكانت تعلم أن مشروع حميدتي هو جعل السودان وطن بديل لهم وهذا توافق مع هدفين رئيسيين تسعى أوروبا لتحقيقهما:
أولاً: (التخلص من عربان الشتات في الساحل الافريقي لأنهم غير مندمجين في مجتمعاتهم ولأنهم يعملون في تجارة السلاح ولأنهم مرتبطين بالقاعدة وداعش وبوكو حرام ولأنهم يعملون في تنظيم الهجرة غير الشرعية).
ثانياً: (إعادة توطينهم في السودان تجعلهم يعملون ضد الفلول والكيزان ويمثلون حاضنة سياسية للقوى الليبرالية التي لا تمتلك حاضنة شعبية وبالتالي نشأ هذا التحالف غير المقدس بين عربان الشتات ومجموعة الإطاري وحميدتي والإمارات وأوروبا).
يعلم الدرديري أن نظريته واهية، مليئة بالثقوب ولا تصمد أمام الحقائق، ولكنه تعمد صياغتها بهذا الشكل المدلس جرياً وراء تحقيق هدفين مفضوحين. أولهما المواصلة في دعاية الزور والبهتان التي أشاعها الكيزان حول تسبب الاتفاق الإطاري في الحرب ودمغ القوى الموقعة عليه بالعمالة والخيانة. وثانيهما هو تبرئة حزبه الفاشل من جريمة إشعال الحرب وإظهاره بمظهر الحزب المتماهي مع رغبات وتطلعات الشعب السوداني.
وإذا تغاضينا عن حقيقة ضعف نظريته وقمنا بمجاراته في حيثياتها، فإنَّ الأمانة كانت تستدعي منه أن يضع الحركة الإسلامية/ المؤتمر الوطني على رأس الأطراف التي تآمرت على البلد وحاكت مشروع توطين عربان الشتات فيه وفقاً للمراحل التي صاغها في نظريته عن صناعة وتقوية الفاعل الرئيسي في المؤامرة: حميدتي.
الحقيقة الأولى: يُدرك الدرديري جيداً أن “الاتحاد الأوروبي” لم يلتقط حميدتي من قلب صحارى دارفور وسهولها ووديانها في 2014 بل وجده قائداً (برتبة عميد) لقوة عسكرية صنعتها قيادة الجيش وكانت حينها تتبع لجهاز الأمن والمخابرات، وأن من قام بتنصيبه حارساً لحدود البلد هو المخلوع البشير وليس قوى الحرية والتغيير.
وعندما انتقد رئيس حزب الأمة الراحل الإمام الصادق المهدي في 2014– وهو نفس العام الذي ادعى الدرديري أنه تمت فيه المرحلة المهمة في مؤامرته المزعومة لتوطين عربان الشتات- قوات الدعم السريع قام جهاز الأمن بفتح بلاغ ضده في نيابة أمن الدولة تم بموجيه اعتقاله وقال جهاز الأمن في بلاغه إن هذه القوات قوات نظامية وأنها لا ترتكب انتهاكات!
الحقيقة الثانية: شاركت قوات الدعم السريع في “عاصفة الحزم” (2015) بقرار من حكومة الإنقاذ اتخذه القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المؤتمر الوطني المخلوع، وهو مَن طلب مِن زعماء السعودية والإمارات التعامل مع حميدتي مباشرة وليس عبر القوات المسلحة، وهو كذلك من أطلق عليه لقب “حمايتي”.
الحقيقة الثالثة: من قام بتنصيب حميدتي في منصب نائب رئيس المجلس العسكري في أعقاب سقوط الإنقاذ ليس قوى الحرية والتغيير أو قوى الإطاري بل هي قيادة القوات المسلحة بمن فيها الجنرال ياسر العطا الذي اكتشف فجأة، وبعد أكثر من أربع سنوات أن حميدتي يعمل على توطين عربان الشتات في السودان!
الحقائق أعلاه تكشف بجلاء تدليس الدرديري واستخفافه بعقول الناس بطرح نظرية واهية وكأن ذاكرة الشعب السوداني ضعيفة للدرجة التي تنسى معها هذه البديهيات التي شهدها التاريخ القريب، وهو الأمر الذي يستدعي السؤال التالي: لماذا صمت الدرديري عن المعلومات الخاصة بخيوط المؤامرة التي سرد تفاصيلها ومراحلها الممتدة منذ عام 2014 ولم يفتح الله عليه بالحديث عنها طوال عشر سنوات؟
إن أكثر ما يثير الشفقة على بؤس نظرية المؤامرة هو إدعاء صاحبها أن الأوروبيين وجدوا ضالتهم في الدعم السريع الذي قدَّروا أنه سيشكل الحاضنة السياسية للأحزاب الموقعة على الاتفاق الإطاري (أسماها الليبرالية) لأنها تفتقد للسند الشعبي (يا للهول!) هذه الأحزاب تضم حزب الأمة القومي والطيف الغالب من الاتحاديين، وهما الحزبان أصحاب الغالبية التاريخية في الوطن الممحون.
إذا صدقت نظرية توطين عربان الشتات، وهى كاذبة، فإن المتورط الأكبر فيها هو حزب الدرديري ونظام الإنقاذ البائد ورأسه المخلوع (القائد الأعلى للقوات المسلحة)، وليس لقوى الاتفاق الإطاري أية علاقة بها.
* رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي
الوسومالإمارات الاتحاد الأوروبي الاتفاق الإطاري الدرديري محمد أحمد السودان الفلول الكيزان بابكر فيصل حميدتي عمر البشير عملية الخرطومالمصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الإمارات الاتحاد الأوروبي الاتفاق الإطاري الدرديري محمد أحمد السودان الفلول الكيزان بابكر فيصل حميدتي عمر البشير عملية الخرطوم الدردیری محمد أحمد الاتفاق الإطاری الدعم السریع فی السودان
إقرأ أيضاً:
السودان يقدم خارطة طريق السلام إلى الأمم المتحدة وشروط وقف إطلاق نار وإطلاق عملية سياسية ومستقبل الدعم السريع.. و(السوداني) تورد التفاصيل الكاملة
رجّحت مصادر متطابقة لـ(السوداني)، موافقة الحكومة السودانية على وقف إطلاق نار مشروط بانسحاب قوات الدعم السريع بشكل كامل من ولايات الخرطوم وكردفان ومحيط الفاشر، لكن وزير الخارجية السفير علي يوسف نفى في حديثه لـ(السوداني)، موافقة الحكومة على وقف إطلاق نار مقابل سحب قوات الدعم السريع، وأضاف: “هذه المعلومات غير صحيحة”، وأوضح أنّ ما حدث هو “تنفيذ اتفاق جدة بالقوة بطرد قوات الدعم السريع من الخرطوم ومناطق أخرى”.
ويحقق الجيش السوداني تقدماً في محاور عدة، حيث تمكن من استرداد أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وكامل ولاية الجزيرة وفك حصار مدينة الأبيض ـ شمال كردفان، فضلاً عن استرداد كامل ولاية سنار والنيل الأبيض، مكبداً المليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
ولم تستبعد ذات المصادر، أن تكون الأمم المتحدة هي من تقف خلف موافقة الحكومة السودانية، والترتيب لعملية سياسية “حوار سوداني ـ سوداني”، يقوده المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة.
وقال وزير الخارجية السوداني، إنهم لم يتلقوا “أي مبادرة سواء من المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة أو من منظمة الإيغاد”، ونوه إلى أن السودان لم ينهِ تعليق نشاطه حتى الآن بها “إيغاد”.
وفي وقتٍ سابقٍ، قطع كل من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقائد مليشيا الدعم السريع حميدتي، بعدم وجود أي مفاوضات لإنهاء الحرب بينهم.
وقدم السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش بتاريخ 10 مارس الماضي، جاء فيها: “صاحب السعادة، أتشرف بأن أحيل إلى معاليكم مرفقاً الوثيقة المعنونة خارطة الطريق الحكومية، والتي تتضمن بإيجاز رؤية حكومة السودان بشأن تحقيق السلام والاستقرار في البلاد في ظل التطورات الراهنة. تعكس هذه الخارطة التزام السودان بالتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق الأمن والاستقرار، وتتضمن خطوات عملية تهدف إلى وقف النزاع، وإعادة النازحين، واستئناف الحياة العامة، وترتيبات المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب. وفي هذا السياق، نأمل أن تُحظى هذه الوثيقة باهتمامكم وتلقي الدعم اللازم من الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وإذ أحيل لكم هذه الوثيقة، فإنني أؤكد استعداد السودان للعمل مع الأمم المتحدة لدعم تنفيذ هذه الخُطة وتحقيق السلام والاستقرار في البلاد”.
وجاء في خارطة الطريق الحكومية: “في ظل التطورات السريعة التي تشهدها الأحداث في السودان، يود السودان أن يقدم شكره وتقديره للجهود الكبيرة التي تبذلها الأمم المتحدة لدعم السلام والاستقرار في البلاد، إننا في السودان نرحب بجهود الأمم المتحدة في دعم عملية السلام وتعزيز الاستقرار والأمن بالبلاد، كما نثمن دورها في توفير المساعدات الإنسانية للسودانيين المتأثرين بالحرب التي فرضتها مليشيا آل دقلو الإرهابية على الشعب السوداني، ونؤكد على أهمية التعاون بين السودان والأمم المتحدة لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد، ونؤيد الجهود التي تهدف إلى تعزيز هذا التعاون، كما نأمل أن تستمر الأمم المتحدة في دعمها لمسيرة السلام والاستقرار والتحول المدني الديمقراطي، وأن نعمل معاً لتحقيق هذا الهدف النبيل”.
وتتبنى حكومة السودان خارطة الطريق، بحيث يمكن أن يكون هنالك وقفٌ لإطلاق النار، ولكن يجب أن يتخلله الانسحاب الكامل من ولاية الخرطوم وكردفان ومحيط الفاشر والتجمع في ولايات دارفور التي يمكن أن تقبل بوجود المليشيا في مدة أقصاها 10 أيام.
وشددت الحكومة على بداية عودة النازحين ودخول المساعدات الإنسانية على ألّا تزيد مدة تنفيذ هذا الأمر عن ثلاثة أشهر.
وأكدت على ضرورة استعادة الحياة ودولاب العمل في مؤسسات الدولة المختلفة مع صيانة البنى التحتية الضرورية مثل المياه والكهرباء والطرق والصحة والتعليم، على ألّا تزيد مدة تنفيذ هذا الأمر عن ستة أشهر.
وطالب السودان بتوفير الضمانات اللازمة والتعهدات بإنفاذ الخطوات السابقة بضمان ورقابة جهة يتم الاتفاق عليها مع الأمم المتحدة.
وأكدت خارطة الطريق، بأنه بعد إكمال الأشهر التسعة أعلاه، يمكن الدخول في نقاش وتفاوض مع الجهة الراعية حول الآتي:
1.مستقبل المليشيا المتمردة.
2.تشكيل حكومة من المستقلين تشرف على فترة انتقالية تتم فيها إدارة الدولة بعد الحرب.
3.إدارة حوار سوداني – سوداني شامل داخل السودان ترعاه الأمم المتحدة ولا يستثني أحداً، يقرر خلاله السودانيون مستقبل بلادهم.