الذكاء الاصطناعي في أدب الخيال العلمي واستشرافه
تاريخ النشر: 17th, August 2024 GMT
تتجلّى صور أدب الخيال في مظاهر متعددة يمكن أن أراها -وفقَ قراءتي لأدب الخيال- في الخيال الديني مثل الذي أبدع أبو العلاء المعرّي في صناعته استنادا إلى التصوير القرآني في وصف الآخرة ووصف أحوالها وأحوال أهل الجنة والنار؛ فيأتي كتابه «رسالة الغفران» عملا أدبيا خاض جرأة أدبية غير مسبوقة في تمكين العقل بالجنوح بخياله الواسع إلى أفق ماورائية تتناول أحوالا متخيّلة تعكس شعورا إنسانيا يختلط بين الحلم -رغبة الإنسان وأمانيه- والوهم -المدخلات الثقافية والدينية الظنية- واليقين -ما أثبته القرآن من وصف للآخرة-، ومن اليسير أن نقرأ ما بين سطور أبي العلاء المعرّي في روائع خيالاته وأدبها البليغ صورا من ثقافة مجتمع العصر العباسي وأفكاره الدينية السائدة التي تسمو بمقامات الشعر وعقود النثر وجماليات الخيال العذب رغم ما يعتريها من مخالطات تراثية مستوردة من الأدب اليهودي والنصراني تداخلت مع التأويل الديني، وفطنت أيضا إلى الأدب الفلسفي الذي وجدته في رائعة ابن طفيل «حيّ بن يقظان» التي تجاوزت زمانها بأدب استطاع عبر خياله الفلسفي أن يعكس الصورة الأدبية لفلسفة الشك المنهجي، وكأنها ترجمة لفلسفة الغزالي في الشك المنهجي التي أبحر في سردها ومعالجتها في كتابه «المنقذ من الضلال»؛ فكتاب «حيّ بن يقظان» إبداع يضاف إلى أدب الخيال الفلسفي.
كذلك رأيت صور أدب الخيال في الجانب العلمي الذي أبدع الأدب الغربي في صناعته منذ قرون عدّة، وبعضه ما تجاوز مظاهر الخيال بتحقق ما يمكن أن نقول عنه: «تنبؤاته» التي تترجم عمق القدرة الاستشرافية للكاتب، وهذا ما يتجلّى في أدب الخيال العلمي الذي تنبأ بعصر الذكاء الاصطناعي وإن افترقت المصطلحات بمضمونها النسبي إلا أن المعنى لم يحدث فرقا بين الخيال المصطنع قبل زمن طويل وبين الواقع الحاضر الذي جاء ترجمة نسبية لهذا الخيال، وفي رابط آخر يربط خيال الذكاء الاصطناعي وأدبه الواسع نجد الذكاء الاصطناعي عبر نماذجه التوليدية يخوض تجربة مدهشة جديدة في صناعة الخيال عبر إتقانه لفن الخيال المكتوب والمصّور الذي سبق أن تناولنا شيئا من ملامحه في مقالات سابقة.
لا أرغب في تشتيت ذهن القارئ بمقدمات كثيرة لأدب الخيال الديني والفلسفي الذي أستحّبُ أن أفرد لهما حديثا مستقلا يكفكف سيلان فيض هذه الصور من أدب الخيال؛ إذ سيكون مدخلنا في هذا المقال إلى الخيال العلمي الخاص بالذكاء الاصطناعي الذي نستفرد فيه بالأدب الروائي والقَصَصي الذي ألمحَ بخياله العلمي الجامح إلى تنبؤات بمستقبل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية التي ظهرت بعد فترات زمنية طويلة من ظهور مؤلفات الخيال العلمي. وقعت يدي مؤخرا على أحد أقدم أعمال أدب الخيال العلمي بعنوان «فرانكشتاين؛ أو بروميثيوس الحديث» «Frankenstein; or, The Modern Prometheus» من تأليف «ماري شيلي» «Mary Shelley» في عام 1818م، شدّني في الرواية -رغم زمنها الغابر- عبقرية الخيال العلمي الذي تجاوز زمان ظهوره الأول؛ فنجد في حبكته الروائية إشارات -غير مباشرة- إلى مظاهر الذكاء الاصطناعي الذي يمكن اعتباره بمثابة الكائن الرقمي في عصرنا؛ فيستطيع بطل الرواية الذي يُدعى «فيكتور فرانكشتاين» -الذي كان مهووسًا بفكرة إحياء الأنسجة الميتة- في صناعة كائن حي أُشِيرَ إليه بـ«الوحش» الذي يمكن أن يعكس طموحات المؤلفة وخيالاتها الحالمة في إيجاد كائن يتجاوز سمات الإنسان وقدراته التفكيرية، وهذا ما يعكس بدوره ملامحَ الذكاء الاصطناعي؛ فتخيّلت الكاتبة هذا الكائن بقوانينه الخاصة التي تثير أسئلة المجتمع بما فيها الاعتبارات الأخلاقية التي تصاحب وجود كيانات ذكية مستقلة، والمسؤولية المترتبة على صانع هذا الكائن ومصممه، وكذلك تثير الرواية جدل اكتساب هذا الكائن الجديد الاستقلالية الذاتية والوعي المشابه لوعي الإنسان، وكذلك المخاوف الذي يثيرها الإنسان من وجود هذا الكائن بوعيه المستقل والمتطور، وتتفق كل هذه الملامح الجدلية التي جاءت في الرواية مع الجدل الحالي فيما يخص الذكاء الاصطناعي من حيث الجوانب الأخلاقية والمسؤولية والوعي الرقمي، وكذلك المخاوف المرافقة لتصاعد تطويرات الذكاء الاصطناعي وطفرته المتسارعة.
تظهر على العالم في عام 1920م مسرحية بطابع الخيال العلمي « ر.و.ر (روبوتات روسوم العالمية)» «R.U.R. (Rossum›s Universal Robots)» من تأليف الروائي التشيكي «كارل تشابك» «Karel Čapek». تتناول المسرحية أحداثا مستقبلية تتعلق بصناعة «روبوتات» مصنوعة من مادة عضوية -غير ميكانيكية- صناعية تشبه البشر؛ فتبدأ المسرحية في عرض قصة لمصنع يصنع هذه الروبوتات، حيث تكون الروبوتات -في بداية عهدها- مطيعة ومصممة لخدمة البشر دون أيّ ممانعة، ولكن مع مرور الزمن، تصبح الروبوتات أكثر وعيًا وتبدأ في التمرد ضد مصنّعيها البشر؛ فتصل المسرحية إلى ذروتها عندما تطيح الروبوتات بالمجتمع البشري، مما يؤدي إلى انقراض الجنس البشري وظهور نظام عالمي جديد تحكمه الروبوتات. تعكس هذه الرواية المفاصل الجدلية نفسها التي ذكرناها آنفا في رواية «فرانكشتاين» من حيث الجانب الأخلاقي لصناعة هذه الكيانات الذكية، والمخاوف المصاحبة لظهور كيانات مستقلة التفكير والوعي، وكذلك المخاطر المترتبة من تطويرات هذه الكيانات الآخذة في امتلاك الحرية المستقلة البعيدة عن تحكم البشر وسيطرتهم، وهذا ما يمكن أن نراه في حاضرنا الرقمي الذي يعجّ بالأسئلة الكثيرة والمخاوف المتعلقة بكيان الإنسان ووجوده.
يمكن أن نرى أمثلة كثيرة أخرى لمثل هذه الأعمال الأدبية التي تجاوزت حدود زمانها بخيالها الاستشرافي الذي لم يلبثْ أن يكون واقعا ملموسا بعد فترة طويلة الزمن؛ فتظهر في عام 1933م رواية «عالم جديد شجاع» Brave New World» لـ«ألدوس هكسلي» «Aldous Huxley»، تدور أحداث هذه الرواية في مجتمع مستقبلي حيث تبرز ما يمكن أن نطلق عليه «هندسة البشر» الذي يشبه مصطلح «رقمنة البشر» -سبق تناوله في مقال سابق-، ويمكن توجيه البشر عبر هذه التوأمة بين الإنسان والإنسان للقيام بأدوار محددة وفقَ نظام طبقي صارم، وتستكشف الرواية موضوعات التحكم الرقمي والاستقرار الاجتماعي وفقدان الفردية؛ ففي هذا المجتمع الهجين، يُستبدل التكاثر الطبيعي بعملية خاضعة للتحكم الدقيق عن طريق التهجين الاصطناعي والهندسة الجينية -في ذلك الزمن لم تكن الهندسة الجينية مكتشفة-، ويكيّف البشر منذ الولادة لقبول أدوارهم المحددة مسبقًا، وللبحث عن المتعة والاستهلاك على حساب الحرية الشخصية أو التفكير النقدي، وتحكمُ الحكومات سيطرتها على البشر عبر التقنيات المتقدمة، وبواسطة التلاعب النفسي ودواء يسمى «سوما»، الذي يُبقي السكان في حالة من الهدوء والرضا.
في ظل حديثنا عن أدب الخيال العلمي الذي تنبأ بظهور الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية؛ فلا يمكن أن نتجاوز الحديث عن المجموعة القصصية «أنا، روبوت» «I, Robot» التي كتبها «إسحاق أسيموف» «Issac Asimov» في عام 1950م، وتدور أحداث هذه القصص القصيرة المترابطة في شخصية عالِمة نفس تدعى الدكتورة «سوزان كالفن» تعمل في شركة الروبوتات والميكانيكا الأمريكية، وتروي تجاربها مع الروبوتات على مر السنين، وبشكل عام قدّم هذا العمل الخيالي استشرافا عميقا لمستقبل التقنيات عبر ابتكار «أسيموف» للقوانين الثلاثة للروبوتات التي تعنى بوضع أسس للتحكم بسلوك الروبوتات وضمان تفاعلها الآمن في المجتمعات البشرية. سبقت قصص «أسيموف» زمنها عبر رؤية استشرافية تخص جوانب مهمة متعلقة بالذكاء الاصطناعي وتطويراته منها الحاجة إلى إطار أخلاقي قوي لتوجيه سلوك الذكاء، وتصويرها العميق للتفاعل بين الإنسان والآلة الذكية التي تعكس الديناميكيات العاطفية والنفسية بين البشر والآلات.
ثمّة أعمال أدبية أخرى أبرزت الخيال العلمي واستشرفت المستقبل في ظهور الذكاء الاصطناعي، ولكن سنكتفي بما عرضناه في الفقرات السابقة؛ لتكون أمثلةً تُظهر بعدا استشرافيا يمكن للخيال العلمي أن يميط لثامه؛ فيبرز بواسطته عبقرية العقل البشري الذي يملك قدرة على تجاوز الزمن؛ فيتداخل مع رؤية عميقة لمستقبل العلم، وهذا ما يمكن أن نظنه أحلاما بشرية تنجرف انجرافا مع سريان الزمن إلى المستقبل؛ فتجد مصباتها التي تلامس شغف الإنسان وطموحاته، وهنا أيضا تتجلّى قاعدة العقل الكوني الذي لا يفقد اتصاله بالعقل الفردي، ولا يرضخ لقوانين الزمكان والحواجز الزمانية؛ فالخيال واسع إلى حدود مدهشة تترجم مكنونات العقل الكوني ووعيه الشامل.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی العلمی الذی هذا الکائن ما یمکن أن وهذا ما فی عام الذی ی
إقرأ أيضاً:
خبر سيئ للأفريقيات في هذا القطاع.. بسبب الذكاء الاصطناعي
قال تقرير، يوم الخميس، إن عددا أكبر من النساء يحتمل أن يفقدن مهامهن في قطاع التعهيد ويتم استبدالهن بالأنظمة الأوتوماتيكية والذكاء الاصطناعي بحلول 2030 مقارنة بالرجال.
وأضاف التقرير، الذي صدر في مؤتمر للذكاء الاصطناعي في العاصمة الرواندية، كيغالي، أن النمو المتزايد حاليا في قطاع التعهيد في القارة الأفريقية قد يتباطأ، وحث العاملين على تعزيز مهاراتهم حتى ينتقلون إلى وظائف أفضل.
وتجمع أكثر من 1000 من صناع السياسات وقادة الأعمال وجماعات المصالح في كيغالي لأول قمة عالمية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا على الإطلاق.
ودعا الرئيس الرواندي بول كاغامي، الذي ألقى خطابا في المؤتمر في يوم افتتاحه، إلى المزيد من الاستثمارات والابتكار والإبداع.