جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-03@00:31:25 GMT

التطبيع.. أخطرُ ما يتهدّدُ المجتمع

تاريخ النشر: 17th, August 2024 GMT

التطبيع.. أخطرُ ما يتهدّدُ المجتمع

 

د. صالح الفهدي

أعظمُ خطرٍ يواجههُ المجتمعُ هو التطبيع، وأقصدُ بالتطبيع هو التعوُّد على أمورٍ مخالفةٍ لقيمِ المجتمع وآدابه، والنظر إليها على أنها من الأمور العادية؛ بل إنّ بعضها قد يصبحُ من الأمور المُستلطَفة التي يتفكّهُ ويتندّرُ بها الناس!

ويمكننا ملاحظة ذلك عندما يعلِّقُ البعض على تصرفات غير منضبطةٍ لبعض الناس على أنها لا تليق بمجتمعنا المحافظ على قيمه، وآدابه، فلا تكاد تصدِّقُ الردود التي تتسابق معارضةً ذلك التعليق بحجّة مقولة باطلة في معرض النهي عن المنكر "دعوا الخلق للخالق"!، ومعنى اعتراضهم بأن عليكم أن لا تتدخلوا في شؤون الآخرين، وهم في هذا لا يتدبرون ما حدث في الأُمم الأخرى من هلاك لأنهم كما يقول الحق سبحانه وتعالى: "كانُوا لا يتناهوْن عن مُّنكرٍ فعلُوهُ لبِئْس ما كانُوا يفْعلُون" (البقرة: 79).

كما إنهم يرون التعليق على انتهاك حرمات المجتمع تشهيرًا بأصحاب التصرفات، مُتغافلين أن من قام بالتصرفات المُنحرفة، وأظهر الميوعة، والغنج بما لا يليق بالرجال، قد أظهروه في العلن، مجاهرين بما يُعدُّ منكرًا، فيصبح على المجتمع أن يذود عن أخلاقهِ بانتقادِ ما يراهُ خارجًا عن الفطرة السليمة، ومخالفًا للدين والآداب العام، والذوق الذي نشأ عليه المجتمع.

التطبيعُ آفة المجتمع؛ لأنه بذلك يتعوّدُ على الفواحش فلا يواجهها؛ بل يراها وكأنها خارجة عن مسؤولياته، فتصبح روتينية، عادية، وبالتالي يصبح المنكر مألوفًا، والفحشُ مُعتادًا، ويندرجُ كل ذلك في إطار "الحريات الفردية"؛ حيث لا يجب على أحد أن يقول كلمة حق حتى ينتشر الفساد في المجتمع، وتستشري الفاحشة فيه، فلا يستطيع حينها أن يُعيد النظر إلى ما أفسده هو نفسه.

يقول السيد محسن المدرسي مؤلِّف كتاب "التطبيع مع المنكر": "أما ترى في حياتنا وفي مجتمعاتنا كيف تتغير الموازيين والمعايير، فيصبح المعروف- بحكم الشرع والعقل- مُنكرًا، والمنكرُ معروفًا؟ أما نشاهدُ يوميًا كيف احولّت مجتمعاتٌ غربيةٌ وأخرى شرقية، فجمعت قيمًا أخلاقية عُليا كالعفّةِ والحياء والوفاء والصدق والأمانة ثم وسمتها بوسام التّخلف، وصار حاملها مذمومًا يُسخرُ منه آناء الليل وأطراف النهار؟".

ولا يسلم في كثير من الأحيان من ينتقدُ سلوكيات معيّنةٍ يجدها مجانفةً للفطرة، مخالفةً للأدب؛ إذ تأتيه الردود الهجومية عنيفةً، وقاسيةً، وكأنّما قد نصّب أصحابها دروعًا لكلِّ من ينبري الانتصار لقيم المجتمع، فيهاجمونه، ويتّهمونه بازدراء الآخرين، وتشويه سمعتهم، في حين أن سمعة- أولئك الآخرون- عفنة، تُزكِّم الأنوف، وسيرتهم المنحرفة ظاهرة للناس لا تحتاج إلى دليل.

إنَّ الإشكاليات التي تحدثُ من جرّاء مهاجمة كل من ينتقدُ السلوك الشائن، أو الفعل القبيح، أو الشخص الرديء، تتمثل في أن آخرين لن يجرؤوا على ما قام به من انتقاد خشية مهاجمتهم من قِبل الذين يرون أنهم يتعدُّون على حريات الآخرين، أو يمسُّون سمعتهم.

هكذا تتغيّر المعايير في المجتمع، وذلك بتجميل الشخوص المنحرفةِ عيانًا، بإغداق المديح عليها، وهو ما يعني تسويقها على أنها نماذج مقبولة في المجتمع، بل قد ترقى إلى القدوات الاجتماعية! أذكرُ هنا على سبيل التعجُّب أن حاملًا لشهادةٍ أكاديمية عُليا يُسبغُ الثناء المبالغ على شخصٍ لا تدلُّ سلوكياته المتغنجة، المتكسرة على خصال الرجال وطباعهم. وذلك الثناءُ، والاحتفاء والقبول لَيُشجِّعُ على بروزِ نماذج أُخرى تتوسّعُ في مساحة الظهور الاجتماعي وهكذا ينتقل المجتمعُ من الدائرة الحمراءِ التي كان حازم المعايير فيها، إلى الدائرة الرمادية التي تتأرجحُ فيها آراؤه، ثم ينتقلُ -بسبب ما يروّج لهؤلاء الشخوص- إلى الدائرة الخضراء فيصبح أمر وجودها عاديًا جدًا؛ بل من علامات التعدد والتنوع في المجتمع!

في إحدى الدول، يُعجبني تصرُّف عدد من روّاد التواصل الاجتماعي، إذا ما رأوا متجاوزًا على قيم وآداب المجتمع، فإِنهم لا يترددون في إسكاته، وإخراس صوته، حتى لا يشجِّع غيره على ما أتى به من خزايةٍ ودناءة، ولا تقوى عصابته التي تجسُّ نبض المجتمع، فإذا رأوا المجتمع هامدًا، خامدًا، خجولًا من الانتقاد، خائفًا من ردِّة الفعل، ازدادت دسائسهم خبثًا، وتوسّعت أعمالهم التي تستهدف خلخلة مرتكزات المجتمع الدينية والأخلاقية والاجتماعية.

في السابق، كانت حالات الطلاق قليلة، ورغم ذلك لم تكن طبيعية في المجتمع؛ بل يستنكرها، ويستثقلها، أمّا اليوم فرغم كثرة حالات الطلاق فإنها أصبحت أمرًا عاديًا، مألوفًا في المجتمع، والطلاق هو في الحقيقة هدمٌ لأركان المجتمع، وتضييعٌ لفرص ثمينة لنموِّه والإنساني وهو ما يعني وجودهِ ومصيره.

التعاطي مع العنفِ أصبح أمرًا مألوفًا في مجتمعاتنا بسبب مشاهدة الأفلام؛ بل تخصصت مدينة السينما الأمريكية "هوليوود" في إنتاج أفلام "الأكشن" التي تتصدّر الاختيارات في العالم، وهي أفلامٌ فارغةٌ إنسانيًا، قائمةٌ على مشاهد العنفِ والقتل؛ بل إن المشاهد أصبح يستأنس بالفيلم الذي يبدأ بارتكاب جريمة مباشرة لأن ذلك يثير فيه مادة الدوبامين التي تشعره بالسعادة!!

أخطرُ ما يواجهه المجتمع هو تطبيع بعض الأخلاقيات غير السويّة أو السلوكيات الدخيلة عليه، ثم يصبحُ الأمر عاديًا على مرِّ الأوقات، وهذا ما حدث في المجتمعات الأوروبية تحديدًا؛ إذ أصبح انحراف الفطرة الإنسانية، والشذوذ، والعلاقات المحرّمة أمرًا طبيعيًا في المجتمع؛ بل أصبح كل من لا يمارسِ هذه الفواحش في نظرِ أفراده شخصًا غير طبيعي!!

وإذا كان من الأفضل أن لا يتوسّع الحديث عن بعض الحالات الشاذة تمثُّلًا بما قاله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إِنّ لِلّهِ عِبادًا يُمِيتُون الْباطِل بِهجْرِهِ، ويُحْيُون الْحقّ بِذِكْرِهِ"، فإِنّه حينما يُذكر في العلن لا يجب مواجهته بالسكوت، وإنما بانتقاده، ووأدهِ حتى لا يتلقّفه مروِّجو الفساد في المجتمعات.

أرى أن على المجتمع بأفراده ومؤسساته التأكيد بصورة مستمرة على ثوابت أصيلة في ثقافته، لكي يُجلي أيّ شكٍّ يشوِّهُ أخلاقياته، ومبادئه، فيؤكِّدُ على المباديء الأصيلة، والأُسس الواضحة، كما أنّ عليه أن يساند قدواته السويّة، ويجعلها نماذجه المرتضاة، المقبولة، بجانب أن على الأُسر التحدُّث مع أبنائهم عن الأثر الذي يُحدثه تطبيع المنكر على المجتمع.

إنَّ التطبيع يخلقُ الألفة للمساوئ؛ فتنتقلُ من المحرمات إلى المُباحات، وهكذا يصابُ المجتمع في مقتل، ما ينذرُ بتفككهِ، وضعفه، وهو الأمر الذي نحذِّرُ منه اليوم حتى لا تكون عواقبه وخيمةً علينا.. لا قدِّر الله.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

بعد نتنياهو ولوبان وترامب.. هل أصبح القضاء في مواجهة مفتوحة مع الزعماء؟

سلطت صحيفة "الكونفيدينسيال" الإسبانية الضوء على تصاعد موجة التشكيك في القضاء من قبل قادة سياسيين عبر الطيف الأيديولوجي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وصولا إلى اتهام السلطة القضائية بالتآمر ضدهم.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، إن الهجوم على دولة القانون بات شائعا لدرجة أن الامتثال للأحكام القضائية قد يصبح قريبًا الفعل الثوري الحقيقي.

وأضافت أن نائبة رئيس الوزراء الإسبانية، ماريا خيسوس مونتيرو، انضمت إلى هذا التيار بعد تصريحاتها المثيرة للجدل حول حكم لاعب كرة القدم البرازيلي داني ألفيش، والتي أنكرت فيها مبدأ افتراض البراءة، لتجد نفسها في صف واحد مع شخصيات مثل زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف مارين لوبان، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه القائمة آخذة في التوسع، حيث تضم أيضًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمياردير إيلون ماسك، وأسماء أخرى صعّدت هجماتها ضد القضاة والمدعين العامين مؤخرا.


وذكرت الصحيفة أن هؤلاء السياسيين لا يدركون أن مناصبهم لا تمنحهم حصانة من المساءلة القانونية، ولا تعفي عائلاتهم من المثول أمام القضاء، بل يصرون على تصوير أي إجراءات قانونية ضدهم على أنها مؤامرة تستهدفهم أو تستهدف أفكارهم. وقد كان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز سبّاقًا في هذا النهج، عندما قرر التوقف خمسة أيام للتفكير، فور بدء التحقيق في أنشطة زوجته.

وأضافت الصحيفة أن التشكيك في القضاء أو الادعاء بوجود مؤامرة قضائية بات ظاهرة متفشية بين السياسيين، سواء كانوا في السلطة أو يسعون إليها، لدرجة أنها اجتازت الحدود الأيديولوجية في أوروبا، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، بل تخطت المحيط الأطلسي أيضًا، متنقلة من ضحية سياسية مزعومة إلى أخرى. وأوضحت أن ما كان يُعتبر سابقًا خطابًا مناهضًا للنظام أصبح تيارًا سائدًا، لكنه لم يفقد خطورته.

وأفادت الصحيفة أنه بينما يسعى بنيامين نتنياهو إلى تمرير قانون يضع القضاء الإسرائيلي تحت سيطرة السياسيين، يواصل دونالد ترامب تحديه العلني للأحكام القضائية، في حين تحشد مارين لوبان أنصارها للاحتجاج على قرار يمنعها من الترشح للانتخابات بعد إدانتها بالاختلاس. وفي المقابل، يقدم الحزب الحاكم في إسبانيا نفسه كقوة أوروبية رائدة، بينما تهاجم نائبته مبدأ الفصل بين السلطات، وتلجأ إلى خطاب "القضاء المسيس" كلما فُتح تحقيق ضدها.

ولفتت الصحيفة إلى أن مستقبل أوروبا يعتمد، من بين عوامل أخرى، على مدى قدرة دولة القانون على التصدي لهجوم لوبان، أكثر مما تمكنت من الصمود أمام أوربان. لذا، فإن تأجيج الخطاب الشعبوي المناهض للقضاء لا يبدو المسار الأمثل لإبراز صورة رجل دولة، ولا لحماية نظام سياسي يواجه ضربات متزايدة من التيارات الشعبوية، سواء من اليمين أو اليسار.

وبينت الصحيفة أن ماريا خيسوس مونتيرو نجحت في توحيد جميع جمعيات القضاة والمدعين العامين ضدها، بعد تشكيكها في مبدأ افتراض البراءة، بينما تمكنت مارين لوبان من جمع أضداد سياسيين مثل ترامب وبوتين، وأوربان وجان لوك ميلانشون، بالإضافة إلى حزب فوكس الإسباني. الجميع يصورها على أنها ضحية للاضطهاد القضائي، رغم أن إدانتها بالاختلاس تعني حرمانها من الترشح. لكن قد يتحول التصعيد في الشارع إلى ورقة رابحة لحزبها ولخليفتها السياسي جوردان بارديلا، بهدف تعزيز مكاسبهم الانتخابية. فقد أثبت ترامب أن لعب دور الضحية أمام القضاء قد يكون وسيلة فعالة لحصد الأصوات في صناديق الاقتراع.

ووفق الصحيفة، فإن ماريا خيسوس مونتيرو لا تلحق الضرر بدولة القانون فحسب، بل توجه أيضًا ضربة قاسية للحركة النسوية من خلال تصريحاتها حول حكم داني ألفيش. فحين يصدر التشكيك في مبدأ افتراض البراءة من داخل السلطة، فإن المستفيد الأكبر من ذلك هو الخطابات الأكثر عداءً للنسوية وللنظام القائم. وكان يإمكان نائبة رئيس الوزراء كان بإمكانها ببساطة الاعتراف بخطئها، سواء كانت مخطئة فعلًا أم لا، لكنها فضّلت التلكؤ قبل الاعتذار، وكأن الأمر كان عبئًا ثقيلاً عليها.


وأفادت الصحيفة بأن حزب فوكس، على وجه الخصوص، قد يجد في هذا الجدل مادة لتعزيز خطابه، إذ يروج منذ فترة لفكرة أن المحاكم منحازة ضد الرجال، ويستغل مخاوف المراهقين عبر إيهامهم بأن النوادي الليلية مليئة بنساء يمكن أن يُصدقن بمجرد كلمتهن، دون الحاجة إلى أدلة. لكن الواقع مختلف تمامًا، فبحسب الاستطلاع الموسع حول العنف ضد المرأة في إسبانيا، واحدة فقط من كل عشر ضحايا للعنف الجنسي تتقدم بشكوى رسمية، وعدد قليل جدًا من النساء يجرؤن على الإبلاغ خوفًا من عدم تصديقهن، ومن بين القلة التي تفعل، تحصل نسبة أقل على حكم منصف في المحكمة.

وقالت الصحيفة إنه بدلًا من استغلال هذه القضية لفتح نقاش حول الحاجة إلى مزيد من التقدم في حماية الضحايا، أطلقت نائبة رئيس الوزراء خطابًا أضعف الثقة في المؤسسات التي تمثلها. وليس من المستغرب أن تلقى مثل هذه التصريحات ترحيبًا من اليمين المتطرف، الذي دأب على التشكيك في القرارات القضائية كجزء من إستراتيجيته السياسية لنشر الفوضى، في وقت تواجه فيه الديمقراطيات الغربية تحديات متزايدة.

واختتمت الصحيفة التقرير بالقول إنه إذا كانت الحكومة الإسبانية تطمح إلى لعب دور قيادي في المشروع الأوروبي في مواجهة المدّ الترامبي، وترى نفسها حصنًا لحماية القيم الديمقراطية، فلا ينبغي لها أن تستخف بمبدأ الفصل بين السلطات إلى هذا الحد. وإلا، فإن حكومة سانشيز، بدلًا من أن تكون نقيضًا لترامب كما تسوّق لنفسها، ستصبح مجرد نسخة من تلاميذه.

مقالات مشابهة

  • بعد نتنياهو ولوبان وترامب.. هل أصبح القضاء في مواجهة مفتوحة مع الزعماء؟
  • الأمم المتحدة: غزة أخطر مكان للعاملين في المجال الإنساني
  • التطبيع مع العجز: حين تصبح المجازر أرقاما وتموت الإنسانية على الشاشة
  • التحقيق مع الفنانة الأردنية جولييت عواد بسبب منشور عن التطبيع
  • أخطر من ليلى عبداللطيف.. تعرف على تنبؤات العرافة "بابا فانجا" في عام 2025
  • البعريني: التطبيع لا يحل بالمزايدات والعنتريات
  • إستعدادات لبنانية لاليات تفاوض من دون الدخول في مسار التطبيع
  • أخطر كذبة إسرائيلية في لبنان.. ملف التطبيع يبدأ منها!
  • الخرطوم هي العاصمة العربية التي هزمت أعتى مؤامرة
  • قطار يمر وسط سوق ضيق في تايلاند..مصري يوثق أحد أخطر الأسواق بالعالم