هاني بهاء الدين يكتب: حياة كريمة.. الاستهداف الريفي والعدالة المكانية
تاريخ النشر: 16th, August 2024 GMT
مع أفول دولة الرفاه الاجتماعي، باتت جميع المجتمعات في مهب الصدمات العالمية الانعكاسية، والسياسات الاقتصادية غير المواتية وحياة غالب فئات المجتمع؛ الذي يحاول جاهدًا أن يحيا اعتمادًا على نفسه من هذه الآن، مع تغير مفاهيم الحماية والرعاية الاجتماعية، وتراجع دور الدولة وتخليها عن أداء بعض التزاماتها تجاه مواطنيها، ومع حدوث تفاوتات كبيرة بين أفراد المجتمع الواحد، نالت من تحقيق العدالة الاجتماعية، وكرسَت لأشكال مُتباينة من اللامساواة لا سيما المكانية تجددت محاولات إحياء دولة الرفاهية مُجددًا على أن تقوم على مبادئ المساواة في الفرص، والتوزيع العادل للثروة، والمسؤولية العامة للمواطنين غير القادرين على منح أنفسهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
وتظهر الخبرة الدولية، أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية سيستمر أو يزداد دون الجهود المركزة على تهيئة الفرص للسكان الريفيين الفقراء، بمن فيهم الأشد فقرًا وضعفًا، أو تعديل علاقات القوة غير المتساوية التي تُسهم في توليد الفقر، ما يعني إلحاحًا ضرورة «الاستهداف الريفي» ضمن إطار إنمائي يلتحف «العدالة المكانية» عبر مجموعة من الإجراءات والتدابير المصممة بشكل هادف؛ لضمان استحقاق الفئات الأكثر فقرًا وحاجة، وتفعيل ما أمكن من مبادرات التنمية الريفية الداعمة.
ويُطَبَّق مفهوم العدالة المكانية من خلال نهجين رئيسين: الأول يتعلق باستكشاف التوزيع الاجتماعي والمكاني، فيما يتعلق بتحقيق التوزيع الجغرافي العادل للخدمات والمرافق لتلبية احتياجات ومتطلبات المجتمع، دون تمييز، أما النهج الثاني يقوم على تحليل عملية صناعة القرار فيما يتعلق بفهم الأبعاد المكانية للتمثيل، والهويات المتباينة، والممارسات الاجتماعية.
وبشكل عام يرتبط موضوع العدالة المكانية بالتفاوتات الإقليمية بين المناطق المختلفة داخل البلد الواحد «الريف والحضر، الشمال والجنوب، الأكثر تحضرًا والأكثر عشوائية»، ويبيّن النظر في الحالة المصرية على وجه الخصوص سوء تخصيص وتوزيع الموارد والخدمات والاستثمارات العامة بين المدن الحضرية والريف المصري، وأن ثمة تحيزًا لمناطق جغرافية بعينها، يكتنفها مغالطة النظر إلى المناطق الفقيرة بشكل متجانس؛ إذ يفترض توزيع الموارد وفق منطق العدالة لا المساواة، أي وفق الاحتياجات لا التساوي الكمّي لتقليل الفجوات التنموية.
وهذا ما ظهر جليًا في مسوح الفقر في مصر، وتزايد معدّلاته في ريف الوجه القبلي بنسبة تصل إلى 48%، وقد حال ضعف مستويات التنمية لسنوات عديدة في الريف المصري من الارتقاء بالمستويات المعيشية والتنمية البشرية للمواطنين بهذه القرى، وهو المؤشر الذي كان يشكل خطرًا، خاصة وأن أكثر من نصف سكان مصر يعيشون في الريف، والذين تبلغ نسبتهم 57.8% من إجمالي السكان، مقابل 42.2% يعيشون في الحضر.
ولهذا تم إطلاق المشروع القومي لتنمية الريف المصري ضمن مبادرة حياة كريمة في العام 2019، برؤية شابة، وقيادة داعمة، ليكون بمثابة الدفعة القوية نحو إنهاء هذه المعاناة، بهدف إحداث تغيير ارتقائي مخطط لأوضاع القرية المصرية من خلال تحسين جودة حياة أهالي القرى الريفية الأكثر فقرًا في إطار استراتيجية التنمية المستدامة، ورؤية مصر 2030؛ لتستهدف تحسين جودة حياة المواطن المصري، ومواجهة الفقر متعدد الأبعاد، مع توفير حياة كريمة تتسم بالاستدامة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجًا والأكثر فقر، ومراعاة العدالة المكانية بما يكفل سد الفجوات التنموية بين المراكز والقرى وتوابعها، والاستثمار في تنمية الإنسان المصري، وإحياء قيم المسؤولية المشتركة بين الجهات الشريكة لتوحيد التدخلات التنموية الريفية.
وتقوم المبادرة على أربع ركائز أساسية، منها: تحسين خدمات البنية الأساسية، والخدمات العامة، وتحسين مستوى الدخول والاستفادة من كل معطيات التنمية الاقتصادية، فضلًا عن تدعيم مؤسسات المشاركة الشعبية من خلال تأهيل وتدريب المواطنين على المشاركة الشعبية، وإتاحة فرص أوسع لكافة فئاتهم في المشاركة في كل مراحل تخطيط وتنفيذ وإدارة وتشغيل المشروعات والخدمات.
وعليه، قسمت القرى المستهدفة من جانب المبادرة وفقًا لقاعدة بيانات خرائط الفقر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لتحديد القرى الأكثر فقرًا مرتبة حسب نسبة الفقراء بكل قرية. وتغطي المبادرة في مرحلتها الأولى أكثر من 4500 قرية، بإجمالي 175 مركزًا في 20 محافظة.
وتتضمن المبادرة ثلاث مراحل: الأولى تشمل القرى ذات نسب فقر تتجاوز 70% وهي الأكثر احتياجًا وتحتاج إلى تدخلات عاجلة، والثانية القرى ذات نسب الفقر التي تتراوح بين 50% إلى 70%، والثالثة القرى ذات نسب الفقر أقل من 50%، بإجمالي استثمارات تتجاوز 500 مليار جنيه، غايتها الاستهداف الريفي، بتنويع الفئات المستفيدة من المبادرة، حيث الأسر الأكثر احتياجًا في التجمعات الريفية والعشوائية، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء المعيلات والمطلقات، والأطفال الأيتام، والشباب العاطل عن العمل، ومظلة رسمية في نفس الآن لعمل الشباب المتطوع.
وجاءت مبادرة حياة كريمة كحاضنة مجتمعية جامعة للأنماط الأساسية الثلاثة لبرامج الحماية الاجتماعية، والتي تشتمل على برامج الحماية التى لا تستند إلى اشتراكات أو مساهمات مالية، والتي تشتمل على جميع المساعدات الاجتماعية التي تقدم للفئات الأكثر احتياجًا والبرامج المعنية بالتمكين الاقتصادي والمساعدات ذات الطابع الإغاثي والطارئ عبر شبكات الأمان الاجتماعي، وبرامج الحماية الاجتماعية القائمة على اشتراكات المستفيدين أو الممولين، مثل نظام التأمينات، وبرامج سوق العمل النشطة، وإدارة مخاطر هذا السوق لحماية الفئات الأفقر وإدماج العاطلين، والشكل الأساسي هو أن تدفع الحكومة نسبة معينة، والمجتمع المدني يساهم بنسبة أخرى.
ولتحقيق جدارة الأداء وسرعة الإنجاز وحوكمة جميع أركان المشروع القومي لتطوير الريف المصري «حياة كريمة»، بُغية الاستهداف الريفي والعدالة المكانية في نفس الآن؛ باشرت الدولة منظومة إلكترونية متكاملة للمتابعة مبنية على منهجية البرامج والأداء، حيث تربط بين الاعتمادات الموجهة للتدخلات التنموية والعائد المستهدف منها، من خلال التحديث اللحظي لمؤشر جودة الحياة (معدل إتاحة الخدمات الأساسية)، كما ترتكز على التخطيط المبني على الأدلة والاستفادة من قواعد البيانات المتوفرة بالدولة، فضلاً عن تكاملها مع منظومة التغيرات المكانية.
وتقييم المبادرة بمراحلها المتحققة، ينبأ عن الاستهداف الريفي، حيث استطاعت مراحل عمل المبادرة تحقيق العدالة المكانية، وهي من أهم مستهدفات خطة الدولة، علاوة على تحسين مؤشر جودة الحياة، وخفض معدلات الفقر متعدد الأبعاد في القرى المستهدفة، وعليه، تم إدراج المبادرة ضمن سجل منصة «الشراكات من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة» التابعة للأمم المتحدة، وهذا دليل استيفاء المبادرة للمعايير الذكية للمنصة بكونها محددة الأهداف، وقابلة للقياس، وقابلة للإنجاز، وقائمة على أساس الموارد المتاحة، ومحددة زمنيًا، وأنها ضمن أفضل الممارسات التنموية ومسرعات أهداف التنمية المستدامة 2030؛ نظرًا لإحداثها تغييرًا ارتقائيًا مخططًا لأوضاع القرية المصرية.
ولا يزال المشروع القومي لتنمية الريف المصري «حياة كريمة» هو الملاذ الآمن والأمل المرتجي للاستهداف الريفي والعدالة المكانية الغائبة؛ فهو البرنامج الإنمائي الأضخم من حيث التمويل، والأكبر من ناحية النطاق الجغرافي، والأعلى من حيث المستهدف البشري، وعليه يُعقد العزم وحلم الجمهورية الجديدة.
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: حياة كريمة مؤسسة حياة كريمة التنمية المستدامة الريف المصري الأکثر احتیاج ا الریف المصری الأکثر فقر حیاة کریمة من خلال
إقرأ أيضاً:
إعادة بناء القرية السودانية: رؤية لمستقبل مستدام بعد الحرب
مقدمة:
في أعقاب الحروب وما تخلفه من دمار، تصبح عملية إعادة البناء ضرورة إنسانية ووطنية ملحة. كنا قد تلقينا رسالة من أحد الأساتذة الأفاضل الذي أبدى اهتمامه بما كتبناه عن دور المرأة السودانية ومقدراتها ورغم تواضع كلماتنا أمام علمه، غير أننا آلينا على أنفسنا أن ندلي بدلونا، إيمانًا بدور الكلمة في رسم ملامح المستقبل..
لقد كان هدفنا هو أن نشير الي تنمية القرية بعد الحرب، ونحن نؤمن إن إعادة بناء القرى السودانية ليست مجرد عملية مادية لترميم المباني والجسور وتسوية الطرق، بل هي مشروع لإحياء مجتمع بكامل نسيجه من خلال رؤية متكاملة للتنمية المستدامة. فالقرية تمثل نواة الحياة السودانية، ومن دونها تذبل الروح الإنتاجية، ما يدفع السكان نحو النزوح إلى المدن، فتتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
من المهم لا يمكن أن يتحقق هذا الإعمار إلا بتضافر الجهود المحلية والدولية، مع ضرورة الحفاظ على الهوية والاستقلالية، لتجنب الارتهان للمساعدات دون تحقيق تنمية حقيقية. من هذا المنطلق، نطرح فيما يلي محاور أساسية ونأمل أن تُناقش بعقلانية وواقعية، سعيًا للوصول إلى نتائج إيجابية:
1. الأثر النفسي والاجتماعي للحرب:
الحروب لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تمزق النسيج الاجتماعي وتخلّف صدمات نفسية عميقة. لا بد من وضع الإنسان في قلب عملية إعادة البناء عبر:
* برامج الدعم النفسي: ودوره المهم لتجاوز آثار الصدمات من خلال جلسات الإرشاد الجماعي والفردي، مع تدريب كوادر محلية لضمان استمرارية الدعم.
*الحوار المجتمعي: إنشاء منصات للحوار يشارك فيها شيوخ القبائل والقادة المحليون والنساء والشباب، لتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي.
* إعادة دمج النازحين: توفير عودة آمنة وتأمين سبل العيش من خلال توفير فرص عمل وتعليم، وضمان الحق في السكن الملائم.
2. إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات:
القرية بدون خدمات أساسية كالجسد بلا روح، لذا يُعد تأهيل البنية التحتية حجر الأساس في عملية الإعمار:
* المرافق الصحية والتعليمية:
الاهتمام ببناء المدارس والمستشفيات وفق معايير حديثة، مع توفير الأدوات التعليمية والطبية الضرورية.
*شبكات المياه النظيفة والصرف الصحي: إنشاء محطات لتنقية المياه، وتدريب السكان على صيانتها لضمان ديمومتها.
* الطرق والكهرباء: ربط القرى بالمدن لتسهيل حركة السكان والبضائع، مع توفير حلول طاقة مستدامة مثل الطاقة الشمسية.
3. التعليم والتدريب المهني:
لا يمكن النهوض بالمجتمع دون الاستثمار في الإنسان. ويُعد التعليم حجر الزاوية في هذا المسار عبر:
*مراكز التدريب المهني: لتعليم المهارات الحرفية كالحدادة والنجارة والخياطة، إضافة إلى مهارات جديدة في التكنولوجيا والطاقة المتجددة. وتشجيع الفتيات لاهمية التدريب
المهني جنب الي جنب مع الفتيان..
*دعم التعليم النظامي: توفير منح دراسية وبرامج محو الأمية، مع التركيز على تعليم الفتيات.
*المشاريع الريادية: تمويل مشاريع صغيرة تعزز الاكتفاء الذاتي، مع التركيز على تحسين الإنتاج الزراعي وتطوير سلاسل القيمة.
4. التنمية الاقتصادية والزراعية:
تعتمد القرى السودانية بشكل أساسي على الزراعة، لذلك يجب إعادة الحياة لهذا القطاع عبر:
* توفير المدخلات الزراعية: من بذور محسّنة وأدوات زراعية ومبيدات آمنة بيئيًا.
* تقنيات الري الحديثة: كهندسة قنوات الري وإدخال أنظمة حديثة مثل الري بالتنقيط، لضمان الاستفادة القصوى من الموارد المائية.
* تعزيز التعاونيات الزراعية: وذلك عن طريق تشجيع إنشاء جمعيات تعاونية تُمكّن المزارعين من الوصول للأسواق مباشرة بأسعار عادلة، مع توفير منصات إلكترونية للتسويق.
5. تمكين المرأة ودورها في الإعمار:
المرأة السودانية كانت وما زالت عماد المجتمع، ودورها محوري في البناء من خلال:
* التعليم والتمكين الاقتصادي: تدريب النساء في مجالات الزراعة والحرف اليدوية، وإنشاء مشاريع صغيرة مدعومة.
* مبادرات القيادة النسائية: تشجيع النساء على المشاركة في اتخاذ القرار في المجالس القروية، لتعزيز دورهن في التنمية المحلية.
* برامج الصحة الأسرية: توفير رعاية صحية شاملة للأمهات والأطفال، مع التوعية بقضايا الصحة الإنجابية.
6. دور المجتمع الدولي دون انتقاص السيادة:
الدعم الدولي يمكن أن يسهم بشكل كبير في إعادة الإعمار، شرط أن يُبنى على احترام السيادة الوطنية عبر:
* الشراكة لا الهيمنة: وضع استراتيجيات مشتركة تُحدد فيها أولويات التنمية من قبل المجتمع المحلي. وترك الأمر لقادة المجتمع
بعد تدريبهم..
* نقل المعرفة: عبر برامج تدريب وتأهيل تهدف لبناء قدرات أهل القرى، ليصبحوا قادرين على إدارة مشاريعهم بأنفسهم.
* آليات المراقبة والشفافية: لضمان وصول المساعدات لمستحقيها، عبر لجان رقابة محلية تعمل بشفافية ومصداقية.
خاتمة:
إعادة بناء القرى السودانية ليست حلمًا بعيد المنال، بل مشروع واقعي يتطلب رؤية واضحة وإرادة سياسية ومجتمعية. التركيز على الإنسان أولاً، وربط الجهود المحلية بالدعم الدولي الذكي، يمكن أن يحول المأساة إلى فرصة لنهضة تعتمد على الكرامة والاستدامة. وكما قال البروفيسور عبد الفتاح، المستقبل يبدأ من القرية.
ملحوظة:
هذه المقالة نواة لسلسلة تناقش تفاصيل كل محور بدعم من خبراء في مختلف المجالات، لتتحول إلى دليل عملي يساهم في إعادة إعمار السودان، حيث يكون للمرأة والشباب والإنسان عمومًا دور محوري في صياغة مستقبل مستدام.
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com