بعيدا عن الأسلحة النووية.. تركيز أميركي على السلاح الأقوى لحسم حروب المستقبل
تاريخ النشر: 14th, August 2024 GMT
يواجه النفوذ العسكري التقليدي لحلف شمال الأطلسي "الناتو" تحديات غير مسبوقة، وكشفت الحرب في أوكرانيا عن نهج ثوري جديد في الحروب، لا يمكن للولايات المتحدة تجاهله، عنوانه قوة الدرونز (الطائرات المسيرة).
ومع اقتراب العالم من نقاط اشتعال محتملة، مثل هجوم روسي على أراضي الناتو، أو حصار صيني لتايوان، يبدو الاعتماد على الاستراتيجيات العسكرية التقليدية غير كاف بشكل متزايد.
والحل النووي التكتيكي الذي استخدم خلال الحرب الباردة يبدو الآن قديما وخطيرا، وفق تحليل لمجلة تايم.
ومع ذلك، فإن النجاح غير المتوقع لأوكرانيا في صد القوات الروسية باستخدام مجموعة هائلة من الطائرات المسيرة يكشف عن أبرز ملامح حروب المستقبل.
وقد يؤدي الوضع المتوتر بين الولايات المتحدة والصين إلى اندلاع حرب حول تايوان. وتعززت هذه المخاوف بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، للجزيرة في عام 2022، والتي زادت من حدة التوترات بين البلدين.
وتايوان تحكم نفسها بشكل مستقل عن الصين منذ عام 1949، لكن بكين تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها، وتعهدت "بتوحيد" تايوان مع البر الرئيسي، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة.
في الوقت نفسه، شهدت التوترات تصاعدا كبيرا بعدما فاز الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي يدعم استقلال تايوان، بولاية ثالثة على التوالي في عام 2024، في حين كثفت بكين ضغوطها السياسية والعسكرية على تايبيه.
ولذلك فإن الولايات المتحدة تستعد لسيناريوهات قد تحدث في أي لحظة، خاصة أن هناك بقعا أخرى من العالم تشهد توترا وجبهات عسكرية، وهو ما يرفع من مستويات القلق الدولي في بحر الصين الجنوبي.
وفي أبريل قال أكبر مسؤول عسكري ألماني إن روسيا قد تكون مستعدة عسكريا لمهاجمة دول حلف شمال الأطلسي في غضون خمس إلى ثماني سنوات إذا اختارت ذلك، بمجرد إعادة بناء قواتها المتضررة من تأثير حرب أوكرانيا.
وقال الفريق أول، كارستن بروير، للصحفيين خلال زيارة لبولندا: "بحلول ذلك الوقت، وبناء على تحليلنا، ستكون روسيا قد أعادت بناء قواتها إلى درجة تجعل شن هجوم على أراضي حلف شمال الأطلسي أمرا ممكنا".
وأثار غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير 2022 أعمق أزمة في علاقات موسكو مع الغرب منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
كاتبا التحليل، لورينز ماير، رئيس مؤسسة DroneCode ويحمل درجة الدكتوراه في هندسة الطائرات بدون طيار، ونيال فيرغسون، زميل بارز في جامعتي ستانفورد وهارفارد، يقولان إنه عندما أطلقت روسيا غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022، لم يكن بإمكان أحد التنبؤ بحجم المقاومة التي ستبديها أوكرانيا.
ورغم ذلك، لم تقم أوكرانيا فقط بصد الهجوم الأولي، بل تمكنت أيضا من الحفاظ على دفاعها ضد ما كان يُعتبر في السابق ثاني أقوى جيش في العالم.
وكان أحد العوامل الأساسية في هذا النجاح هو استخدام أوكرانيا الرائد للطائرات المسيرة، مما أدى إلى تشكيل فرع عسكري جديد أطلق عليه "قوات الأنظمة غير المأهولة في أوكرانيا".
ويمثل هذا الابتكار، وفق المجلة، تحولا كبيرا يشبه إلى حد كبير إنشاء سلاح الجو الملكي البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، والذي غير مسار الحرب الجوية.
ونشر أوكرانيا للطائرات المسيرة غيّر المعادلة على أرض المعركة بشكل جذري. ولم تقم هذه الطائرات بصد الهجمات الآلية المدرعة الكبيرة فحسب، بل شلت أيضا القدرات البحرية الروسية، بما في ذلك أسطول البحر الأسود.
ويشير الكاتبان إلى أن استخدام كييف الاستراتيجي لأسراب الطائرات بدون طيار سمح حتى بشن هجمات مفاجئة في عمق الأراضي الروسية، مما يثبت فعالية الأنظمة غير المأهولة في الحروب الحديثة.
استجابة الولايات المتحدةواعتمادا على التجربة الأوكرانية، فإن تحليل مجلة تايم يشير إلى أن حلف الناتو والولايات المتحدة يمتلكان حاليا ترسانات طائرت مسيرة صغيرة نسبيا، لذا فإن التغيير يلوح في الأفق.
ويشير التحليل إلى استراتيجية "مشهد الجحيم" للقيادة الأميركية في منطقة المحيط الهادئ، والتي تهدف إلى ملء المياه المحيطة بتايوان بعشرات الآلاف من السفن والطائرات غير المأهولة للتصدي لأي هجوم صيني محتمل.
وبالمثل، فإن مبادرة "النسخ المتماثل" التي أطلقتها وزارة الدفاع الأميركية تهدف إلى تأسيس قاعدة تصنيع قوية قادرة على إنتاج الطائرات المسيرة على نطاق واسع.
لكن هذه المبادرات تمثل فقط البداية، وفق المحلة، فتجربة أوكرانيا تظهر أن الطائرات المسيرة تقدم رادعا حقيقيا للقوات البرية والبحرية على حد سواء.
وعلى عكس الأسلحة النووية، فإن الطائرات المسيرة لا تنتج تداعيات كارثية، لكنها يمكن أن توفر رادعا تكتيكيا مماثلا، كما يعتقد مايرز وفيرغسون.
ومع ملايين الطائرات المسيرة، يمكن لدولة ما أن تتصدى بفعالية لهجوم آلي مدرع أو حصار بحري، تماما كما فعلت أوكرانيا ضد روسيا.
ويشير تحليل المجلة إلى أن تداعيات نجاح أوكرانيا في استخدام الطائرات المسيرة عميقة على المعدات العسكرية التقليدية. وكما تطورت الطائرات في الحرب العالمية الأولى من طائرات بسيطة إلى الطائرات النفاثة الحديثة، فإن الطائرات المسيرة التي تستخدمها أوكرانيا وروسيا الآن هي البدايات لموجة جديدة من الأنظمة غير المأهولة المتقدمة.
هذه الطائرات الجديدة، بما في ذلك الطائرات "عميقة الضربات"، لديها القدرة حتى على التغلب على أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورا.
وفي مجال الحروب البحرية، تظهر الطائرات المسيرة أنها قادرة على جعل السفن الكبيرة، بما في ذلك حاملات الطائرات، قديمة وغير فعالة.
ولأول مرة في التاريخ، تقوم كل من أوكرانيا وروسيا ببناء الطائرات المسيرة على نطاق صناعي.
وبحلول نهاية عام 2024، من المرجح أن يشهد العالم لأول مرة، أسرابا من الطائرات المسيرة يتم توجيهها بواسطة عدد قليل من المشغلين، مع الاعتماد على التحكم الأرضي بشكل أقل.
التكيف الأميركييقول، الكاتبان مايرز وفيرغسون إن على الولايات المتحدة أن تدرك التحول الذي لا يمكن إيقافه نحو الحرب غير المأهولة، كما أظهرت أوكرانيا.
ويضيفان أن مبادرة "النسخ المتماثل" وخطة "الجحيم" هما خطوات مهمة، لكن يجب توسيع نطاقهما لإنشاء قوات الأنظمة غير المأهولة في أميركا.
ويؤكد كاتبا التحليل أن عدم التكيف قد يؤدي إلى فشل كارثي في الردع، مما يترك الرئيس الأميركي المقبل يواجه عواقب الاستراتيجيات العسكرية القديمة.
كما يشيران إلى أن الدرس المستفاد من أوكرانيا واضح "مستقبل الحرب هو قوة الطائرات غير المأهولة، والوقت للاستعداد هو الآن".
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: الأنظمة غیر المأهولة الطائرات المسیرة الولایات المتحدة أوکرانیا فی إلى أن
إقرأ أيضاً:
الحرب حوّلت أوكرانيا إلى قوة تكنولوجية دفاعية كبرى
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أن بلاده، بفضل صناعاتها الدفاعية، في طريقها كي تصبح لاعباً رئيسياً في سوق الأسلحة والتكنولوجيا الدفاعية، ومساهمة أساسية في الأمن العالمي.
أوكرانيا أنتجت ذخيرة لأنظمة المدفعية وقذائف الهاون أكثر بـ 25 مرة مما أنتجته في عام 2022
وكتب المحرر الأمني والدفاعي في مجلة "نيوزويك" الأمريكية إيلي كوك، أن هذه الرؤية تعكس طموح أوكرانيا بعد الحرب،
وصرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني أولكسندر ميريزكو، للنيوزويك: "يمكننا أن نكون من أكبر منتجي الأسلحة المتطورة"، كما قال وزير الصناعات الاستراتيجية الأوكراني هيرمان سميتانين للمجلة إن "العالم سيحتاج للتكنولوجيا الأوكرانية".
Ukraine's transformation into a military powerhouse https://t.co/JHQb0JILNs
— Janusz Bugajski (@JBugajskiUSA) April 1, 2025ورغم أن مستقبل أوكرانيا بعد الحرب لا يزال مجهولاً إلى حد كبير، فإن أي تسوية مع موسكو قد تتطلب تقليص قدراتها العسكرية. إذ أعلن الكرملين في مارس أن أحد شروطه لتوقيع اتفاق سلام هو وقف التعبئة العسكرية الأوكرانية وإعادة تسليح جيش كييف.
تصدير التكنولوجيافي ظل هذه المعطيات، يُعتبر تصدير التكنولوجيا العسكرية الأوكرانية إلى الحلفاء هدفاً استراتيجياً، لكنه يأتي في المرتبة الثانية بعد تأمين دفاعات البلاد. وقال ميريزكو: "نحتاج إلى أسلحة للبقاء على قيد الحياة". فيما شدد سميتانين على أن الصناعة الدفاعية القوية ضرورية لضمان عدم تعرض أوكرانيا للغزو مجدداً.
ولفت الأستاذ المشارك في الأمن الدولي والاستراتيجيات بجامعة إكستر بالمملكة المتحدة ديفيد بلاغدن، إلى أن الأمر استغرق أسابيع في أوائل عام 2022 حتى تتحول أوكرانيا إلى ما يمكن تسميته "قوة أوروبية كبرى"، وتدمج المعدات الغربية المتقدمة في جيشها.
وأضاف للنيوزويك، أن الحرب صارت "بوتقة مكثفة للابتكار التكنولوجي".
ووقت اعتمدت كييف بشكل كبير على الدعم الغربي لرفد جهودها الحربية، فقد كان الجنود الأوكرانيون هم من يراكمون الخبرة في ساحة المعركة ويشغّلون التكنولوجيا المتطورة، التي لم يضطر داعمو كييف إلى استخدامها على نحو مماثل من قبل.
في حين طورت معظم الجيوش أنواع مختلفة من المسيّرات قبل عام 2022، فإن استخدام روسيا وأوكرانيا للعربات البحرية والبرية والجوية غير المأهولة، أحدث ثورة في كيفية استخدام هذا النوع من التكنولوجيا في القتال.
مسيرات متفجرةوراقبت القوات المسلحة في العالم عن كثب كيف تنافست كييف وموسكو، على أن تكونا الأكثر فعالية في نشر مسيّرات متفجرة رخيصة الثمن وأنظمة أطول مدى قادرة على ضرب أهداف على بعد مئات الأميال من طياريها.
وأضاف بلاغدن أن أوكرانيا تمتلك الآن أيضاً خبرة واسعة في العمليات البرية واسعة النطاق، وكيفية الحفاظ على شبكة دفاع جوي واسعة النطاق لا تمتلكها الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
Any discussion on the future course of the war against Russia and the terms of any peace deal must take into account the fact that Ukraine is now a major military power in its own right, writes Serhii Kuzan in #UkraineAlert. https://t.co/MfVwIpzY3n
— Atlantic Council (@AtlanticCouncil) March 26, 2025وقال الجنود البريطانيون والأوروبيون، الذين تدربوا في شرق رومانيا طوال شهر فبراير، ضمن أكبر مناورات حلف شمال الأطلسي هذا العام، إنهم صمّموا تدريباتهم على غرار تجارب أوكرانيا، وأن تكتيكاتهم مستوحاة من أسلوب قتال كييف. وكان الجنود البريطانيون من بين أولئك الذين شقّوا طريقهم حول الخنادق في رومانيا بتصاميم مستوحاة من ساحات القتال في أوكرانيا.
وقال الزميل الباحث في الأمن القومي بالمجلس الجيواستراتيجي للأبحاث في المملكة المتحدة وليم فرير "إن خوض صراع مماثل ضد روسيا، هو ما يتدرب عليه حلف شمال الأطلسي قبل كل شيء، وهذا شيء فعلته أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات الآن".
وتمكنت أوكرانيا، من خلال تعزيز صناعتها الدفاعية، من تقليل اعتمادها على المساعدات الغربية.
وصرح سميتانين بأن قدرات صناعة الدفاع في كييف تضاعفت 35 مرة منذ فبراير 2022.
إنتاج معدات عسكريةوتنتج أوكرانيا الآن محلياً أكثر من نصف معداتها العسكرية، في حين تحصل على نحو ربع إمداداتها العسكرية من أوروبا وخمسها من الولايات المتحدة.
وفي أوائل أكتوبر، قال زيلينسكي إن أوكرانيا أنتجت ذخيرة لأنظمة المدفعية وقذائف الهاون أكثر بـ 25 مرة مما أنتجته في عام 2022 بأكمله.
وأضاف أن أوكرانيا يمكنها الآن إنتاج ما لا يقل عن 15 وحدة جديدة من مدافع الهاوتزر من طراز بوهدانا كل شهر.
وكافحت أوروبا لتوفير ما يكفي من المعدات العسكرية ــ وخصوصاً المدفعية ــ لأوكرانيا، مما أدى إلى استنفاد مخزوناتها الخاصة، في حين تكافح لإنتاج معدات بديلة أو صنع ما يكفي من الذخيرة.
وأعلنت أوكرانيا في بداية العام، أنها ستعزز برامجها الخاصة بالمسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، بشراء ما لا يقل عن 30 ألف مسيّرة قادرة على الطيران مئات الأميال خلال عام 2025. وعلى مدار العام، تخطط كييف أيضاً لإنتاج 3000 صاروخ كروز وصواريخ على شكل مسيّرات، وفقاً لرئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميهال في يناير (كانون الثاني).