في الجزء الثاني من الحوار الذي أجرته صحيفة إدراك الإلكترونية مع المفكر السوداني الدكتور والباحث النور حمد تحدث بشجاعة وشفافية عن الازمة السياسية التي تجلت في الحرب الضروس بين الدعم السريع والجيش بتحالفاته من الحركات المسلحة وكتائب الحركة الإسلامية والمستنفرين قبلياً وايدولوجياً كما تناول الإعلام الإخواني للحرب وإزدواجية المعايير وانتشار خطاب الكراهية وكيفية مواجهته وكيف يؤسس السودانيون جيش قومي ، علي أنقاض الجيش المؤدلج والذي يحمى مصالح الطبقات الإجتماعية ومستقبل الأخوان والتحالفات في المشهد السياسي ورؤيته عن العلمانية ، كما تناول الحوار ايضا علاقة السودان بمصر واثيوبيا.



وفيما يلي نص الجزء الثاني  من الحوار :

إلى أى مدى ساهم خطاب الكراهية على التوقيف والاعتقال الانتقائي والقتل على أساس الهوية؟

خطاب الكراهية لا يكون فعالاً إلا في البيئات التي تستجيب له. فالمشكلة ليست في خطاب الكراهية في حد ذاته، لأنه موجود في كل أقطار الأرض. فقط يصبح خطاب الكراهية مشكلة في سياق الثقافة الاجتماعية السائدة والأوضاع السياسية المتردية، كالوضع الذي نحن فيه الآن. أعني، الثقافة القابلة لكي يستقيظ فيها هذا الخطاب حين ينفخ الخبثاء والوضعاء رقيقي الدين في بوقه. يمثل خطاب الكراهية أكبر الأدوات تهديدًا للسلم الأهلي. وبطبيعة الحال فإن الأنظمة الديكتاتورية تعتمد في بقائها على تفتيت وحدة الشعوب. وفي السودان مارس نظام الإنقاذ سياسة التفتيت هذه عبر إيقاظ النزعات الدينية المتطرفة واستخدام المال والمناصب لشق الأحزاب السياسية. يضاف إلى ذلك، عمل على إحياء الروح القبلية والعشائرية والمناطقية والطائفية بصورة غير مسبوقة. وقد قام الإسلامويون بذلك، لضرب وحدة الشعب، وشل قدرته على التوحد لمواجهة نظامهم القمعي القائم. وفي ظروف هذه الحرب الكارثية اللعينة التي أشعلوها وأفلت زمامها من أيديهم، بفضل الله، ذهبوا إلى إيصال خطاب الكراهية إلى حدوده القصوى، آملين في اصطفاف الناس وراءهم. وقد أحدث تأجيج هذا الخطاب فظائع عديدة لا تزال تتواصل. فقد حدثت من جرائه عمليات طردٍ واعتقالٍ، بل وتصفيةٍ في مجازر جماعية لأفراد أبرياء لمجرد أنهم من دارفور أو كردفان، أو بسبب سحنهم ولون بشرتهم. وهؤلاء الضحايا لم يكونوا سوى بسطاء أتى بهم حظهم العاثر لطلب العمل في ولايات الشمال والوسط النيلي. بل بلغ خطاب الكراهية وتأثيراته درجة القتل الجماعي العشوائي بإلقاء البراميل المتفجرة من الجو على المدنيين في دارفور وسوق ليبيا ومختلف المدن والقرى، ومؤخرًا في معسكر زمزم، بزعم أنهم يمثلون حواضن لقوات الدعم السريع. كل هذه التجاوزات ينبغي أن تُرصد لأن يوم الحساب عليها سيأتي لا محالة. نهاية الأمر نحتاج عقب هذه الحرب إلى نظام تعليمي يخاطب مثل هذه العلل في عقول الصغار منذ الطفولة الباكرة. كما نحتاج خطابًا إعلاميًا جديدًا فاعلاً في نبذ خطاب الكراهية، تسنده قوانين رادعة تحاكم المجرمين، بل وتحاكم من يمارسون الترويج الخطابي والكتابي له.

ماهى رؤيتك لعملية بناء وتاسيس جيش قومى ومهنى مابعد الحرب؟

هذا أمر لا مناص منه. فالجيش الذي خضع للأدلجة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي تحول إلى مجرد ميليشيا لحراسة حكم الإسلامويين الأيديولوجي الإقصائي. ثم ما لبث أن تحول من مليشيا جهادية لحراسة مشروع ديني أيديولوجي أحادي، إلى قوة باطشة لحراسة نظام حكم كليبتوقراطي لصوصي، غايته نهب الموارد. وأصبح من ثم أداة تعمل في خدمة طبقة اجتماعية من الإسلاميين، جعلها احتكار السلطة والثروة طبقةً بالغة الثراء. وبهذا وقع الجيش وسائر القوى الأمنية في حفرة الزبائنية التابعة للطبقة الثرية المتجبرة الحاكمة. والآن، اتضح عمليًا، وبما لا يقبل الجدل، أن البلاد تحتاج جيشًا مهنيًا جديدًا، تمام الجدة، وتحتاج، كذلك، منظومةً أمنيةً جديدة أيضًا. ويقتضي تأسيس الجيش الجديد تغييرًا في مناهج الكلية العسكرية، لتحوي بالإضافة إلى العلوم العسكرية العصرية، تغيير تصوُّر ضباط الجيش الخاطئ لأنفسهم. وهو اعتقادهم الخاطئ أن دورهم هو ممارسة الحكم، وليس حماية ثغور البلاد وحراسة الدستور الديمقراطي.

ماهو تصورك لمستقبل علاقات السودان الخارجية، خصوصًا مصر واثيوبيا في الفترة التي ستلي الحرب؟

علاقتنا بمصر بصورتها القائمة الآن، علاقة سامَّة. والذي جعلها سامَّةً هي الأطماع المصرية التاريخية في السودان. مصر تكره أن يكون في السودان حكم ديمقراطي وبرلمان يقرر في السياسات وصحافة حرة تراقب الأداء الحكومي. ظلت مصر على الدوام تفضل وجود ديكتاتور في سدة الحكم في السودان، لتقوم بدعمه للبقاء في السلطة والعمل من أجلها ضد تطلعات شعبه. بهذا يبقى الديكتاتور السوداني أسيرًا لمصر ينفذ لها ما تريده من السودان. ودعونا نستذكر سلوك مصر منذ أن قامت ثورة  ديسمبر 2018 ومحاولاتها المتكررة لشق الثوار وإجهاض الثورة وإغراق صفوفها بفلول النظام القديم، من أجل إبقاء العسكر في سدة الحكم.

من الجانب الآخر، فإن لإثيوبيا، هي الأخرى، مطامع في السودان. فعينها على السودان أكثر من عينها على جاراتها الأخريات، خاصة فيما يتعلق بالناحية الاقتصادية، بسبب الإمكانات الهائلة التي لدى السودان. لكن تصحيح العلاقة مع إثيوبيا أسهل، وبما لا يُقاس، من تصحيح العلاقة مع مصر. هاتان الدولتان الجارتان تعانيان من انفجار سكاني ضخم. فكلتاهما تعدى تعداد السكان فيهما المئة مليون نسمة. والسودان بمائه وأراضيه الواسعة وقلة سكانه، مقارنة بمساحته، موضع نظر هاتين الدولتين.

ما ينبغي هو أن تقوم العلاقة مع هذين القطرين الجارين على أساس المصالح المتبادلة، وفق أسس شفافة وعادلة، خادمة لغرض الطرفين. لكن، هذا في نظري، أقرب إلى التحقق مع إثيوبيا منه مع مصر. فمصر سبق أن استعمرتنا، ولا تزال تنظر إلينا كمستعمَرة سابقة وكجزء لا يتجزأ منها جرى اقتطاعه منها. هذا الوضع اصطحب معه نظرةً دونيةً للسودان وللسودانيين، وحصرًا للعلاقة معنا في الإطار الأمني وحده. وهو ما جعل ملف السودان في مصر ملفًا أمنيًا تابعًا لجهاز الاستخبارات وليس لوزارة الخارجية. يزور بلادنا مدير الاستخبارات المصرية عشرات المرات ولا يزورها وزير الخارجية إلا نادرا. وهذا وضع رسخه وأطاله انبطاح العسكريين والسياسيين السودانيين لمصر لأسبابٍ متنوعة، لا يسمح المجال بالخوض في تفاصيلها.

إذا لم يُجبر السودانيون مصر على تصحيح نظرتها إلى السودان ليجري وضع علاقتنا معها في إطار تبادل المصالح المشتركة بندية، فلن يستقر السودان على الإطلاق، ولن يتحقق فيه أي نمو اقتصادي. فمصر تريد السودان مجرد مخزنٍ للمواد الخام رخيصة الثمن، لتضع عليها هي القيمة المضافة لخدمة اقتصادها. ولا يعنيها في هذا إطلاقًا إن جاع شعب السودان، أو تعطلت لديه التنمية الاقتصادية. بل، إن تخلف السودان الصناعي وحكمه بواسطة عملائها من السودانيين إنما يعينها وفقا لنظرتها القاصرة على استنزاف موارده. فهي تمارس نفس النسق الذي فعله المستعمرون الأوربيون في المستعمرات في القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين. وعلينا أن نتذكر أن وقوف مصر إلى جانب البرهان منذ صعوده إلى مجلس السيادة، واشتراكها بفعالية معه لإرباك الثورة وتصفيتها، قد آتى أكله لصالح مصر. فتحكُّم البرهان وشلته في سلطة القرار وقيامه بالانقلاب على رئيس وزراء الفترة الانتقالية عبد الله حمدوك مكن مصر من نهب موارد السودان بصورةٍ لم تتحق لها بتلك الضخامة، في كل تاريخها الطويل، منذ عهود الفراعنة.

 

نقلا عن صحيفة إدراك  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: خطاب الکراهیة فی السودان خطاب ا

إقرأ أيضاً:

4 رسوم بيانية لفهم نطاق التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب حتى الآن

(CNN)-- وعد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية متبادلة على الدول التي يعتقد أنها تعامل الولايات المتحدة معاملة غير عادلة في التجارة، سواء من خلال رسوم جمركية مرتفعة أو حواجز غير جمركية. وقال إن رسومه الجمركية الجديدة ستخلق فرص عمل وتعزز التصنيع المحلي.

ومع ذلك، من المرجح أن يؤدي فرض رسوم جمركية أعلى على دول أخرى إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع الاستهلاكية، في وقت تتزايد فيه مخاوف الكثير من الأمريكيين من ركود اقتصادي وشيك.

مع وعود بخفض الدين الوطني وإعادة التوازن إلى التجارة العالمية، فرض ترامب بالفعل رسومًا جمركية شاملة على شركاء تجاريين رئيسيين وقطاعات رئيسية - بما في ذلك الصلب والألمنيوم - بينما هدد بفرض المزيد من الرسوم الجمركية على جهات أخرى. وقد واجهت هذه السياسة تهديدات بالرد من شركاء تجاريين رئيسيين.

في مارس/آذار، فرضت الإدارة الأمريكية تعريفة جمركية بنسبة 25% على جميع واردات الألومنيوم والصلب. وكندا هي أكبر مورد لكليهما للولايات المتحدة. إلا أن هذه التعريفات قد تأتي بنتائج عكسية على الصناعات التي صُممت لحمايتها.

على سبيل المثال، حذّر ويليام أوبلنجر، الرئيس التنفيذي لشركة ألكوا، إحدى أكبر شركات تصنيع الألومنيوم الأمريكية، في فبراير/شباط من أن تعريفات الألومنيوم قد تُفقد 100 ألف وظيفة أمريكية، بما في ذلك 20 ألف وظيفة في صناعته.

ومؤخرًا، أعلن ترامب أن تعريفة جمركية بنسبة 25% على السيارات الجاهزة ستدخل حيز التنفيذ في 3 أبريل/نيسان، وتعريفة جمركية بنسبة 25% على قطع غيار السيارات ستدخل حيز التنفيذ في موعد أقصاه 3 مايو/أيار. وحتى في حال انتقال المزيد من مصانع السيارات إلى الولايات المتحدة، سيدفع الأمريكيون أسعارًا أعلى إما بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي أو زيادة تكاليف استيراد السيارات.

كانت سياسات ترامب التجارية مدفوعةً بمجموعة من الأهداف التي تختلف عن مبررات الإدارات السابقة.

ربط ترامب فرض رسوم جمركية على أكبر ثلاثة شركاء تجاريين لأمريكا، المكسيك والصين وكندا، بمزاعم أن الدول الثلاث لا تبذل جهودًا كافية للمساعدة في الحد من الهجرة غير الشرعية ودخول الفنتانيل إلى الولايات المتحدة، على سبيل المثال.

استخدمت الإدارات السابقة الرسوم الجمركية بشكل رئيسي كوسيلة لحماية مصالح الأمن القومي ودعم الصناعات المحلية.

 

أمريكاالصينالمكسيكالمملكة المتحدةاليابانكنداالإدارة الأمريكيةانفوجرافيكدونالد ترامبنشر الجمعة، 04 ابريل / نيسان 2025تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2025 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.

مقالات مشابهة

  • الجنجويد، كجماعة، لديهم خطاب ينكر الأصل العربي أو النوبي أو البربري لسكان شمال السودان
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • ‏غياب تيبو كورتوا عن قائمة ريال مدريد للمباراة الثانية على التوالي. أندري لونين ضمن القائمة التي ستواجه فالنسيا
  • إنكسار المليشيا في وسط السودان والعاصمة هو إنتصار كبير ما زلنا بحوجة إلى (..)
  • 4 رسوم بيانية لفهم نطاق التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب حتى الآن
  • ???? خطاب مناوي .. شوية مع دول وشوية مع دول
  • بريطانيا تحدد آلاف السلع الأميركية التي قد تفرض عليها رسوماً
  • تحليل حول خطاب البرهان للأمين العام للأمم المتحدة وخطة إنهاء الحرب
  • منها 17 دولة عربية.. قائمة ترامب الكاملة بأسماء الدول التي فرض عليها تعرفة
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب