mohabd505@gmail.com

سلطنة سنار والمركزية الأوربية ‏قراءة في كتاب "عصر البطولة في سنار"‏

د. محمد عبد الله الحسين

الكلمات المفتاحية:‏
السودان -سلطنة سنار–المفاهيم الإسلامية -المركزية الأوربية مقدمة:‏ قليل من الكتب بل النادر منها، تلك التي تثير في القارئ قلقاً معرفياً، قلقا لا يجعلك تكتفي بما ‏تورده من معلومات بل تدفعك لمزيد من التساؤل.

مثل هذه الكتب لا تقتصر قيمتها فقط في كونها ‏تفيض بالكثير من المعلومات المهمة، بل تحملك أيضاً إلى آفاق أرحب من التفكير والتأمل. ‏يعتبر كتاب جاي سبولدينق الموسوم "عصر البطولة في سنار من بين الكتب التي ينطبق عليها ‏مثل هذا القول، وذلك بما احتواه من العديد من المعلومات الغنية التي تم جمعها من مصادر أولية ‏ومصادر ثانوية فهو يحيلك إلى عدة موضوعات أخرى ذات الصلة، فيجعلك تحاول أن تربط بين ‏شتيتها وتصل بين أطرافها. يتضمن الكتاب ضمن تفاصيل سرده العديد من الإحالات والإشارات ‏إلى موضوعات فرعية وجانبية وإلى أحداث ووقائع تقودك لا تجعلك تكتفي من الاستنتاجات بل ‏يثير في الذهن زخماً من التساؤلات حول شتى الموضوعات. ذكرت هذه المقدمة لكي أشير إلى ‏أن فكرة هذا المقال جاءت بناء على مقاربة الواردة جاي سبولدينق في كتابه: (عصر البطولة في ‏سنار) وما يمكن أن نستنتجه منها. ‏ يتناول المقال العوالم التي ساعدت في إحداث التغيير في بنية ونظام الحكم في دولة سنار في ‏النصف الثاني من القرن السابع عشر، مع استصحاب بعض الموضوعات ذات الصلة.‏ تمحورت مقاربة سبولدينق بشكل رئيسي حول تأثير كل من العامل الثقافي(الديني) في النمو ‏الرأسمالي، وحسب سبولدينق فقد جاء تأثير الدين من خلال موقع السلطنة وبالتالي علاقاتها ‏وعلاقات وتداخلات مواطنيها مع الخارج (التجارة، الدراسة زيارات الأماكن المقدسة الخ.). ويعتبر ‏النظر في أثر العوامل الخارجية لتفسير ديناميات التغيير الاقتصادية والاجتماعية، فكرة مخالفة ‏لمعظم التحليلات والدراسات السابقة حول تاريخ السودان /سلطنة سنار التي اهتم معظمها للأخذ ‏بتأثير ‏العوامل المحلية.‏ بالإضافة لما تقدم، هناك ‏جانب آخر مهم في تحليل سبولدينق المشار إليه، وهو استبعاده بشكل ‏غير مباشر لمفهوم المركزية الأوربية أو (السردية الغربية) في حدوث نهوض رأسمالي في بلدان ‏الأطراف بتأثير مباشر من الرأسمالية الغربية، كما ‏سيأتي شرحه لاحقاً.‏ ينطلق هذا المقال بناء على ما سبقت الإشارة إليه آنفاً من دور الموقع الجغرافي ‏والعلاقات/المصالح الخارجية في إحداث التغيير الداخلي، وتتضمن حيثيات الموضوع بالتالي ‏النظر في علاقات سلطنة سنار/السودان بعلاقاته الخارجية خاصة مع الدول المتاخمة، ‏وهي ‏مصر والحجاز على وجه الخصوص. ‏ قبل أن يتعمد سبولدينق إلى مناقشة حيثيات وأسباب التغيير في سلطنة سنار، قدم صورة تفصيلية ‏لصورة الدولة ولكيفية تداول الأسرة الحاكمة للحكم بشكل مرتب. تناول سبولدينق كذلك العوامل ‏التي تمكنت الأسرة الحاكمة بموجبها من خلال أيديولوجيا متكاملة، من إرساء قواعد الحكم، ‏وإضفاء الشرعية على الحكم والحكام. ‏ أرجع سبولدينق أسباب وعوامل التغير في نظام وطبيعة ‏الحكم إلى الأخذ‏ بما أسماها ب: ‏"بالمفاهيم الإسلامية" أو (مفاهيم العرب). ونتجت تلك المفاهيم ‏المشار إليها من خلال العلاقات المركبة والمتعددة مع الخارج والتي أفضت إلى نوع من التداخل ‏والتلاقح الثقافي والمعرفي (وبالطبع الاجتماعي) مع الخارج، من خلال الدراسة في مصر، ومن ‏خلال الأسفار للاماكن المقدسة في الحجاز. ‏ في إطار شرح سبولدينق كانت (المحميات الدينية) كما أسماها سبولدينق، والتي كان قد أنشأها ‏رجال الدين هي جزء من العوامل المُفضِية للتغيير في هيكل الدولة الإداري والاقتصادي وأخير في ‏هيكل الحكم نفسه. فقد أدخل رجال الدين القوانين والممارسات الإسلامية في المعاملات ‏الاقتصادية، وتبع ذلك العديد من التغييرات المتتابعة، فتوسع السوق ونشأت عديد من المدن في ‏السلطنة، كما دخلت الأرض والرقيق ضمن التبادلات والمعاملات التجارية. ترافق كل ذلك مع ‏اكتساب رجال الدين والتجار لسلطة كانت تزداد يوما إثر يوم مع تراخي يد البلاط السلطاني ‏تدريجياً، مما مهد في نهاية الأمر إلى حدوث انقلاب على الأسرة الحاكمة. وهكذا يمكن القول، ‏وفقا لمقاربة سبولدينق فإن عوامل التغيير التي حدثت في سلطنة حدثت بتأثير مباشر للعوامل ‏الثقافية/الدينية المختلفة، والتي جاءت كنتيجة للعلاقات مع الخارج.‏ من أجل توسيع مجال الرؤية الأوسع سنحاول النظر إلى مقاربة سبودلينق ضمن إطار الجدل ‏المعرفي حول ظهور ونمو الرأسمالية الغربية ومفاهيم مثل المركزية الأوربية. حيث سيتيح ذلك ‏وضع تاريخ السودان ضمن إطار والجدل النظري والرؤية العامة للتطورات الاقتصاد السياسية في ‏العالم. ‏ بناء عليه سنحاول بما تيسّر لنا أن نربط تحليل سبولدينق بما سبقه من أفكار، حول تأثير الدين ‏في التغير الاقتصادي والاجتماعي، باعتبار الدين عامل ثقافي ذا سطوة وتأثير كبيرين خاصة في ‏مجتمعات في مرحلة ما قبل الرأسمالية (أو ما القبل حداثية). وكانت الفكرة الرائدة في العلاقة بين ‏العامل الديني والنمو الرأسمالي، هي ما أورده "ماكس فيبر" في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح ‏الرأسمالية)، والتي أشار فيه إلى دور الدين في تعزيز النمو الرأسمالي في مناطق نفوذ الديانة ‏البروتستانتية في بريطانيا وألمانيا وأوروبا، من خلال استيعاب القيم ‏البروتستانتية(الكالفينية). ‏ في نفس هذا السياق فقد أشار سبودلينق إلى كتابات كانت لها تأثير في تحليله، خاصة كتاب ‏مكسيم روبنسون،" الرأسمالية والإسلام" (1966)، وكتاب بيتر غران :(الجذور الإسلامية ‏للرأسمالية، مصر 1840-1760‏. نشير هنا إلى التقارب في أفكار جاي سبولدينق حول تأثير ‏المفاهيم الإسلامية (أو مفاهيم العرب كما اسماها سبولدينق) وبين بعض أفكار بعض المفكرين ‏السابقين خاصة بيتر غران، حيث نرى التشابه بين ما ورد في كتاب بيتر غران" الجذور ‏الإسلامية للرأسمالية" ومقاربة سبولدينق حول التغيير في سلطنة سنار. كانت أفكار غران في هذا ‏الكتاب وفي كتاباته اللاحقة مثل " صعود أصحاب النفوذ" في إطار تقديم رؤية بديلة لمفهوم ‏المركزية الأوربية. ذكر غران في كتابه “الجذور الإسلامية للرأسمالية" أن مصر العثمانية شهدت ‏في الفترة بين 1750-1850 نهوضا اقتصاديا محليا أي دون تأثير خارجي من الرأسمالية الغربية ‏‏(وهي فترة مقاربة تقريبا للفترة التي أتخذها سبولدينق كأساس لتحليله).‏ في نفس الاتجاه نلاحظ التشابه أو التماثل في المقاربتين، فقد أرجع سبولدينق التغيير الاقتصادي ‏لدور رجال الدين في التغيير الاقتصادي، وهو مماثل ما ذكره غران في تحليله حول دور الفهم ‏الجديد أو التأويل للنصوص الدينية في حدوث نهضة رأسمالية في مصر خلال فترة الحكم ‏العثماني بالإضافة، إلى ترافق ذلك مع ظهور طبقة وسطى من التجار. من ناحية أخرى اعتمد كل ‏من سبولدينق وغران على منهج تحليل المحتوى، فقد اعتمد غران على تحليل كتابات العطار ‏والجبرتي لإثبات التغيير في المفاهيم، في المقابل اعتمد سبولدينق في تحليله على كتابات الرحالة ‏وعلى الوثائق السلطانية ووثائق المحاكم. الجدير بالذكر أن مقاربة غران قد وجدت قبولا لدى ‏البعض مثل ما ورد في كتاب د. نللي حنا، "ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية إلا أنها ‏وجدت بعض الانتقادات من بعض المفكرين من أبرزهم وجيه كوثراني وآخرون. ‏ من ناحية أخرى قد يثار سؤال علاقة مقاربة سبولدينق حول ما حدث في سلطنة سنار مع الجدل ‏حول مفهوم "المركزية الأوربية"؟ فمن المعروف أن السردية الغربية ممثلة في "المركزية الأوربية" ‏كانت هي المفهوم السائد لمئات السنين، لتبرير ازدهار الرأسمالية في الغرب باعتباره نتيجة ‏لطبيعة المجتمع والعقلية الأوربية الراشدة، وظلت بالتالي هذه السردية الغربية مهيمنة لمئات ‏السنين. كان الجدل قد تصاعد خلال فترة السبعينات والثمانيات من القرن العشرين الجدل الناقد ‏للمركزية الأوربية. وهو الجدل الذي أثرى التراكم المعرفي بمساهمات العديد من المفكرين بالكتابات ‏المناهضة للرأسمالية والإمبريالية من أمثال المفكر الماركسي المصري سمير أمين، والعديد من ‏مفكري أمريكا اللاتينية الذين مثل فرانز فانون، وفرناندو بروديل، وإنريكي دوسيل، وإيمانويل ‏الرشتاين وغيرهما).‏ ‏ فيما يتعلق بمقاربة سبولدينق حول التغير الاجتماعي الاقتصادي السياسي في القرن السابع عشر ‏سلطنة سنار يمكن النظر إليها بأنها مناقضة للسردية الغربية/ المركزية الأوربية. حيث أن السردية ‏الغربية تقول بإمكانية حدوث نمو رأسمالي في أطراف العالم بتأثير مباشر من الرأسمالية الغربية، ‏وهو مناقض لما حدث في سلطنة سنار بناء على تحليل جاي سبولدينق. هذه محاولة ‏لاستصحاب ديناميات الاجتماعية والاقتصادية المحلية وتاريخنا السياسي ضمن الجدل الفكري ‏العالمي حول دور الرأسمالية الغربية تاريخيا.‏

mohabd505@gmail.com

   

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: عصر البطولة فی رجال الدین التغییر فی العدید من مع الخارج فی تحلیل من خلال فی کتاب

إقرأ أيضاً:

العلاقة بين الديني والسياسي وما بينهما المدني.. مشاتل التغيير (11)

من الأهمية بما كان أن نؤكد على فكرة المجالات الرحبة التي يفعل فيها النشاط الإنساني، ذلك أن الإنسان باعتباره كائنا معقدا إنما يمثل حقيقة "اجتماعية" درج المفكرون على التأكيد عليها بمقولة شهيرة وهي "الإنسان مدني بطبعه"، فصارت كلمة "المدني" في جذورها التاريخية تعبيرا عن كل ما يتعلق بالشأن الاجتماعي وفاعلياته وأصول علاقاته وسنن آلياته ومآلاته.

وفي هذا السياق تكون هذه التفاعلات باعتبار الإنسان "فاعلا اجتماعيا" و"مدنيا بطبعه" إنما تعبر عن جملة من العلاقات والأبنية والمؤسسات فضلا عن منظومة من الفاعليات تتحرك في بناء المجالات المختلفة. ومن هنا يبدو لنا الإنسان وهو يتحرك ضمن هذه الأنشطة المتنوعة، أنه ضمن مسيرة تاريخية متراكمة تؤثر في معنى الاجتماعي والمدني وتميز فيما بينها وبين مجالات أخرى تحيط بالإنسان أو يحيط هو بها.

وفي هذا المقام يأتي الجانب الشخصي الذي يتعلق بكيان الإنسان الفرد (الذات الإنسانية) من دون أن يدخل في علاقات، ولكن في هذا السياق فإنه يتحرك في علاقاته وفاعلياته لحفظ كيانه الذاتي ثم تحرك الإنسان ليمد فاعلياته إلى مجال متميز عن مجاله الشخصي يمكن تسميته بالمجال الخاص، وهو في هذا كوّن دائرة من الخصوصية تتأصل فيها معاني الفاعلية ضمن هذه الدائرة التي تحدد دائرة الخاص، والمخصوص، والاختصاص والخصوصية.

بدا له يتحرك وفق أصول تعتمد "المدني" في مواجهة "الديني" في قياس غير بريء على خبرة غربية استطاعت أن تجعل من الخبرة العلمانية قاعدة لكل نهوض وتنوير غربي، واستخرجت من رحم ذلك مجموعة من المعايير الكلية التي تستند إلى عناصر الخبرة العلمانية، سواء كانت تشير إلى علمانية جزئية أو علمانية شاملة، وبدا هذا العراك شديدا ومتصاعدا يتحرك صوب أن المد المدني ليس إلا خصما من الديني وأن المد الديني ليس إلا خصما من دائرة المدني
وفي هذا السياق تتكون علاقات أقرب ما تكون إلى شكل العلاقات المباشرة التي ترتبط بقواعد عرفية ومجتمعية غير مكتوبة من قبل الأسرة وجماعة الأصدقاء والزملاء وصلات الرحم، فضلا عن أمور تتعلق بالجيرة والجوار وغير ذلك من أنشطة تتعلق بمجال الخاص وتتحرك في دائرته؛ ومع وجود حالة من الحركة الاجتماعية الدائبة بدا في حياة الإنسان مجال ثالث يتعلق بالمجال العام، ذلك المجال الذي يرتبط بشئون المجتمع والجماعة والمجموع والجميع، إذ يتطرق ذلك إلى فاعليات وعلاقات تتحرك ضمن هذا الاطار وتغذي عناصر حركة التكوينات الاجتماعية والجماعية والمؤسسية التي تلقي بنفسها في مجال العام والعموم.

وفي هذا المقام تولدت أشكال من الأنشطة النوعية كان على رأسها "المجال السياسي" يحقق بذلك رؤية تتعلق بممارسة ما يتعلق بأنساق الحقوق والواجبات السياسية، فضلا عن التكوينات المؤسسية السياسية خاصة مع بروز ظاهرة الدولة القومية ومؤسساتها المختلفة. من ثم بدا السياسي يتمدد ويتحول ويحدد لنفسه مجالا أرحب، حتى أنه ارتبط بتلك المجالات المختلفة وما يتعلق منها بالشخصي والخاص والعام.

وفي هذا السياق فإن هذه المجالات أُحبطت بوسط شكّل هذه العلاقات وأسهم في تطورها كما أضاف إلى تراكمها؛ وصارت هذه المجالات سيرة ومسيرة وسيرورة تعبر عن حالة يصعب "القرار عليها" والاستقرار على حدودها ومضامينها وأشكال تفاعلاتها وآلياتها والحدود المميزة فيما بينها، خاصة أن بين هذه المجالات علاقة اشتدت عناصر تأثيرها وتفاعلها إلى حد استطرقت فيه في التأثير وفي المزج والدمج واستدماج فيما بين بعضها البعض؛ فبرز مفهوم غاية في الأهمية مثل شفرة الحضارة الغربية وهو "مفهوم المدني"، وأحاط بجملة هذه المجالات المختلفة ما هو شخصي وما هو خاص وما هو عام وما هو سياسي، فبدت تنويعات المدني بذلك تلقي بنفسها في أتون هذه المجالات وساحاتها فتشكلها وفقا لشفرة المدني في هذا المقام؛ وعبّر المدني في ذلك عن مجموعة من القيم والأطر الثقافية والأنماط المجتمعية التي تتعلق بشان الحضارة الغربية وما أحاط بها في هذا السياق، ومن خلال شفرة المدني الذي ارتبط لديهم بالعلماني إطارا وقيما أن يأتي على علاقته بمجالات أخرى تشكل الوسط؛ كان على رأسها ما يمكن وصفه بـ"الديني".

حتى أن البعض بدا له يتحرك وفق أصول تعتمد "المدني" في مواجهة "الديني" في قياس غير بريء على خبرة غربية استطاعت أن تجعل من الخبرة العلمانية قاعدة لكل نهوض وتنوير غربي، واستخرجت من رحم ذلك مجموعة من المعايير الكلية التي تستند إلى عناصر الخبرة العلمانية، سواء كانت تشير إلى علمانية جزئية أو علمانية شاملة، وبدا هذا العراك شديدا ومتصاعدا يتحرك صوب أن المد المدني ليس إلا خصما من الديني وأن المد الديني ليس إلا خصما من دائرة المدني.

فهاهم حراس البوابات في علم المفاهيم يُقصون من المدني تكوينات جمعية ومجتمعية تحت دعوى أنها تكوينات إرثية ومنها الديني، رغم أن الخبرة الغربية واللاتينية قد حملت تعاونا وثيقا بين الكنيسة والنقابة كما في بولندا مثلا وطبعة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية، وهو أمر لم يكن يشكل نوعا من الانتقاص من مفهوم "اجتماعية المدني" ومدنية الاجتماعي والمجتمعي"؛ ذلك المفهوم الذي شاهدناه لدى أرسطو وتناقلته الكتابات الإسلامية من كتب في الفكر الإسلامي وتراثه الممتد في مرادفة المدني بالاجتماعي والمجتمعي.

ومن هنا بدت صفة المدني تتخذ دورا إقصائيا واستبعاديا لكل ما يتعلق بالديني حينما انفصل مفهوم المدني عن الاجتماعي وبالتالي الديني؛ وأغفل هؤلاء أن المدني بالأساس هو في قبالة العسكري. وفي هذا المقام بدا لنا صعودا لا يمكن تجاهله في هذا الوسط، وهو ما يتعلق بالجانب العالمي والذي وصل في طبعته الأخيرة إلى الحالة العولمية.

هل الشكل الوحيد بين "المدني" و"الديني" هو الحالة التناقضية أم من الممكن أن يضطلع المدني بما هو ديني وما هو ديني أن يضطلع بما هو مدني؟ تساؤل صارت تطرحه تطورات طرأت على الأنشطة المؤسسية لحركات وتكوينات وأبنية.. ماذا يمكن أن يتركه التطور الذي يطرأ على التفكير في "السياسي" من تأثيرات على كافة المجالات الأخرى والعلاقات فيما بينها؟ السياسي بدلالاته التي تتسع وتتمدد ربما صار أقرب إلى دائرة الممارسات التي تتعلق بالعمران السياسي وحقائق المعاش اليومي وبنية السياسة التحتية.. تساؤلات صارت تفرض علينا أن نتعرض إلى جملة من المعادلات تستطبنه في داخلها جملة من تلك العلاقات، يجب أن تأخذ في اعتبارها تطورات لا يمكن إنكارها.

وضمن رؤية هذه المعادلات المختلفة، نستطيع أن نقول إن المدني مثّل مجالا ضمن تلك المجالات التي تتعلق بالمواطنة، إلا أنه من بعد تعاظم مفهوم المدني زاحفا على دوائر مختلفة بمساعدة العولمي ونهج الحياة العلماني على حد سواء، بحيث يروج لنموذج بعينه وجب التوقف على خبرته وتفحص مدلولاته والتعرف على مقالاته، وتلك المعاني التي تتعلق بقدرات الملاءمة وكفاءة المفهوم أو الصفة في الفعل والتفعيل والفاعلية.

أصول الاستطراق والظاهرة الاستطراقية في المجالات والعلاقات والبينيات والبنيات والسياقات والبيئات أمر غاية في الأهمية:

1- انسداد الموصلات بين قنوات الاستطراق.

2- اختلاف السوائل في الكثافة والضغط وعدم قابليتها للامتزاج.

3- وعي القائم بالتجارب وإدراك العناصر المانعة من توفير الوسط المناسب لإجراء تجربة الاستطراق المواطنية في قنوات الوطن وجماعته الوطنية المستندة إلى تيارها الأساسي.

4- حالة السيولة كشرط تأسيسي لتحقيق الامتزاج ومانعية التعاكس في الاستدماج الذي يصيب حالة القابلية للسوائل ضمن عمليات الامتزاج بحالة من التجمد والجمود.

في إطار تعريف السياسي في الرؤية الإسلامية، فالسياسة ليس مجالا للمدنس، بل هي سعي لإصلاح ما فسد ومن هنا كانت السياسة قياما على الأمر بما يصلحه
في هذا السياق تقوم السلطات بمنع عمليات الاستطراق وتأثيراتها بما تحدثه من انسدادات أو تأميمات، أو طغيان، واستبداد وتجمد، أو إلحاق أو تجفيف وما تحدثه من حالات تمنع الامتزاج والاستدماج وتروج لعناصر عزلة هذه الفاعليات من غير تواصل أو تفاعل أو تكامل؛ تطغى على أذهان بعض الناس خاصة من بعض المتدينين والبعض في التوجه العلماني الذين يحاولون إقصاء الدين من ساحات ومساحات العمل السياسي؛ بوصف المجال السياسي بالمدنس ويصفون المجال الديني بالمقدس، وهم في الغالب يحاولون أن يمهدوا لفصل، ولكن في هذه المرة غير علماني بين المقدس والمدنس.

والأمر ليس على هذا الوصف في إطار تعريف السياسي في الرؤية الإسلامية، فالسياسة ليس مجالا للمدنس، بل هي سعي لإصلاح ما فسد ومن هنا كانت السياسة قياما على الأمر بما يصلحه، أو على ما يقول ابن القيم ناقلا عن أساتذته أن "السياسة ما كانت من الأمور أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد"، أي أقرب إلى دائرة المقدس لا المدنس. وفي هذا السياق وجب علينا أن نعتبر العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تفاعلية ناهضة تؤسس علاقة بين التنظير والواقع، فإذا كان الدين يشكل أصولا تنظيرية وقيمية فكيف إذن أن نصلح بمجال الواقع؟ إن ما يقوله ابن القيم ليس بعيدا عن هذا الأمر؛ حينما يؤكد أنه وجب علينا أن نعطى الواجب حقه من الواقع، وأن نعطى الواقع حقه من الواجب، تلك هي العملية التفاعلية في العلاقة بين الظاهرة السياسية والظاهرة الدينية.

وفي كلا الأمرين في الممارسات وجب علينا ألا نحيل أخطاء ممارسات البشر على أديانهم، وإلا كان ذلك تضييعا للأصل والموصول، أو للوصل والموصول. في هذا الإطار يمكننا أن نفهم تلك المقولة التي اشتهرت عن الإمام محمد عبده حينما لعن السياسة، فإنه الإمام لم يكن يلعن مفهوم السياسة في رؤيته الصافية، ولكنه لعن السياسة في ممارستها المتدنية، ومن هنا لعن ساس ويسوس وكل "فعل" يكون من أفعال السياسة، ذلك أن الفعل وتدنيسه ليس حجة على معنى السياسة التأسيسية؛ والبشر ليسوا حجة بأفعالهم على دينهم، فكثيرا ما يمثل البشر المعتنقين لدينهم عبئا عليه إسلاما كان أو غير إسلام.

إن جوهر المشكلة في العلاقة بين الديني والسياسي هو النظر إلى هذه العلاقة وفق طبيعة آنية مؤقتة أو أنانية نفعية، أو انتقائية مجتزأة، ومن هنا تبدو لنا الممارسات توظيفية تبريرية أكثر من كونها تسير في مساق العلاقة الصحية والسوية. إن هذا الذي يصبح فيمنع الدين من الفعل، ويمسى فيدخل الدين إلى دائرة الفعل في المساء، ويتحدث عن أن الذهاب إلى الانتخاب شهادة لا يجوز كتمانها ولا يتحدث عن عنفوان السلطة السياسية وتغلغلها وتقولها عليها واستبدادها بها في الحياة كافة؛ إنما يتحدث عن لغة انتقائية لا تحترم فيها السياسة الدين ولا يحترم فيها الدين السياسة.

يبدو للبعض أن هناك تناقضا حتميا بين المصلحة والقيم في السياسة؛ وهو أمر يتجاهل معنى المصالح المعتبرة المسكونة بالقيم، فمن الممكن أن تكون قادرا على أن تجعل من مصالحك مرتبطة بقيمك وتحول قيمك في مسار مصالحك الحقيقية والمعتبرة.

هذه العلاقة غير المشروعة بين الدين والسياسة، هي التي تفرز أبناء لقطاء لا يعرف لهم أصل ولا فصل، إلا أن هؤلاء قد يسعون بالفساد في الأرض وإفساد الناس وعلاقاتهم. وفي هذا وجب علينا أن ننظر إلى طبيعة العلاقة المتكاملة والمتفاعلة بين الدين والسياسة لينهض كلا طرفي العلاقة بالآخر وليشكل رافعة بجامعية الأمة واجتماعها وجماعتها الوطنية؛ ومن هنا وجب علينا أن نبحث من كل طريق عن مسارات العلاقة بين السياسة والدين في كل عمل يصب في مصلحة الإنسان وترقيته وعمرانه.

x.com/Saif_abdelfatah

مقالات مشابهة

  • عقوبات أمريكية جديدة على “حزب الله”
  • حفل ختام بطولة دوري “أرث الأردن ” للمبارزة تحت رعاية نائب سمو رئيس اللجنة الأولمبية
  • قطع مسافة قياسية.. متحرك أسود العرين سنار يصل القيادة العامة للجيش
  • بناء نظام إقليمي شرق أوسطي جديد أمريكي ـ صهيوني.. قراءة في كتاب
  • حذر سياسي في العراق.. خيارات التغيير تصطدم بقرار الصدر
  • سيطرة العصبية الصهيونية الفاشية على الشرق الأوسط المعاصر.. قراءة في كتاب
  • ختام بطولة الجاليات “الرمضانية” لخماسي كرة القدم في عمان الاهلية
  • رابحي: “خريجي البطولة الجزائرية تألقو مع المنتخب الوطني ضد موزمبيق”
  • في ختام مسابقة أهل القرآن.. محافظ الغربية يكرم 130 من حفظة كتاب الله
  • العلاقة بين الديني والسياسي وما بينهما المدني.. مشاتل التغيير (11)