لماذا تمثل عودة ترامب للبيت الأبيض كابوسا للصين؟
تاريخ النشر: 11th, August 2024 GMT
اعتبرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن فوز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، بانتخابات الرئاسة المقررة نوفمبر المقبل، سيكون بمثابة "كابوس للصين"، التي تستعد لجولة ثانية أكثر صعوبة من الحرب التجارية إذا عاد الرئيس السابق للبيت الأبيض.
واندلعت حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين عام 2018 عندما فرض ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى، رسوما جمركية تصل إلى 25 بالمئة على واردات بقيمة 350 مليار دولار من الصين، تمثل 65 بالمئة من إجمالي واردات عام 2018.
لكن إذا فاز ترامب بالسباق الرئاسي، فسوف تكون الجولة الثانية "أكثر صعوبة"؛ لأن الرسوم الجمركية ستكون أعلى في ظل المخاطر المرتفعة التي تحيط بالاقتصاد الصيني، وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وتعهد ترامب برفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية إلى 60 بالمئة أو أكثر إذا فاز في الانتخابات الرئاسية هذا العام.
ونقلت الصحيفة عن كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين بشركة "بي سي إيه" للأبحاث، ماثيو غيرتكين، قوله إن "ترامب يضغط على الاقتصاد الصيني أثناء انكماشه. إنهم أكثر عرضة للخطر".
وأكد أغلب خبراء الاقتصاد أن الصين كانت الأكثر تضررا من الحرب التجارية السابقة، لكن هذا التأثير لم يدم طويلا، وفق الصحيفة، حيث انتعشت صادراتها بقوة خلال الجائحة مع إقبال المستهلكين في الغرب على شراء الإلكترونيات الاستهلاكية وغيرها من وسائل الراحة المنزلية.
ومنذ ذلك الحين، نجح المصدرون الصينيون في العثور على أسواق جديدة بمساعدة الدعم الحكومي وانخفاض الأسعار، ليبلغ فائض الصين في تجارة السلع، مستوى قياسيا شهريا في يونيو الماضي بلغ نحو 100 مليار دولار، بفضل الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا.
ومع ذلك، فإن اقتصاد الصين يعاني من صعوبات، حيث دخلت أزمة العقارات الآن عامها الثالث، في ظل الانهيار العقاري والصدمة المستمرة بسبب الوباء، مع تزايد الضغوط على الأوضاع المالية للحكومات المحلية وتراجع ثقة القطاع الخاص.
لذلك، فإن الاعتماد على التصنيع والصادرات يجعل الصين أكثر حساسية تجاه التصعيد في الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وفقا لـ"وول ستريت جورنال".
ويقدّر كبير خبراء الاقتصاد في شركة "بيكتيت" لإدارة الأصول، باتريك زويفل، أنه إذا تمسكت نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، حال انتخابها في نوفمبر بسياسة التعريفات الجمركية الأكثر انتقائية التي انتهجتها إدارة، جو بايدن، فقد يؤدي ذلك إلى خفض نمو اقتصاد الصين بنحو 0.03 نقطة مئوية خلال العام المقبل.
أما إذا ما رفعت الرسوم الجمركية إلى 60 بالمئة على جميع السلع الصينية، كما اقترح ترامب، فإن الضربة ستكون أكبر كثيرا، ربما ينخفض النمو بنحو 1.4 نقطة مئوية، وفق زويفل، الذي قال إن هذا من شأنه أن يخفض نمو اقتصاد الصين عام 2025 إلى نحو 3.4 بالمئة من 4.8 بالمئة المتوقعة.
وتشير تقديرات بنك "يو بي إس" إلى أن الرسوم الجمركية البالغة 60 بالمئة على الواردات الصينية من شأنها أن تعيق نمو الناتج المحلي الإجمالي لبكين بنحو 2.5 نقطة مئوية في الأشهر الـ 12 التي تلي فرضها، على الرغم من أن التراجع قد لا يتجاوز 1.5 نقطة مئوية إذا اتخذت الصين إجراءات تعويضية.
ووجدت دراسات نشرتها جامعات في الصين وجامعة ستانفورد أن الجولة الأولى من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في السابق، لم تقتصر على تقليص الصادرات فحسب؛ بل أدت أيضا إلى تقليص أرباح الشركات والإضرار بثقة الشركات والمستهلكين وخنق الاستثمار والتوظيف.
ويقول خبراء الاقتصاد، وفق "وول ستريت جورنال"، إن هذه التأثيرات سوف تتكرر وتتضاعف هذه المرة؛ لأن ترامب سوف يفرض رسوما جمركية على كل الواردات الصينية.
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: وول ستریت جورنال الرسوم الجمرکیة
إقرأ أيضاً:
النمو في الصين لا يكفي لإخراج الاقتصاد العالمي من دائرة التباطؤ
خلال الاجتماعات السنوية لمؤتمر الشعب، البرلمان الصيني الأخيرة تعهدت الحكومة الصينية بألا يقل معدل نمو الاقتصاد خلال العام الحالي عن مستواه في العام الماضي أي حوالي 5% من إجمالي الناتج المحلي.
وتحقيق نمو بمعدل 5% لا يبدو أمراً سيئاً، لكن الواقع الاقتصادي في الصين مازال أقل إقناعاً مما يوحي به هذا الرقم، كما أنه من غير المحتمل أن يشهد الطلب الاستهلاكي في الصين نموا كافيا لزيادة وارداتها من دول العالم.
China wants to keep its trade surplus intact, while Donald Trump seeks to turn the US trade deficit into a surplus. Neither wants to be the world’s consumer of last resort. https://t.co/sKR9Pov47m
— Chatham House (@ChathamHouse) March 15, 2025 السياسات الصينيةوفي تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني قال ديفيد لوبين الباحث البارز الزميل في برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي بالمعهد إن المشكلة الأساسية هي أن السياسات الصينية ستنتهي بالمحافظة على الفائض التجاري الكبير لثاني أكبر اقتصاد في العالم. في المقابل يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحويل العجز التجاري الأمريكي إلى فائض.
ويعني هذا أن العالم مقبل على ما يمكن أن نسميه "صراع أصحاب المذهب التجاري"، وهو المذهب المعروف أيضاً باسم المركنتيلية الذي ساد في أوروبا فيما بين بداية القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر وكان يعطي الأولوية للمكاسب التجارية على أي اعتبارات أخرى. فلا الصين ولا الولايات المتحدة تحت حكم ترامب ترغب أي منهما أن تكون الملاذ الاستهلاكي الأخير للعالم.
ورغم تدهور ثقة المستهلكين والشركات في الصين خلال السنوات الماضية، ظهرت مؤشرات على تعافي الاقتصاد الصيني خلال الشهور القليلة الأخيرة.
أول هذه المؤشرات تجاوز المرحلة الأسوأ من أزمة القطاع العقاري الصيني. وجاء ذلك جزئيا، بفضل الجهود المتجددة خلال الأشهر الستة الماضية لزيادة جاذبية العقارات من خلال خفض أسعار فائدة التمويل العقاري وتخفيض شروط الدفعة الأولى من ثمن العقار، وتخفيف القيود على الملكية، ودعم شركات التطوير العقاري المملوكة للدولة.
أما المؤشر الثاني فهو ارتفاع مبيعات التجزئة (لا سيما الأجهزة المنزلية) بفضل الدعم الحكومي لاستبدال الأجهزة القديمة بأخرى جديدة. ونتيجة لذلك، أرتفع معدل نمو المبيعات إلى ما يقرب من 4% بنهاية عام 2024 وهو معدل لا يزال منخفضاً، ولكنه أفضل من معدلات النمو شديدة الانخفاض والتي تراوحت بين 2% و3% في الصيف الماضي.
???????? #BREAKING
Chinese authorities are working on a proposal to help China Vanke Co. plug a funding gap of about 50 billion yuan ($6.8 billion) this year.https://t.co/5WbgWdBXzp#CHINA #VANKE #PROPERTY #REALESTATE https://t.co/H4CKC1uMKW
ويعود هذا التحسن إلى الجهد المتزايد لصناع السياسات في الصين لإنعاش الاقتصاد . ومن أبرز هذه الجهود الاجتماع رفيع المستوى الذي عقده الرئيس الصيني شي جين بينغ مؤخراً مع قادة كبرى الشركات الخاصة، فيما اعتبر محاولة من جانبه لاحتضان القطاع الخاص الصيني بعد سنوات من التضييقات الحكومية عليه.
ولعل هذه التحركات الحكومية في الشهور الماضية تفسر لماذا يرى البعض أن إجراءات تحفيز الاقتصاد التي أعلنتها الحكومة في اجتماعات مؤتمر الشعب لم تكن على مستوى التوقعات.
وعلى الرغم من تعهد الحكومة بالسماح بارتفاع عجز ميزانية العام الحالي إلى 4% من إجمالي الناتج المحلي مقابل 3% في العام الماضي، فإنها ما زالت بعيدة عن اتخاذ الإجراءات التي يمكنها تحقيق زيادة حاسمة في مستويات ثقة الشركات والمستهلكين. وفي حين وعد مجلس الدولة (الحكومة الصينية) في الشهر الماضي بتغيير جذري في العقلية الاقتصادية للبلاد وزيادة التركيز على تحفيز الاستهلاك، فإن تقرير عمل الحكومة لعام 2025 الصادر في الأسبوع الماضي جعل الأمر يبدو وكأننا سنكون أمام تعديل طفيف وليس تغييراً جذرياً كما وعدت الحكومة.
ويرى ديفيد لوبين في تحليله أن هناك عاملين رئيسيين يحدان من رغبة بكين في تقديم الدفعة المطلوبة بشدة للاقتصاد.
العامل الأول هو أنه لا يمكن التنبؤ بسياسات وقرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فصادرات الصين إلى الولايات المتحدة تخضع حالياً لرسوم جمركية تصل أحياناً إلى 30% بعد قرار ترامب زيادتها مرتين بنسبة 10% في كل مرة منذ تنصيبه في 20 يناير(كانون الثاني) الماضي. ومن المحتمل تزايد الإجراءات العدائية تجاه الصين، خاصة ما يتعلق بتدفق رؤوس الأموال بين البلدين في أعقاب نشر "سياسة استثمار أمريكا أولاً" للرئيس ترامب التي تستهدف منع خروج الاستثمارات من الولايات المتحدة وإعادة الاستثمارات الخارجية إليها. ورغم ذلك من الصعب التكهن بالإجراءات العدائية المستقبلية.
ورغم أنه يمكن للمرء توقع زيادة إجراءات تحفيز الاقتصاد الصيني وليس تقليصه لمواجهة تداعيات الإجراءات الأمريكية، فإن الصين تفضل عادة الانتظار لرؤية تطور الأمور. وكما أوضح وزير المالية الصيني لان فو آن في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، فإن هدف بكين هو "الحفاظ على مساحة الحركة أمام سياساتها وأدواتها اللازمة للتعامل مع حالة عدم اليقين القادمة من مصادر محلية أو خارجية".
The Policy will also protect our strategic industries and locations, while also making sure the United States is the world’s best destination for investment. https://t.co/uBhyDIr15S
— Secretary of Treasury Scott Bessent (@SecScottBessent) February 27, 2025 اضطرابات ماليةأما العامل الثاني الذي يحد من رغبة الصين في اتخاذ إجراءات أكبر لتحفيز الاقتصاد، فهو ما يمكن تسميته "قلق الميزانية العامة" حيث يقترب معدل الدين العام للحكومة المركزية من 100% من إجمالي الناتج المحلي، والسلطات مترددة في زيادة هذا الدين خوفاً من حدوث اضطرابات مالية يمكن أن تهدد الأمن القومي. وفي حين أن معدل الدين للحكومات المحلية أقل كثيراً ويبلغ حوالي 30% من إجمالي الناتج المحلي، فإن اعتمادها على إيرادات مرتبطة بالأراضي، يعني أن أوضاعها المالية هشة نتيجة أزمة القطاع العقاري.
ويمكن القول بوضوح إن الحكومة المركزية لا ترغب في تقديم دعم فوري كبير، والحكومات المحلية لا تستطيع ذلك، رغم أن السلطات قد تتدخل ببعض إجراءات التحفيز إذا تدهورت مستويات الثقة.
كما أن إجراءات التحفيز التي أعلنت مؤخراً تميل أكثر نحو دعم الإنتاج وليس الاستهلاك. على سبيل المثال سيتم توجيه الجزء الأكبر من حصيلة بيع السندات الخاصة للحكومات المحلية خلال العام الحالي وقيمتها 4.4 تريليون يوا ما يعادل 607.38 مليار دولار تقريباً نحو سداد مستحقات الشركات المتأخرة والاستثمار في مشروعات البنية التحتية.
ومن بين حصيلة السندات الخاصة المقررة للحكومة المركزية في العام الحالي وقيمتها 1.8 تريليون يوان، سيتم توجيه 300 مليار يوان فقط نحو برامج دعم التجارة والاستهلاك، في حين سيستخدم الجزء الباقي في دعم تحديث المعدات والتصنيع عالي التقنية وإعادة رسملة البنوك التابعة للدولة.
لذلك يمكن القول إن خلاصة اجتماعات البرلمان الصيني في الأسبوع الماضي هي أن الصين ستظل على الأرجح اقتصاداً تجارياً بامتياز، وسيظل الفائض التجاري الكبير عنصراً أساسياً. في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تحويل عجزها التجاري إلى فائض، ليصبح السؤال المطروح هو من سيدعم ازدهار التجارة العالمية وقيادة الاقتصاد العالمي نحو الخروج من دائرة التباطؤ؟.
يرى لوبين أن الصين للأسف لن تكون هي الإجابة في ضوء السياسات الراهنة، في حين يمكن الرهان على أوروبا لكي تقود قاطرة الانفاق الاستهلاكي والاستيراد في العالم خاصة وأصبحت السياسة المالية الأكثر مرونة راسخة في ذهن مستشار ألمانيا المنتخب فريدريش ميرتس الذي سيقود أكبر اقتصاد في أوروبا خلال السنوات المقبلة.