أعادت منتجعات الطائف الريفية تشكيل مفهوم "المكان" في الوعي المعماري المعاصر، متفوقة بمدى قدرتها واستلهامها من المخزون الثقافي في تحقيق الاستدامة وأنسنة محيطها، واستيعابها للمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؛ لتواكب متطلبات الحاضر مع المحافظة على الشخصية الفريدة لبيئة المحافظة العريقة، كجزء لا يتجزأ من هذا المورد، وباستخدام مواد محلية طبيعية مثل (جذوع النخيل والعرعر والسمر والسدر والطلح) الموارد الأخرى الصديقة للبيئة (كالطين والجص)، لتكون بيئة متكاملة تحمل نسيج المكان والزمان.


وتؤدي هذه المنتجعات مع جبال الطائف وغاباته الغناء دوراً أساسياً للحياة الريفية البسيطة؛ المليئة بالهدوء، وفق فضاءات جديدة معمارية، تلقي الضوء على تراث المدينة الذي يحمل عبق الماضي منذ زمن بعيد، وما يشمله من أحداث وأحوال شهدها المجتمع حتى وقتنا الحاضر، حيث سطع كل نزل في أرجاء المحافظة بجماله الساحر وتصاميمه الأخاذة، بدءًا من اختيار موقعه وسط الغابات، ليكون نافذة عبر إطلالات رائعة وأجواء ساحرة وسط سلاسل الجبال الشاهقة المكسوة بالخضار البهي للنفس.

ومزجت مقاهي ومطاعم ومنتزهات الطائف، الماض بالحداثة والعراقة، والتجدد بالأصالة والكلاسيكية بالنمط العصري الآسر، لتصبح في زيارتها واستقبالها للسائحين، بمثابة رحلة سياحية استثنائية إلى ربوع الماضي الجميل وحياة الأجداد، التي حملت جموعا من تقاسم المعرفة الفنية، ونقل تفاصيلها الراسخة إلى الناشئة من الأجيال الشابة، التي تمتاز بها الطائف منذ الأزل، بروح تراثها وهوائها النقي الذي ينعش زوارها أينما وجدوا، وما تحمله من جوانب جمالية كامنة في التراث المعماري في زمن التنمية والنهضة، أخذت في طالعها شكلها البصري، الذي تروي من خلاله روعة التراث وقصة الطائف بين الأمس واليوم، حيث أضحت هذه المقاهي بمواقعها الاستراتيجية؛ أنس المتسامرين، وروح تجتمع فيها الجلسات العائلية، حتى أصبحت ملتقى يتزاحم عليه كل من يريد الارتياح من تعب النهار وتصفية الذهن، إذ تتنافس في حشد جموع الزائرين؛ الذين ينشدون البساطة والاستجمام، ومغادرة الأبواب المغلقة إلى الأجواء المفتوحة، لتلوذ ذائقتهم بكوب من القهوة السعودية أو الشاي؛ الذي يمتزج معه الصخب الثقافي المنعش بحواراته البناءة بحد ذاتها.

ويتميز صيف محافظة الطائف، بتعدد وتنوع فضاءاتها التي تضفي عليها رونقا وجمالية وما تضمه في جوفها من حدائق ومساحات خضراء، انتشرت بها الأشجار والنباتات العطرية بين أحضان الطبيعة، لتتفيأ بنصيبها الجليّ في استقطاب عشاقها إلى جانب روادها الأوفياء الذين دأبوا الذهاب لها، في أجواء يملؤها الود والإخاء؛ واستغلال الفرص للالتقاء بالأقارب، وإيجاد أجواء حميمية، تتجاذب بها أطراف الحديث في موضوعات عديدة، ذات طابع اجتماعي أو فني أو ثقافي أو رياضي.

المصدر: صحيفة عاجل

كلمات دلالية: محافظة الطائف منتجعات الطائف الريفية التراث المعماري

إقرأ أيضاً:

المهرجانات.. لحن الأصالة والهوية

علي عبد الرحمن

أخبار ذات صلة «أوبك+» تشدد على ضرورة الالتزام بسياسة الإنتاج البرنامج النووي السلمي الإماراتي يرسخ ريادته العالمية

تعتبر المهرجانات التراثية والفنية في دول الخليج العربية، نافذة حضارية، تجمع بين الإرث الثقافي العميق وروح الحداثة المتسارعة. ولطالما كانت الموسيقى في الخليج العربي أكثر من مجرد وسيلة ترفيهية، إنها نبض التاريخ وشريان الهوية الثقافية، تروي عبر أنغامها قصص المكان وسير الأجيال، وترسم مشاهد من الحياة البدوية والبحرية التي شكّلت ملامح المنطقة. 
في دولة الإمارات، نجد «العيّالة»، أكثر من مجرد رقصة شعبية، إنها رمز يتجلى فيه معنى الكرامة واللحمة الاجتماعية التي كانت ولا تزال تعبّر عن وحدة القبيلة، بينما ينبثق «الصوت» الكويتي من عمق البساطة، حاملاً في طياته رهافة المشاعر التي تنبض في وجدان الأجيال. أما فنون البحرين الشعبية، فتمتزج فيها إيقاعات البحر بنبض الإنسان، فيما يتغنى «فن الطارق» السعودي بصدى الصحراء الواسعة، وأصواتها الحية التي تعكس عراقة المنطقة وروحها الأصيلة.
لكن الإرث الموسيقي لا يعيش في الماضي وحده، بل يجد مكانه في الحاضر عبر إعادة إحياء مبتكرة توازن بين التراث وروح العصر، وهنا تتجلى العبقرية في قدرة المهرجانات الخليجية على تقديم تجربة موسيقية تمزج بين العود والقانون كأوتار تحكي الأصالة، وبين الكمان والبيانو كأصوات تستدعي الحداثة، إنها تجربة تحاكي التناغم بين القديم والجديد، حيث تتلاقى الألحان التقليدية مع التوزيعات الموسيقية العصرية، ما يخلق جسراً حياً يربط بين جيل الأجداد وجيل الشباب دون أن يفقد التراث هويته أو جوهره العريق.
تتصدر دولة الإمارات المشهد الخليجي في الحفاظ على الهوية الموسيقية، فالموسيقى ليست مجرد نغمات وأصوات، بل لحن متواصل يعزف على أوتار الزمان والمكان، مستحضرة الماضي في قلب الحاضر. وبإيقاع متقن، تعزف الإمارات لحنها الفريد الذي يجسّد إرثها الثقافي ويعبّر عن هويتها المتميزة، ففي مهرجاناتها ومبادراتها، تتناغم الأنغام التقليدية مع الابتكار العصري، لتخلق سيمفونية متكاملة. وتتألق الإمارات من خلال مهرجاناتها الموسيقية والتراثية التي تُعدُّ بمثابة منصة مفتوحة للتجسيد الموسيقي للذاكرة الجماعية، مثل «مهرجان الحصن» في أبوظبي، حيث تبرز الألوان الصوتية للدفوف والطبول التقليدية، مختلطةً بالألحان الحديثة التي تستدعي الزمان والمكان في سيمفونية متجدّدة.
ويجسّد «مهرجان الشيخ زايد التراثي» مزيجاً فنياً يعكس تفاعل الجماهير مع إيقاعات الهوية، وتنساب أنغام الصوت والآلات التقليدية في توازن فني مدهش. وتشبه «أيام الشارقة التراثية»، آلة العود التي تردد أنغامها في فضاء زمني يتنقل بين الماضي والحاضر، في هذا المهرجان، تتشابك أغاني الصحراء وطبول البادية مع الرقصات التقليدية، لتصبح كأنها نوتات من تاريخ طويل، ترسم لوحة فنية تخلّد ذكرى الأجداد وتستقطب الأجيال الجديدة. ويمثل «رأس الخيمة التراثي»، سيمفونية كبيرة تجمع الأصوات التقليدية من عود وقانون وأصوات البحر والصحراء، لتخلق مزيجاً متناغماً من الأصالة والابتكار. وتتواصل الأنغام الإماراتية عبر هذه المهرجانات، حيث يُعيد التراث الموسيقي تشكيل نفسه في قوالب مبتكرة تواكب العصر دون أن تفقد هويتها، ولا تعبّر الموسيقى عن الماضي فحسب، بل تكتب ألحان الحاضر وتبني نغمات المستقبل، لتظل أداة محورية في الحفاظ على الهوية الثقافية والتراث الموسيقي.
بوابة الثقافة 
تُشَكّل المهرجانات الكبرى في الخليج العربي بوابةً رئيسة للتعريف بالهوية الثقافية والموسيقية التي تتميز بها المنطقة، فهي ليست مجرد فعاليات ترفيهية، بل نوافذ للروح الخليجية تُفتح على العالم، وفي قلب المهرجانات، يتعانق الماضي مع الحاضر، والألحان التقليدية مع الأنغام الحديثة، لتُقدم تناغماً موسيقياً ينبض بالحياة والتاريخ.
في السعودية، يظل «مهرجان الجنادرية» واحداً من أبرز هذه الفعاليات التي تحتفل بالتراث الوطني، وأصبح أكثر من مجرد مهرجان شعبي، فهو سيمفونية متكاملة تدمج بين الألوان الموسيقية المختلفة، حيث تمتزج إيقاعات «الليوة» و«العرضة» مع الرقصات الشعبية التي تحاكي الحياة اليومية في البادية والمدن، ليشهد الحضور على لحن من الماضي والحاضر، يعكس تنوع المناطق السعودية.
ويُعد «مهرجان البحرين للموسيقى» من الفعاليات التي تتماهى مع النبض الثقافي العالمي، حيث يُحتفى بالموسيقى كوسيلة للحوار والتواصل بين الثقافات، وتلتقي الأنغام الخليجية مع الموسيقى العالمية، لتُجسد تفاعل الشرق بالغرب من خلال عروض موسيقية مبتكرة.
وتصدح آلات بحرينية تقليدية مثل «العود» و«الربابة» جنباً إلى جنب مع الآلات الحديثة مثل البيانو والكمان، لخلق تناغم فني يعكس الروح البحرينية المتجددة.
يتبوأ الشباب المكانة الأهم كمحرك رئيس لاستدامة التراث الموسيقي، وهناك العديد من المبادرات الرائدة، التي تساهم في ربط الأجيال الشابة بالتراث، مثل «الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة»، التي تُعد واحدة من أبرز المنصات التي تعكس التزام الدولة بتطوير الفنون والموسيقى من جميع الأشكال والأنماط، وتُعد جسراً ثقافياً يربط بين الماضي والحاضر، حيث تُسلط الأضواء على التراث الموسيقي الإماراتي، بدءاً من الألحان التقليدية التي نشأت في الصحراء، وصولاً إلى التوليفات المعاصرة التي تعتمد على التقنيات الحديثة.
من خلال هذه الأوركسترا، تُتاح الفرصة للشباب للمشاركة في تقديم أعمال موسيقية تدمج بين الأصالة والابتكار، والموسيقى التي تُعزف ليست مجرد ألحان معاصرة، بل مزيج من الأشكال القديمة التي تتلاقى مع الأصوات الجديدة التي تعتمد على التقنيات الصوتية الحديثة، وبذلك تصبح الأوركسترا فضاءً مميزاً، يحث الشباب على الانفتاح على تجارب جديدة، بينما يحافظون في الوقت ذاته على ارتباطهم بجذورهم الثقافية.

مقالات مشابهة

  • موجة حارة استثنائية تضرب بريطانيا وسط مخاوف من حرائق الغابات
  • “آسر”.. باسل خياط في رحلة انتقام وتصفية حسابات مع أصدقاء الماضي
  • المهرجانات.. لحن الأصالة والهوية
  • “تعليم الطائف”: بدء تطبيق الدوام الصيفي لمدارس المحافظة والمراكز التابعة لها غدًا
  • “تعليم الطائف” يعلن بدء تطبيق الدوام الصيفي لمدارس المحافظة والمراكز التابعة لها
  • بحضور واسع.. مدينة سيئون تشهد فعالية مهرجان "ألحان الزمن الجميل"
  • مضمار "ميدان" يحتضن العالم في "أمسية استثنائية"
  • ملتقى التأثير المدني: لاستعادة السيادة واستكمال تطبيق إتفاق الطائف
  • مسرح السامر يشهد ختام احتفالات عيد الفطر بأغاني الزمن الجميل والفنون الشعبية
  • لقاء بين رئيس المجلس العام الماروني ونديم الجميل تمحور حول الانتخابات البلدية