عودة الماضي.. مهما كانت العودة!
تاريخ النشر: 7th, August 2024 GMT
خالد بن سعد الشنفري
الحديث عن كنوز ظفار التراثية والثقافية وموروثها؛ سواء كان تراثًا ماديًا أو معنويًا، مرويًا أو مرئيًا، وإحياء ذلك مع كل موسم خريف؛ حديث ذو شجون وحنين، والنفس البشرية ترنو في لحظات الجمال لاستشعار ماضيها الجميل أو ما اصطلح على تسميته مُؤخرًا "زمن الطيبين".
لفتت انتباهي فعاليات "عودة الماضي" في الحافة التراثية للموسمين الماضيين 2022 و2023 وقد أفردتُ لهما مقالين؛ الأول: بعنوان "عودة الماضي عودة الروح" في جريدة الرؤية (بتاريخ 12 ديسمبر 2022)، والثاني بعنوان "يوم في عودة الماضي" (بتاريخ 20 أغسطس 2023).
وقد قررت لجنة مهرجان خريف ظفار هذا العام نقل فعاليات "عودة الماضي" لموسم 2024 من موقعه السابق في منطقة الحافة، من أنموذج حي من تراث ظفار المعماري، علاوة على موقعها المميز على شاطئ بحر العرب "بندر ظفار التاريخي" وبمحاذاة قصر الحصن العامر غربًا وحصن البليد التاريخي شرقًا وكذلك سوقها التاريخي "سوق العرصة قديمًا" سوق شاطئ الحافة حاليًا.
لا شك أنه كان للمكان دورٌ وسحرٌ في تجسيد الحدث، وقد تكفلت أطلال الحافة بنقل الماضي لزواره؛ فالإنسان ومشاعره كلٌ لا يتجزأ، وليس هناك ماضٍ نعيشه بمعنى الكلمة بمعزل عن حاضرنا، ولا مستقبل أيضا؛ بل الإنسان هو اللحظة التي يعيشها الآن ويحق له أن يجتر الماضي أحيانًا للخروج من اللحظة المُعاشة مؤقتًا أو يحلم ويتخيل المستقبل أحيانًا.
يمكننا القول إنَّ لحظات اجترار الماضي بكل إيقاعاته المُريحة عادةً للنفس البشرية، قد تحقق بيُسرٍ ونجاح في موقع منطقة الحافة في الموسمين السابقين، وعلى مدى 45 يومًا في كل عام هي فترة هذه الفعاليات، وانعكس ذلك بالتالي إيجابًا ليس على زواره ومريديه وحسب؛ بل أيضًا على المشاركين في فعالياته من الشباب الظفاري، الذين تقمصوا الماضي باقتدار في اداء فعالياتهم المتنوعة. وقد لوحظ ذلك بجلاء على أدائهم وذلك لسبب بسيط ألا وهو أنهم كانوا وسط إطلالات هذا الماضي، المُتمثِّل في بيوت وقصور الحافة التاريخية التي احتضنت الموقع وزواره، كما ساهم كذلك بفعالية الشواطي الفضية لبحر العرب من الجنوب، وصاحب الحدث بأصداء موسيقى هدير أمواج خريفهِ التي لا تهدأ في الخريف، وتنثر عبق روائح اليود وزبد البحر الزكية؛ فتشرح الصدور.. إنها بانوراما طبيعية.
كان فعلًا منظرًا بديعًا عشناه في الموسمين السابقين، عشناه وتعلقنا به، وعاشه معنا زوارنا من مختلف محافظات عُماننا الحبيبة ودول جوارنا الخليجية الشقيقة.
لقد بُذِلَت جهود مشكورة مُقدرة من القائمين على خريف ظفار في بلدية ظفار وعلى رأسها سعادة الدكتور رئيس البلدية، من أجل إعداد وتهيئة الموقع الجديد لعودة الماضي بالسعادة، وفي فترة زمنية قصيرة جدًا، وليس ذلك بغريب. فقد كان سعادته أول من أطلق مسمى "عودة الماضي"، وكانت له آمال في استمرار وتطوير هذا الجانب، كنَّا نترقبها في كل موسم خريف.
لا شك أن الكثيرين قد تعلقوا بالفعل بـ"عودة الماضي" في هذا المكان، وهذا أمر طبيعي ومُتوَقَّع، وبالتالي فإنَّ سماعهم خبر قرار نقله إلى منطقة السعادة انعكس عليهم سلبًا في بداية الأمر، وهذا أمر متوقع، غير أن الموقع الجديد لعودة الماضي في منطقة السعادة اتضحت فوائده بعد ذلك شيئًا فشيئًا على أرض الواقع، من حيث السعة في المكان الذي سمح بالتوسع في الفعاليات واستيعاب فعاليات أكثر، وقد تجلّى كل ذلك بالفعل على أرض الواقع منذ الأيام الأولى، والمتمثل في توسعة المواقع الرئيسة الثلاث الحضرية والريفية والبدوية وكذلك البحرية وغيرها من الأنشطة بمساحات جيدة؛ مما قلَّل من التدافع والازدحام الذي حصل في السنوات الماضية. ومع كل ذلك لم يستفد حتى الآن من المساحة المسورة من الأرض المخصصة لذلك، إلّا في حدود الثلث فقط، مما يعني قابليتها للتوسُّع في المواسم المقبلة، لاستيعاب الأعداد المتزايدة من زوار خريف ظفار في كل عام، إضافة الى مواقف السيارات الشاسعة خارج أسوار الموقع، ومن الجهات الثلاثة للموقع ببوابات متعددة لتسهيل انسياب الدخول والخروج، كما جرى نصب مُجسَّمات كبيرة داخل أرض "عودة الماضي" نراها لأول مرة في ظفار، نفخر ونعتز بها؛ كقلعة نزوى التاريخية، وبوابة مسقط، وفنار صور العفية، وغيرها، كما أُضيفت أنشطة جديدة لثلاث محافظات، وما زال بالأرض متسع لإضافة محافظات أخرى في السنوات المقبلة؛ بل وأتاحت الفرصة لمواقع لبعض الأقطار الخليجية الشقيقة التي ترغب في المشاركة.
يبدو أنَّ التصور القادم لعودة الماضي مستقبلًا ألا يقتصر على تراث منطقة الحدث والمناسبة في ظفار كما كان سابقًا؛ بل ليمتد ليشمل عُمان كلها، وقد يضُم دول مجلس التعاون الخليجي؛ وذلك للجذور والأصول والأواصر المشتركة بينها جميعًا في هذا الجانب، ولأن الجميع يقصد هذه الفعاليات الخريفية السنوية وأنها منهم وإليهم، مع التركيز بالطبع على كنوز ظفار (أرض الحدث) التراثية المميزة.
لقد كان قرار نقل مقر فعاليات عودة الماضي إلى السعادة فعلًا قرارًا ناضجًا وحلًا ناجعًا لا بُد منه، في ظل محدودية مساحة الموقع القديم بالحافة، ومواقف السيارات وأيضًا إشغالات سوق شاطئ الحافة وازدواجية شارع السلطان قابوس، ومؤكد أسباب أخرى، دعت إلى التَّحول نحو منطقة السعادة.
لم يغب بالطبع الموقع القديم بالحافة وأطلالها التاريخية وشواطئها الذهبية وأمواج بحرها الهادرة في الخريف عن أن تبقى حاضنًا رئيسيًا للأنشطة والفعاليات جنبًا إلى جنب مع موقع عودة الماضي الجديد بالسعادة، كما كانت سابقًا، ولم يتغير عليه سوى المُسمى فقط من "عودة الماضي" سابقًا إلى "سوق اللُبان" حاليًا؛ وهو اسم لا يقل أهمية وبريقًا عن سابقه؛ بل إنَّ اللُبان يعتبر الاسم الوحيد الذي يُجسِّد اسم ظفار وعُمان تاريخيًا منذ القدم، وما زال يمثل شعارًا والذهب الأبيض لعُمان بلا منازع.
"سوق اللُبان" لن يقتصر بطبيعة الحال على اللُبان ومشتقاته من بخور وعطور ومتعلقاتها؛ بل سيشتمل هذا العام على عرض منتجات الأُسر المُنتِجَة في الأماكن الجديدة التي خُصِّصَت لها، وإنها للمسة كريمة أخرى من بلدية ظفار أن أتاحت الفرصة لقرابة 300 أُسرة من الأسر المنتجة العُمانية، لعرض منتجاتها في هذا السوق الموسمي من كل عام، وتمت المحافظة على استمرارية كل الفعاليات والأنشطة، كما كانت عليه، للحفاظ على بريق ووهج المكان الذي اكتسبه على مدى موسمين سابقين.
كل الشكر لصاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار، وكذلك الشكر موصول إلى بلدية ظفار ووزارة التراث والسياحة وشرطة عُمان السلطانية، وكل من يُساهم في إنجاح موسم خريف ظفار، وهنيئًا لنا جميعًا في محافظة ظفار إدارة وإنجاح تنظيم توافد مليون زائر في الموسم الماضي 2023، وتوقع استقبال ما يربو على مليون ومائة ألف زائر هذا العام 2024.
كل موسم خريف وأنتم في خيرٍ وسعادةٍ.
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
العيد بين الماضي والحاضر.. طرق الاحتفال وتأثير التكنولوجيا عليها
يعتبر عيد الفطر من أبرز المناسبات الدينية التي يحتفل بها المسلمون حول العالم، حيث يشهد هذا اليوم العديد من التقاليد والعادات الخاصة التي تختلف من بلد إلى آخر، وتتنوع بشكل ملحوظ بين الماضي والحاضر.
ومع تقدم الزمن، تأثرت طرق الاحتفال بالعيد بالكثير من العوامل مثل التكنولوجيا والعولمة، مما أدى إلى تغييرات جذرية في كيفية الاحتفال بهذه المناسبة العزيزة.
في هذا التقرير، سنتناول الفرق بين الاحتفال بالعيد في الماضي والحاضر، وكيف أثرت التطورات التكنولوجية والعولمة على هذه المناسبة.
في الماضي، كانت التحضيرات لعيد الفطر تتميز بالبساطة والروحانية، كانت العائلات تبدأ التحضير للعيد قبل يومين أو ثلاثة من خلال تحضير الحلويات التقليدية مثل الكعك والمعمول يدويًا في المنازل.
وكان الجميع يتعاون في هذه المهمة، مما يضفي جوًا من التآلف بين أفراد الأسرة، كما كانت العائلات تعد المأكولات التقليدية التي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من العيد، مثل الأرز باللحم أو الكسكس، وكل عائلة كانت تملك وصفاتها الخاصة التي توارثتها الأجيال.
الملابس كانت في الغالب بسيطة وأنيقة، وكان الناس يحرصون على شراء ملابس جديدة للعيد من الأسواق المحلية، التي كانت تقدم تشكيلة محدودة من الأزياء. لكن الأهم من ذلك، كانت الملابس تُفصل حسب الذوق الشخصي أو الحرفيين المحليين. لم يكن هناك تركيز على الماركات العالمية كما هو الحال اليوم.
أما بالنسبة للاحتفالات، فقد كانت العائلات تتجمع في المنازل وتستقبل الزوار من الأقارب والجيران، كانت الزيارات المتبادلة بين العائلات تمثل جزءًا أساسيًا من الاحتفال. وكان الأطفال يفرحون بألعابهم التقليدية مثل "الطحالب" و"الجلجلة"، بينما كان الكبار يجتمعون في أماكن عامة لأداء صلاة العيد والتبادل بالتهاني.
مع مرور الزمن، شهدت طرق الاحتفال بعيد الفطر تحولات كبيرة، لا سيما مع التقدم التكنولوجي والاقتصادي.
اليوم، بدأت التحضيرات تصبح أكثر عملية وتجارية، بدلاً من تحضير الحلويات والأطعمة في المنزل، أصبح من الشائع شراء هذه المنتجات من المحلات التجارية والمخابز الكبيرة، هذه التغييرات تتماشى مع تسارع الحياة اليومية، حيث أصبحت الأسرة في كثير من الأحيان لا تملك الوقت الكافي لإعداد الأطعمة كما في السابق.
فيما يتعلق بالملابس، فقد أصبحت أزياء العيد أكثر تنوعًا وباهظة الثمن، الآن، يمكن للناس شراء ملابس جديدة من ماركات عالمية في المولات والمتاجر الكبرى، وتتميز هذه الملابس بألوان وتصاميم عصريّة لا تجدها في الأسواق المحلية التقليدية، تمثل الملابس اليوم وسيلة للتفاخر، حيث يحرص الكثيرون على اقتناء أزياء تتبع أحدث صيحات الموضة، في حين كانت الملابس في الماضي أكثر تواضعًا.
أما في ما يخص وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح من الشائع إرسال التهاني عبر تطبيقات مثل "واتساب" و"فيسبوك" و"إنستغرام"، حيث يمكن للجميع تبادل التهاني بسرعة عبر هذه التطبيقات، وهو ما يُعد بديلاً عن الزيارات الشخصية التي كانت سمة أساسية في الاحتفالات التقليدية، هذه التكنولوجيا أضافت عنصرًا من السرعة والتسهيل، لكن يمكن القول إنها أضعفت بعض الجوانب الإنسانية التقليدية للاحتفال، مثل اللقاءات المباشرة التي كانت تحدث بين الأفراد.
ومع تأثير العولمة، أصبحت الاحتفالات بالعيد أكثر تنوعًا، فاليوم نجد في الكثير من الدول الغربية، حيث توجد جاليات مسلمة كبيرة، يتم تنظيم فعاليات عامة كالمهرجانات والعروض الثقافية التي تجمع الناس من مختلف الأديان والثقافات.
أصبح العيد مناسبة عامة في العديد من الأماكن الكبرى في العالم، وهو ما لم يكن يحدث في الماضي، حيث كانت الاحتفالات تقتصر على المجتمع المسلم المحلي فقط.
تأثير التكنولوجيا والعولمة على العيدأثرت التكنولوجيا بشكل كبير على طريقة الاحتفال بعيد الفطر. فقد سهلت الأجهزة الإلكترونية الحديثة مثل الهواتف الذكية عملية التواصل بين الأفراد، حيث يمكنهم إرسال التهاني والتبريكات بسرعة وسهولة، مما جعل التواصل أسرع وأكثر انتشارًا على مستوى العالم.
ومع ذلك، يمكن القول إن هذا التطور التكنولوجي قد أثر على التفاعل الشخصي، حيث أصبح من السهل إرسال رسالة نصية عبر الهاتف بدلاً من الذهاب شخصيًا إلى منزل أحد الأقارب أو الأصدقاء.
أما العولمة، فقد ساهمت في نشر احتفالات عيد الفطر على نطاق أوسع، أصبح العيد ليس فقط مناسبة دينية بل أيضًا مناسبة ثقافية، حيث يشارك العديد من الأشخاص من جنسيات وأديان مختلفة في فعاليات العيد في الأماكن العامة.
هذا التوسع في احتفالات العيد جعلها جزءًا من الثقافة العالمية، ولكن في الوقت ذاته جعلها أقل خصوصية في بعض الأحيان.
الخاتمةفي النهاية، يبقى عيد الفطر مناسبة دينية وروحية، رغم التغيرات التي طرأت على طرق الاحتفال به بين الماضي والحاضر.
فقد تحولت الاحتفالات من طقوس بسيطة وعائلية إلى مناسبات تجارية واجتماعية أكبر، مدفوعة بالتكنولوجيا والعولمة.
ورغم هذه التحولات، فإن جوهر العيد لا يزال قائمًا في تعزيز الروابط الاجتماعية، وتبادل التهاني، والاحتفال بنهاية شهر رمضان، وفي التمسك بالقيم الدينية والإنسانية.