سودانايل:
2025-04-06@00:45:53 GMT

نحن و هُم : أزمة الضمير في السودان (2)

تاريخ النشر: 6th, August 2024 GMT

• جبير بولاد

( ما دام ثمة أغنياء و فقراء بالولادة، فأنه لا يمكن أن يوجد عقد عادل، و لا توزيع عادل للشروط الإجتماعية )
إميل دوركايم

.. نستمر في هذه السلسلة في حلقتها رقم (2) الي السير في تتبع البنيات الأولية لأزمة الضمير في السودان، و بدأنا ببنيات الوعي الأولي للنشأة داخل حواف الأسرة ثم المحيط المسؤولان عن تشكلات تصوراتنا عن الآخر ، و كانت بأستمرار تُغذي هذه التصورات عن الآخر في المخيال حول الاختلافات و التمايزات، بالرغم من أن الناظر الي مجتمعات السودانيين من الخارج فأنه لا يري فروقات كبيرة في طبائع حياتهم و أمثالهم و نشاطاتهم و قوانينهم الإجتماعية و في مواسم الزراعة و ما يتبعها من علاقات الأرض او سير الرعي في احزمته الممتدة او طرائق الزي شمالا أو وسطا او شرقا او غربا مع اختلافات طفيفة هنا و هناك اقتضتها اختلافات المناخ و تواريخ تطور الأزياء نفسها .


.. ايضا قلنا ان المجاورة في السكن التي فرضتها المدن حظيت بمزاحمة و شيئا فشيئا نبتت فكرة المعايشة من غير ان يتبعها مشروع ثقافي/ اجتماعي ترعاه الدولة و لكن في نهاية المطاف، قانون الصدفة و الذي يلعب دورا كبيرا في الحياة السودانية، لعب دوره و نبتت الوشائج في المدن و الاحياء الشعبية و أقصد بقانون الصدفة هو الأمر الذي يقود الي أشكال جديدة في الحياة دون التخطيط لها، و كان يلزمنا هذا التخطيط في مجتمعات حديثة التكوين تتخلق لتكون فكرة و صُرة لُحمة الشعب فيما بعد ، و كما هو معلوم أن المجتمعات قديمة و لكن فكرة الشعب نفسها حديثة نوعا ما في تاريخ العالم (مقارنة مع تاريخ الدولة الحديثة) ناهيك عن تاريخنا كسودانيين ، إذ أن فكرة الشعب و العمل علي خلق مركزية لها هي عمل منظم و مخطط يقوم به آباء التأسيس (السياسي و الثقافي و الاجتماعي ) من مكونات المجتمعات ككل و بالذات في المجتمعات ذات التعدد اللغوي و الثقافي و الآثني كمثل ما عندنا في السودان .
.. أول نخبة حاولت صياغة مضمون فكرة الشعب كانت في النصف الثاني من حكم المستعمر الإنجليزي ( جمعية اللواء الابيض ) لذلك طبيعيا ان يحدث هذا التساؤل و الذي ما زال مُشتعل حتي الآن حول الهوية، و عدد من المثقفين السودانيين يرونه سؤالا جدليا انصرافيا، أخذ من وقت السودانيين الكثير دون طائل و لكنهم لم يستصحبوا معهم ضرورات نشأته المنطقية، و لا العقبات السياسية و السلطوية التي حالت دون حسمه من وقت مبكر، و لذلك تفجّر فيما بعد السؤال بقوة لتقوم عليه ايدولوجيات سياسية (قومية) و كيانات مقاتلة ( حركات التمرد) .
.. عندما نتحدث عن الوطن، فلكل ذات تولد ( الفرد أو المجموعة) تصورها عن الوطن بطبيعة الحال، هذا التصور يتمرحل مع سنوات العمر و تفتحات الوعي المستمرة، و لكنه يأخذ معناه الاسمي في الوطن الكبير ، الذي يمثل الشراكة في الأرض التي تجمع بين مجتمعاتها فكرة المواطنة و حقوقها و شعور الذات بتمثل كل ذلك عن رضا و قناعة و وشيجة محبة و هذه التوليفة لا تأتي مجانا، بل يلزمها عمل دؤوب من قادة الدولة و مثقفيها و سياسيها و رموز مجتمعاتها و ينطوي كل ذلك تحت مشروع ثقافي/ اجتماعي يعلي بأستمرار من الشعور تجاه الوطن و ينمي روح الإنتماء إليه بدءا من الاسرة كأول نواة للذات ، حينها يكون الشعب له دلالته الحية في رحم دالة الوطن و هذا بطبيعة الحال لم يحدث عندنا بهذا النسق الذي أشرنا إليه، فقد كان دوما الوطن مفصّل علي شاكلة و عقلية من قادوا الدولة السودانية في حقبها المتلاحقة و صغروا و قزموا صورة الوطن منذ تقسيمة ال(نحن) و ال(هُم) والتي ظلت توسع الفجوة بأستمرار في مخيال الذات في أولي تشكلاتها و هذا الأمر تمظهر لاحقا في خلق تراتبية اولاد البلد و الآخرون التُبّع مما أسفر عن ظاهرة حركات التمرد كحركات حركتها مخاوف المستقبل من المستعمر المحلي الجديد ، لذلك كانت أولي دفوعات تمردها هي تحرير السودان! و هنا يأتي السؤال الذي يازور عنه العقل السوداني الصفوي الذي تحّكم و تسّيد المشهد السياسي و الثقافي و الاجتماعي السوداني، ممن يكون التحرير الذي ينادي به شركاء الوطن ؟ و لماذا التمرد لم يكن شعاره التغيير فقط، أي تغيير السلطة و دلف مباشرة الي مفردة التحرير ؟!
.. للإجابة علي هذه الاسئلة تلزم شجاعة قوية لم تسعف توليفة السلطة(سياسية / ثقافية/ اجتماعية ) حيث جِبن الضمير لديهم عن الإجابة و اختاروا البقاء في حضن الامتيازات التي تمثلت في حق التمثيل الثقافي و الرأسمال الإجتماعي و ضمان الوظائف المتعلقة بأحتكار السلطة من خلال ضمير أضمر أبعاد الآخرين من شركاء الوطن و قليلي الحيلة في تلك الأوقات المبكرة من عمر الدولة السودانية و كان الذي يتمشق عناء الإجابة من هذه الصفوة، تأتي إجابته مثل افعي تتلوي في الاحراش لا تكاد تستبين رأسها من ذيلها .
نواصل

jebeerb@yahoo.com
//////////////////////  

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن

اليوم أعلن ترمب الحرب الأقتصادية علي جميع دول العالم وفرض جمارك باهظة علي صادراتها للولايات المتحدة، وهي أكبر سوق في العالم. هذه الجمارك تهز الأقتصاد العالمي، وتربك سلاسل الإمداد وتضرب أسواق أمال العالمية. واهم من ذلك إنها تهدد بتدمير معمار النظام الإقتصادي العالمي الذى ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا ستترتب عليه تحولات جيوسياسية جديدة وتسريع لديناميات أخري ولدت قبل إعلان ترمب الحرب الأقتصادية علي الجميع.

ولكن سياسات ترمب أيضا سيكون لها أثار سلبية باهظة علي الإقتصاد الأمريكي مثل إرتفاع معدلات التضخم، وازدياد العزلة الدولية لأمريكا وتراجع أهمية الدولار حول العالم.

فيما يختص بالسودان، قرارات ترمب لا تاثير لها لانه فرض جمارك علي صادرات السودان جمارك بنسبة ١٠% ولن تؤثر هذه النسبة لا في حجم الصادرات ولا علي أسعارها لان تلك الصادرات أصلا قليلة القيمة في حدود ١٣،٤ مليون دولار في العام السابق، أكثر من ٩٠% منها صمغ لا بديل له والباقي حرابيش حبوب زيتية . كما أن السلع المصدرة لا توجد بدائل لها بسعر أرخص إذ أنها أصلا رخيصة ولا تتمتع بمرونة في السعر ولا الطلب.

كما أن إهتزاز أسواق المال والبورصات وقنوات التمويل الدولي لا تاثير لهم علي السودان لانه أصلا خارج هذه الأسواق وخارج سوق المعونات.

ولكن هذه ليست نهاية القصة لان توجهات ترمب الأقتصادية والسياسية تدفن النظام العالمي القديم وتسرع من وتائر تحولات جديدة في غاية الأهمية. وبلا شك فان موت النظام القديم وميلاد نظام جديد وفوضى الإنتقال سيكون لها تاثير سياسي وإقتصادي علي السودان بسبب تبدل البيئة الدولية التي يعمل فيها السودان السياسي والاقتصادي. ولكن هذه التحولات المضرة لن يتأذى منها السودان مباشرة بل ربما يستفيد منها لو أحسن قادته.

علي سبيل المثال النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب وستنتهي فيه الهيمنة الغربية الأحادية وستزداد مجموعة البريكس أهمية وستزداد أهمية تكتلات أقتصادية أخري أخري في الجنوب العالمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي أمريكا اللاتينية السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، وفي المستقبل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية . وجود كل هذه البدائل كشركاء أقتصاديين/تجاريين/سياسيين محتملين يتيح للسودان هامش للمناورة وإمكانية الحصول علي شروط أفضل في تعاطيه الأقتصادي والسياسي مع العالم الخارجي.

ولكن الإستفادة من هذه التحولات يحتاج لرجال ونساء يجيدون صنعة الدولة ولا يقعون في فخاخ ألحس كوعك علي سنة البشير ولا الانبطاح غير المشروط كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير.

معتصم اقرع

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • الابتكار الثقافي.. تصميم المستقبل بمقاييس إماراتية
  • أبواق الفتنة تتصدع
  • السودان يغرق في الظلام.. هجوم جديد يفاقم أزمة الكهرباء
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • راتب خيالي.. تعرف على راتب ايبوكي بوسات الذي تم طردها من TRT بسببه بسبب دعمها للمقاطعة
  • 16 مليار دولار في السنة.. أستاذ أمراض باطنة يطرح فكرة لتنشيط الاقتصاد المصري
  • ما الذي يريده هؤلاء الناس؟
  • أمين ريادة الأعمال بـ مستقبل وطن: نرفض التهجير وندعم القضية الفلسطينية
  • "مستقبل وطن": نرفض التهجير وندعم القضية الفلسطينية وموقف مصر ثابت لا يتغير
  • إلى أين تتجه أزمة المعارضة والحكومة بعد توقيف إمام أوغلو؟