لجريدة عمان:
2025-04-06@19:21:24 GMT

مأساة الدماء ملهاة الأحزاب

تاريخ النشر: 5th, August 2024 GMT

يتساءل المرء عن محفزات العنف وحاضناته في العالم اليوم بعد أن فشلت كل الوسائل نفسيا واجتماعيا من تجفيف منابع العنف ومكامن الجريمة، حتى القانون لم ينجح في تقييد وتحجيم محفزات العنف مجتمعيا بعد قرون من وضعه وتغييره وتكييفه حرصا على سلامة أرواح الناس ومقدرات الدول (وإن استطاع في تقليل معدل الجريمة). مقالة اليوم لن تتقاطع مع الجرائم الكبرى كتصنيع الحروب وخطط التهجير والتصفية فهي أوضح من أن تخفى، وأصعب من أن تختصر في مقالة كهذه، لكن الحديث هنا عن جرائم السلاح اليومية المتداولة الصادمة، أتذكر على سبيل الاستئناس موقفا شخصيا صادفني أثناء إقامتي في إنجلترا ؛ ذلك أنني كنت أحاول شراء سكين صغيرة للمطبخ، وبعد جولات في كثير من المحال مع صعوبة وجودها وغرابة اختفائها من السوق صادف أن وجدتها أخيرا في أحد المحال موثقة بقيد ثقيل وكأنها قطعة ألماس نادرة، سألت البائعة عن تلك التحفة، وكانت معروضة بثمن بخس، لكن حفظها بتلك الطريقة ثم ندرتها جعلها عزيزة مطلوبة، طلبت البائعة مني تعبئة استمارة متضمنة عنواني وصفتي وبيانات كثيرة مرفقة بضرورة إبراز إثبات هويتي الشخصية، غادرت لأعود في يوم لاحق مع الوثائق المطلوبة لأفوز بسكين المطبخ! كان الأمر مستغربا حتى عرفت أنها احترازات أمنية جديدة تقنينا لامتلاك السلاح الأبيض بعد تفشي استخدامه في أعمال العنف والشغب، تفكرت في العنف ومصدره وأنا أتخيل أن يمكن للكرسي، والمطرقة وقنينة العطر وحتى اليد المجردة أن تشكل أدوات جريمة! كيف لا؟ ودفع إنسان من علٍ لهاوية يفقد بها روحه ما هي إلا جريمة.

استعدت شريط هذا الحدث متابعةً أحداث هذا الأسبوع في بريطانيا مع تجدد أعمال العنف في شوارع بريطانيا، مساء السبت، مما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الشرطة خلال محاولتهم التصدي للاضطرابات المستمرة في أعقاب مقتل 3 فتيات صغيرات بمدرسة في مدينة ساوثبورت البريطانية (شمال إنجلترا) الاثنين الماضي طعنا على يد مراهق يبلغ من العمر 17 عاما، من مواليد مدينة كارديف في ويلز.

الحدث صادم وحزين ليس فقط من حيث مسوغات العنف والسعي للقتل( التي لم تعرف أسبابها حتى الآن) ولا لألم فقدان حياة أطفال بهذا الشكل العشوائي بسكين حاول حاملها قتل ما يزيد على عشرة أشخاص بينهم بالغون أصابهم جميعا وقتل منهم ثلاثة، ولكن الصدمة الحقيقية هي في استغلال الحزب اليميني المتطرف هذه الحادثة للتحريض والشحن العاطفي المجتمعي ضد حزب العمال وسياسة الهجرة في بريطانيا، حيث التقط بعضهم خيط الحادثة ناشرا إشاعة مفادها أن القاتل المراهق مهاجر سوري مسلم، ثم تنتشر هذه الإشاعة لتجد أصداء لها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولك أن تتخيل نشرها من قبل الملاكم الأولمبي البريطاني السابق أنتوني فاولر ليحصل على 4 ملايين مشاهدة عندما اتهم «رجلا سوريا» بارتكابه حادثة الطعن الجماعي! ثم يستغل زعيم اليمين المتطرف تومي روبنسون الحادثة للتأجيج ضد سياسات حزب العمال والتعاطف مع موضوع الهجرة في بيان نشره على منصة «إكس»، إن الحشد العنيف كان «مبررا» مدّعيا أن الدافع هو مخاوف تتعلق بالهجرة، رغم فرار روبنسون من المملكة المتحدة يوم الأحد ليضع نفسه بعيدا عن متناول السلطات البريطانية؛ حيث كان من المقرر أن يمثل أمام المحكمة في إجراءات ازدراء مزعومة سابقة كذلك ضد المهاجرين.

بيان الشرطة البريطانية حدد أن المراهق المشتبه به من مدينة كارديف، وقد قدم إلى ساوثبورت قبل عدة سنوات مع عائلته دون ذكر اسمه وبياناته بداية الأمر تمسكا بقانون حماية الأطفال، لكن تم الإعلان لاحقا نقضا للإشاعة السابقة التي تسببت بالكثير من أعمال العنف ضد المهاجرين عموما والمسلمين على وجه الخصوص، وتأكيدا أنه سيبلغ الثامنة عشر خلال أسبوع واحد ليتبين أن أكسل روداكوبانا ولد في كارديف عام 2006م بعد أن انتقل والداه المسيحيان من رواندا.

مجموعة أفراد على أرض الواقع تحرض ضد المهاجرين، ومجموعات موجهة على وسائل التواصل الاجتماعي، تحذيرات من الشرطة لتجنب التصادم مع المظاهرات المقررة في مجموعة من المدن البريطانية هذه الأيام وأعمال شغب وعنف موجهة من قبل اليمين المتطرف لإشعال فتيل التمرد على سياسات الهجرة وحزب العمال على وجه الخصوص، مظاهرات أخرى انقسمت عن الأولى بين الإنجليز والإيرلنديين (بعد إعلان أن المشتبه به أصلا من كارديف) من جهة، وبين المسلمين والمهاجرين من جهة أخرى (بعد التحقق أن المشتبه به من أصول راوندية وديانة مسيحية).

المؤسف هنا ومع كل هذه التشعبات أن حادثة قتل ثلاث فتيات صغيرات وإصابة غيرهم لم تعد هي الأهم، بل إنها صارت هامشية مع تنافس الأحزاب وصراع العرقيات، مؤسف ومأساوي كيف يمكن إشعال نار شعبية لا تهدأ من شرارة كهذه، أما رمي المسلمين بكل جريرة في الغرب ليس أمرا مستغربا، وسيبدو مألوفا مع الصراع الدولي والشأن الفلسطيني الذي فكك الكثير من أوهام إسرائيل والغرب، لكن الغريب استساغة أي حزب من الأحزاب السياسية إشعال كل هذه النار انتصارا لفكرته وحزبه ومجموعته حتى وإن كان على خطأ، بل حتى وإن كانت على جسر من الدماء والفرقة والتفكك المجتمعي.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الاف العراقيين يتفاعلون بسخرية مع بيان الداخلية حول “تعذيب مهندس حتى الموت”

شبكة انباء العراق ..

تفاعل الاف العراقيين، بسخرية وغضب وتكذيب واسع مع بيان وزارة الداخلية المتعلق بحادثة تعذيب المهندس بشير خالد “حتى الموت”، بعد دخوله بمشاجرة مع ضابط في الشرطة الاتحادية.

ومنذ يومين، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بقضية وفاة شاب مهندس “سريريًا” ورقوده في المستشفى، حيث يصطلح “الموت السريري” على وفاة الدماغ وبقاء القلب يعمل نتيجة ربط الشخص الميت سريريًا على أجهزة التنفس الاصطناعي، مع فقدان الوعي والشعور بكل شيء تمامًا، وهي حالة غالبًا ما تنتهي بتوقف القلب والوفاة الكاملة بعد أيام او أسابيع.

ومع بدء تداول المعلومات، حاولت المصادر الأمنية ودوائر الاعلام الأمنية “إخفاء والتستر على الحادثة” ومنع الحديث بها، قبل ان تعمل وسائل الاعلام المهنية ومن بينها السومرية، على تسليط الضوء على الحادثة وملاحقتها للتوصل الى الحقيقة، ليتبين ان الشخص المهندس دخل بمشاجرة مع ضابط برتبة لواء في الشرطة الاتحادية ونجله، قبل ان تعتقله دوريات النجدة.

توصلت شبكتنا أيضا الى مقطع فيديو يثبت ان الضحية كان سليما بالكامل وهو داخل مركز الشرطة ويطالب بالاتصال باهله، وبعد ذلك انتشرت صور للشخص وهو ميت سريريا في احدى مستشفيات بغداد وتجرى له عملية التنفس الاصطناعي بالاجهزة، ما يثبت ان ما تعرض له الشخص من تعذيب وضربة قوية على الرأس حصلت في داخل مركز الشرطة.

user

مقالات مشابهة

  • إقتراحات بناءة لجماعة صمود
  • "فيديو المسعفين" يجبر إسرائيل على إجراء تحقيق جديد
  • مأساة غزة.. امتحان أسقط عناوين الزيف والخداع
  • الاف العراقيين يتفاعلون بسخرية مع بيان الداخلية حول “تعذيب مهندس حتى الموت”
  • عودة من العيد تتحوّل إلى مأساة: حادث مروّع في إسطنبول
  • عقدة الدونية لدى الجنجويد
  • تبت يد الجنجويد وكل من ساندهم ولو بكلمة واحدة
  • الأمن يلاحق متورطين في تبادل العنف بالسلاح الأبيض في الجديدة
  • مقبرة جماعية شاهدة على مأساة قرية ود النورة بالسودان
  • العثور على جثة طيار عسكري قرب مسجد العيدروس