لماذا يصعب علينا قراءة النصوص الطويلة؟ هل دمر الإنترنت عقولنا؟
تاريخ النشر: 4th, August 2024 GMT
في العام 2010، قال الكاتب الأميركي نيكولاس كار المتخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إنه لاحظ تراجع قدرته على التركيز وقراءة كتب طويلة بعمق. فبعد أن كان يستغرق في القراءة المتعمقة بشكل طبيعي، صارت قراءة بضع صفحات مهمة شاقة.
ويبدو أن هذا الشعور بدأ يغلب علينا جميعا، أكثر من أي وقت مضى، فلماذا تبدو قدراتنا على قراءة النصوص الطويلة في تراجع؟
هكذا غير الإنترنت كل شيءفي كتابه "السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا" (The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains)، راح كار يبحث عن أسباب ما حدث له، ليكشف أن الإنترنت بعد أن أصبح يوفر كل شيء: من قراءة البريد، والبحث عن المعلومات، والتسوق، والبحث بين رفوف المكتبات، وإجراء العمليات المصرفية، صار القناة التي تمر منها معظم المعلومات التي تصل إلينا، استنتج الكاتب سريعا أن ما تغير هو طريقة التفكير ذاتها، فعقولنا -حتى عندما لا نكون على اتصال بالشبكة- تتوقع الحصول على المعلومات بالطريقة نفسها، "سيل حثيث من الجزيئات" كما يطلق عليه كار.
يتعلق الأمر أيضا بطبيعة القراءة عبر الشاشات، فمنذ ظهورها أتاحت القراءة عبر الإنترنت خيارات مثل النصوص الفائقة (ارتباط النص برابط إلكتروني آخر)، فارتبطت المعلومات في شكل شجرة، وغيّر ذلك في عادات القراءة وحمل ضمنا أسباب التشتت.
وأجرى باحثون بجامعة كارلتون في كندا عام 2005 دراسة عن أثر وجود النصوص الفائقة في النص على العملية المعرفية لدى القارئ، وكيف أن هذا التغير الجديد يشتت انتباهه بسبب تفكيره أثناء القراءة في الرابط الذي سيقوم بالضغط عليه، كما أن المقاطعة المستمرة تمنع القارئ من استيعاب النص بشكل متكامل.
على بساطة ما تبدو عليه، فإن مجرد مرورنا على رابط ما أثناء القراءة، وتوقفنا لبرهة لنسمح لقشرة الفص الجبهي في أدمغتنا أن تقرر ما إذا كان علينا النقر عليه أم لا، فإن تلك العملية السريعة جدا التي قد لا ندرك حدوثها تعيق الفهم والتذكر، خاصة مع تكرارها مرات متعددة، إذ يصبح دماغنا مجهدا.
ووفق ما يؤكده كار، فإن ما تغير ليس فقط أننا أصبحنا نقرأ من خلال الشاشات، بل تغيرت أيضا طريقة تفكيرنا مع تعدد الخيارات وتنوع المصادر التي تختلط بالنص المكتوب من صور وفيديوهات فتسببت في تشتتنا، وأفقدتنا القدرة على القراءة بعمق.
كما يؤكد المؤلف الأميركي أن الأمر يطالنا جميعا، "إذ نفقد قدرتنا على قراءة الكتب ونفقد معها إنسانيتنا".
من جانبه، يشير موقع "ساينس نورواي" إلى نتائج دراسة أجراها باحثون بجامعة أوسلو عام 2018 تؤكد أننا نشهد بداية نهاية القراءة الطويلة كما نعرفها، من خلال قياس مهارات القراءة لدى طلاب الجامعة منذ عام 200 وحتى عام 2018 تبين أن الطلاب يفقدون القدرة على قراءة نصوص طويلة ومعقدة، وأن عادات القراءة لديهم تغيرت بشكل ملحوظ بحيث يقرؤون مقتطفات قصيرة ويقرؤون عددا أقل من الكتب والنصوص الطويلة، ما يؤكده هذا الاستطلاع هو أن مهارات القراءة ظلت عند مستوى ثابت، وأن ما تغير أننا نقرأ اليوم بشكل مختلف عما مضى.
مع الاتصال الدائم بالإنترنت وتصفح الأجهزة، تزداد صعوبة تركيز الانتباه على معلومات أقل جاذبية أو تتطلب معالجة أبطأ مثل القراءة أو تحليل المعلومات أو الدراسة، يمكننا تخيل كيف تؤثر قراءة التغريدات وبوستات فيسبوك في قدرتنا على قراءة النصوص الأطول، فالمقاطعات المتكررة -من إشعارات وروابط وغيرها- تجعل من الأسهل قراءة قطع صغيرة من المعلومات بأعداد كبيرة بدلا من قراءة نص طويل واحد.
كما تتأثر قدرتنا على الانتباه بشكل عام لأسباب متعددة، منها النوم مثلا، وفق موقع "ذا كونفرزيشن". إذ تقل جودة النوم لدى كثيرين بسبب تلك العادة المتمثلة في تصفح مواقع التواصل في الدقائق السابقة للنوم، فيتعرض دماغنا حينها للضوء الأزرق، الذي يمنع إنتاج هرمون الميلاتونين الذي يساعدنا في النوم، وهكذا نكون في الصباح التالي أقل قدرة على الانتباه.
الوصول إلى "الدماغ الهادئ"ما نتعرض له عند التعامل مع الشاشات هو نشاط مكثف في أدمغتنا، وهو لا يقارن في الحقيقة بالنشاط الأقل عند قراءة الكتب مثلا. وكما يؤكد كار في كتابه، يمكن بالفعل أن تكون الكتب "مثبطة للحواس" كما يعتقد البعض، لكن هذا عينه هو ما يجعلها ممارسة مثمرة فكريا، إذ تسمح لنا بعزل أنفسنا عن مصادر الإلهاء وتهدئة وظائف حل المشكلات في الفص الأمامي من الدماغ، فتصبح تجربة القراءة شكلا من أشكال التفكير المتعمق، يؤكد كار هنا أنه عندما يتعلق الأمر باستثارة الخلايا العصبية فمن الخطأ أن نعتقد أن المزيد أفضل.
ترتبط نصائح الخبراء لزيادة قدراتنا على الانتباه وقراءة النصوص الطويلة بعمق، بزيادة القدرة على الانتباه في الأساس، والقدرة على مواجهة التشتت. ويلخص موقع "ذا كونفرزيشن" عددا من النصائح بينها:
تقليل وقت التعرض للشاشة والابتعاد عن الأجهزة في أوقات العمل أو الحاجة إلى التركيز. ممارسة الرياضة لما لها من تأثير كبير في الصحة العقلية فضلا عن الصحة البدنية، فهي تدعم القدرة على الانتباه والتركيز وتجعلنا في مزاج أفضل بشكل عام. تهيئة الأجواء المحيطة، واستخدم المنبه للالتزام بفترات التركيز، والفصل بينها بفترات راحة قصيرة، مع محاولة زيادة فترات التركيز تدريجيا. تدوين الأفكار المشتتة قبل البدء في القراءة، ليمكن التركيز والانتباه. التأكد من القراءة في جو مريح لتقليل إجهاد العين. تحقيق التوازن بين القراءة عبر الشاشات (وخاصة الهاتف) وقراءة الكتب الورقية، وفق الغرض من القراءة، فالهاتف الذكي ليس وسيلة مناسبة لقراءة النصوص الطويلة.أخيرا فإن الاستعراض السريع للنص، والبحث الحثيث عن المعلومة من خلال الكلمات المفتاحية لالتقاطها وحدها يحرمنا في الحقيقة من التأمل والفهم العميق، الذي يحدث عندما يعمل دماغنا بشكل طبيعي، لا نجد في القراءة السريعة والمتقطعة وقتا لإدراك الجمال وإطلاق الأفكار النقدية، والتعاطف مع الآخرين، أو إجمالا ما وصفه الكاتب الفرنسي مارسيل بروست بـ"جوهر القراءة"، وهو تجاوز حكمة المؤلف ليكتشف القارئ حكمته الخاصة.
يشير الكاتب الأميركي نيكولاس كار إلى أننا نفقد إنسانيتنا، بفقداننا القدرة على القراءة المتعمقة، وهو ما تؤكده أيضا ماريان وولف في كتابها "أيها القارئ عد إلى وطنك" (Reader Come Home)، إذ تشير إلى الخطر المتمثل في تلك اللامبالاة تجاه التفكير التأملي، وكيف أن الإنسان ينكر طبيعته الاستثنائية، إذ إننا في الحقيقة كائنات تأملية وتتمثل مهمتنا في إنقاذ الطبيعة الجوهرية للإنسان في الإبقاء على التفكير التأملي على قيد الحياة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات على الانتباه القدرة على على قراءة
إقرأ أيضاً:
خبيران في "أدب الطفل": الكتابة للأطفال تستلزم جذب الانتباه بالصور والحبكة والأسلوب
الشارقة - الوكالات
أكد متخصصان في مجال أدب الطفل أن هناك معايير أساسية يجب الالتزام بها في الكتابة للأطفال لضمان جذب انتباههم وربطهم بالقراءة منذ الصغر، ومن تلك المعايير الاعتماد على الصورة قبل النص المكتوب، واختيار قصة لها حبكة ومضمون وغاية، فضلاً عن الاعتماد على أسلوب الحوار الجاذب وملاحظة انطباعاتهم عنه.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "الكتابة كوسيلة للعناية بالصحة الذهنية"، ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان الشارقة القرائي للطفل، بمشاركة الكاتب البحريني في مجال أدب الطفل خلف أحمد خلف، والكاتبة كرينا باتل من المملكة المتحدة، وأدارتها شرارة العلي.
دور الألوان في الصحة الذهنية
وقالت كرينا باتل: "بدأت الكتابة منذ أن صرت أماً لأطفال، وركّزت كتابة قصصي وكتبي عن الرعاية الصحية والذهنية والعاطفية للأطفال، وخاصةً من يعانون من التوحد، حيث سعيت إلى تقديم الرسوم الملونة والكتب الشاملة التي تُدمج الآخرين في هذه القضية".
وأضافت: "بدأت عملي كمصممة في دار نشر، ثم كانت الصور هي الأساس بالنسبة لي؛ لأن الصور تأتي قبل الكلمات للأطفال. ومن هنا عملت على أن أقدّم كتاباً حافلاً بالألوان، لاسيما وأن للون تأثيراً هائلاً على العواطف، مما يعكس أمراً مهماً لهم ويُشعرهم بالحالة الإيجابية والاهتمام".
وتابعت باتل: "إذا اندمج الأطفال مع الكتب منذ الصغر فستحصل على كتّاب مدى الحياة"، موضحة أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الأطفال لديهم تركيز أقل خاصة في ظل اعتمادهم على أجهزة الآيباد وغيرها. ولذلك أكدت أنها لا تستخدم حتى التلفاز في منزلها حتى تربط أطفالها بالقراءة كسبيل أساسي لهم للتعلُّم. كما أكدت أن تجارب الأطفال الذين يعانون ظروفاً صعبة تمثل مصادر إلهام وتوعية للأطفال الآخرين.
الكتابة للطفل مثل نظيرتها للكبار
من جانبه، أكد الكاتب البحريني خلف أحمد خلف أنه بدأ الكتابة للأطفال بعدما وُلد له الطفل الأول، حيث كان يقرأ له عن قصص أطفال منشورة، إلا أنه وجد أن بعضها غير مناسب لبيئته واحتياجات أطفاله، فبدأ يتلمّس طريقه نحو الكتابة للطفل، مضيفاً: "ما ساعدني على ذلك هو أنني في وظيفتي الأولى عملت على تحويل المنهاج إلى مجموعة من القصص، فخلقت من الحروف التي أعلّمها للأطفال شخصيات مبهجة ومضحكة، فبدأ الأطفال يتفاعلون معي".
وقال: "أعتقد أن الكتابة للطفل يجب أن تكون كالكتابة للكبار، بمعنى أن تحدد قصة لها حبكة ومضمون وغاية، ثم تبدأ كتابتها ومراجعتها بما يتناسب مع مفردات وعقلية الطفل، لكن في الأساس لا بد أن يكون هناك حبكة ونوع من عملية الإقناع لدى الطفل حتى يتعايش مع أجواء القصة وبالتالي تؤثر فيه".
وتابع خلف: "شدني أكثر المسرح لأنني اعتقدت أنه عملية مركّبة فيها شراكة مع فئات أخرى بحيث نقدم متعة متكاملة لكل الأطفال؛ ليس هذا فحسب بل سعينا لإشراك أطفال الروضة معنا في بعض الأعمال المسرحية لتقديم رسائل إيجابية لهم تمكّنهم من التعلُّم".