دار الإفتاء توضح مظاهر تكريم الشريعة للإنسان في ضبط سلوكه وأخلاقه
تاريخ النشر: 3rd, August 2024 GMT
في عصر زادت فيه الانحرافات، والخروج عن الفطرة، نجد الشريعة الإسلامية تضبط سلوك الإنسان وأخلاقه فترتقي به وتكرمه، وفي هذا السياق ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية يقول: ما مظاهر تكريم الشريعة الإسلامية للإنسان في ضبط سلوكه وأخلاقه؟.
وأجابت دار الإفتاء المصرية عبر موقعها الرسمي في فتواها رقم 6024 لفضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي إبراهيم علام، أن أخلاق الإنسان من أهم الأشياء التي اهتمت بها الشريعة الإسلامية، وهذا وجه من أوجه تكريم الشريعة بني آدم على غيرهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
وتابعت دار الإفتاء المصرية أن هذا التكريم جاء بما أعطى الله الإنسان من عقل يدعوه إلى اكتساب المحاسن والفضائل، واجتناب القبائح والرذائل؛ فإذا استرسل خلف شهواته وملذاته ونَهَمِهِ وجشعه دون رادع من عقل أو دين أو خلق كان متشبهًا بالحيوان، قال حجة الإسلام الغزالي في "إحياء علوم الدين": [اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف؛ وهي: الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية. فهو من حيث سُلِّط عليه الغضبُ: يتعاطى أفعال السباع؛ من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم. ومن حيث سُلِّطَتْ عليه الشهوةُ: يتعاطى أفعال البهائم؛ من الشره والحرص والشبَق وغيره] .
نهى التشبيه بالحيوانات
وأضافت دار الإفتاء المصرية أن قد وردت النصوص المتكاثرة من الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة بالنهي عن التشبه بالحيوانات في طبائعها المذمومة؛ كالشرَه والجشع والتكبر والبطش والظلم والجهل واللؤم والطمع، وغيرها من قبائح الأخلاق؛ حتى عقد الإمام نجم الدين الغَزِّيُّ الشافعي، في كتابه "حسن التنبه لِمَا ورد في التشبُّه" بابًا في النهي عن التشبه بالبهائم والسِّباع والطير والهوام، ساق فيه ما ورد في نصوص الشريعة من ذم التشبه بالحيوانات في طبائعها المذمومة وأفعالها المكروهة.
وانتهت دار الإفتاء المصرية موضحة شكل من أشكال هذا التكريم أن الشريعة أمرت الإنسان بالتخلّي عن الصفات السيئة المذمومة، والتحلي بالصفات الحسنة الممدوحة قولًا وفعلًا؛ قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى": ["التشبه بالبهائم" في الأمور المذمومة في الشرع مذمومٌ منهي عنه؛ في أصواتها وأفعالها.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: دار الإفتاء الشريعة الإسلامية دار الافتاء المصرية سلوك الإنسان الكريم والسنة النبوية فضيلة مفتي الديار المصرية دار الإفتاء المصریة
إقرأ أيضاً:
حكم القصاص في الإسلام وجزاء العفو.. دار الإفتاء توضح
حكم القصاص في الإسلام وجزاء العفو، قال الدكتور محمد عبد السميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إنه مقولة: " القتل أنفى للقتل"انتشرت بين العرب قديمًا.
وأضاف " عبد السميع" في إجابته عن سؤال: " لماذا شرع القصاص في الدنيا قبل الآخرة؟"، إن القرآن الكريم عبر عن ذلك بأبلغ القول، حيث قال المولى - عز وجل-: " ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون".
حكم القصاص في الاسلام وجزاء العفو
وأوضح أمين الفتوى، عبر فيديو البث المباشر لدار الإفتاء على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك " أن الآية الكريمة تدل على أن القصاص تحصل به الحياة بالجزاء الرادع في الدنيا وأخذ الحق للمقتول ومنع تهادر الدم وبالتالى عدم وقوع تقاتل أو فتنة بين الناس.
وأضاف : " فلا تستقر الحياة دون أن يعرف المقتول أنه سيقتل بمن قتل، مبينًا أن القتل العمد هو الذي يوجب القصاص فقط، أما القتل الخطأ تكون فيه دية؛ فلا يمر الأمر دون أي عقاب، ومن هنا شرع القصاص.
ونبه أمين الفتوى إلى أن من قتل في الدنيا يكون ذلك كفارة له عن ذنوبه يوم القيامة فلا يحاسب عليها وينجو يوم القيامة عند الله.
وأشار إلى أنه ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما ينص على أن من فعل ذنب في الدنيا وعوقب عليه فعقوبته كفارة له وليس له عقاب أخروى عند الله؛ فيوجد زواجر من الوقوع في المحرماتوجوابر لفاعليها من المحاسبة عليها يوم القيامة بشرط وجود التوبة.
حكم القصاص في الاسلام
وقال الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إن القصاص في آية " كتب عليكم القصاص في القتلى" نص شرعي لكن لا يمكن تطبيقه، بمفرده بمعزل عن السنة واجتهادات العلماء.
وأضاف الجندى، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع على فضائية "dmc"، اليوم الخميس: "الفقهاء إذا تركوا السنة ولم يأخذوا بها لتفسير وتبيين الآيات، وجينا نطبق الآية دي، هل القتل كله واحد، بالطبع لا، لأن هناك ثلاثة أنواع للقتل، قتل عمد وقتل شبه عمد وقتل خطأ".
وتابع: "الآية لم تذكر حالات القتل، وإذا قتل شخص بآلة معينة، أو وضع دواء مضاد لمرض معين، فإذا قتل شخص آخر بالحرق، فهل نطبق العقوبة ذاتها، بالطبع لا لأن لا يحرق بالنار إلا رب النار".
جزاء العفورغَّب الشرع الحنيف في العفو عن المسيء ومسامحته عند القدرة؛ فإن كانت المعاقبة هي جوهر العدل والإنصاف، فإن العفو هو قمة الفضل والإحسان، وهذا الخلق الكريم هو سمة من سمات وأخلاق الإسلام الذي دعا إليه ورغب فيه في مواضع متعددة؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ [الحجر: 85]، وقال سبحانه: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 89]، وقال سبحانه ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ [الشورى: 40].
قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (27/ 607، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ [فصلت: 34]، فأجره على الله، وهو وعد مبهمٌ لا يقاس أمره في التعظيم] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (16/ 40، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ قال ابن عباس: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو؛ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة] اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].
قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (6/ 57، ط. دار هجر): [قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم، وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم. وأما قوله ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السماوات والأرض، والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (4/ 207): [قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ العفو عن الناس أجلُّ ضُروبِ فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يَعفو وحيث يَتجِهُ حقُّهُ، وكل من استحق عقوبةً فتركتْ له فقد عُفِيَ عنهُ] اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم؛ قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/ 59، ط. دار الوفاء): [قوله: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": فيه وجهان: أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو، ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه. الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك] اهـ.
وقال العلامة ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 586، ط. دار الوطن): [وقوله: "وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": وذاك لأن العافي في مقام الواهب والمتصدق، فيعز بذلك] اهـ.
وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" (2/ 693، ط. دار الحديث): [وفي قوله: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": حث على العفو عن المسيء وعدم مجازاته على إساءته وإن كانت جائزة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، وفيه أن يجعل الله تعالى للعافي عزًّا وعظمة في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظم ويصان جانبه ويهاب، ويظن أن الإغضاء والعفو لا يحصل به ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يزداد بالعفو عزًّا] اهـ.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ» أخرجه البيهقي في "الشعب"، والطبراني في "مسند الشاميين" و"مكارم الأخلاق".
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 474، ط. المكتبة التجارية الكبرى): ["واغفروا يغفر لكم": لأنه سبحانه وتعالى يحب أسماءه وصفاته التي منها الرحمة والعفو، ويحب من خلقه من تخلق بها] اهـ.
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة يطول المقال بذكرها، وحسبنا ما ذكرناه عبر هذه اللمحات السابقة التي تبين منهج الشرع الحنيف ودعوته إلى العفو والتسامح والتحلي بهما، بما يعود بالنفع على الجميع أفرادًا ومجتمعات؛ إلا أن العفو المأمور به هنا شرعًا هو العفو الذي لا يترتب عليه أمر محرم شرعًا.