لجريدة عمان:
2025-04-05@08:07:29 GMT

نـقـد الـكـلـيّـات المغـلَـقـة

تاريخ النشر: 31st, July 2024 GMT

لا تـقـدم لـغـة المـطـلـقات والكـليـات المـغـلـقـة أدوات إجـرائـيـة مناسبـة للاسـتـخـدام العلـمي، وللـبحث في ظـواهـر الاجتـماع والتـاريخ والثـقافـة. من البـيـن أن التـعمـيم الغالب على مفاهيـمـها ليس ذا فائـدة لأنـه لا يـقـبـل الانـطـباق على الموضوع الذي يصـفه انـطـباقـا كـليـا إذا كان يمـكنه أن ينـطبـق على أبـعاض فـيه.

وهـو إلى ذلك تعيـيـن يـنـمـط الموضوع المتـنـاول تـنـميطـا يمـنع الفـكـر، تمـامـا، من الـدخـول إليه ورؤيـة عـالمـه الـداخـلي بكـل ما يحـفـل بـه من تـعـدد وتـناقـض واخـتـلاف. في الظـاهر، تبـدو لغـة الكـلـيـات المغـلـقـة وكـأنـها تحـوي مـفاهيـم مجـردة تَـدُلُـنا على مـوضوع مُـتَـصَـوَر، أي على ظاهـرة مـا تُـدرَك بأدوات التـميـيـز النـظـريـة. ولكـن سرعان ما نُـدرك، عنـد التـدقـيق، أنـها لغـة بـرانـيـة عـن كـل تجـريـد نظـري حقـيقي ونـزاعـة إلى الابـتـداه والتـنـميط! إن الفارق كبيـر بين المَـفـهَـمة والتـنـميـط؛ لا تُـلغـي عملـيـةُ المَـفـهمـة ما في المـوضوع - الذي تـتـناولـه - من تـناقـض داخـلي وهـي تبـني عنه مـفـهـوما/ تصـورا، بينما ينـتـهي فـعـل التـنـميط للموضوع المتـنـاول إلى تعلـيـبـه ومـركـزتـه على معـنـى واحـد يتـكـرر ويلـتـغي بـه ما في داخله من تبايـنات.

حـينـما يحـكـم أحـد مـنـا - عـربـيـا ومسلمـا كان أو غـربـيـا - على التـراث العربي الإسلامي، مثـلا، بأنـه متحجـر وجامـد، أو بأنه اجتـهادي وتـراكمي فهـو لا يفعـل، في حقـيقة الأمـر، أكـثـر من إصدار حكـم عـام قـد ينطبـق على جزئـيات في ذلك التـراث ولكنـه لا ينطبق على كـلـيـتـه بالضرورة. وهـو، بهـذا المعنى، تعيـيـن فاسـد حتى من وجهـة نـظر المنـطق الأرسطي ناهـيك بفساده لجهة مجافـاته لحقـيقة تـكوين ذلك التراث وتطـوُره وما يزدحمُ به داخلـه من نـزعات في الفـكـر والنـظر متبايـنة. لذلك، لا يقـدم مثـلُ هـذا التعـيـين للموضوع، المتوسـل للـغـة الكـلـيات، أيَ توصيـف دقـيق لـما ينطوي عليه الموضوع ذاك من وجوه لا يقـوم بينها تَماثُـل البَـتـة؛ وجوه هي، على الأغلب، صورة لاعـتـمال تـيارات متعارضة فـيه تأخذ منـتـوجَه في اتـجاهات متعـددة. إنـه (= التعـيـين) من نوع التـنمـيط الحاجب للإدراك: الذي يُـشعـرك، شكـلـيا، بحيازة تعـريـف عـن الموضوع فـيما هـو يسوق وعـيك نحو الوقـوع في الأغـاليط!

هـذا النـوع من الأحـكام العامـة ومـن حـمـل الكـلام على معاني الإطـلاق والكـليـات المغـلـقـة هـو، على الحقـيقـة، السـائـد في دوائـر الباحثـيـن في الـدراسات العربيـة الإسلاميـة: الكـلاسيكـيـة والحديثـة. وفي هذا يستوي الـدارسون العرب لـه والـدارسون الغربـيـون على غيـر ما يعـتـقـده الكـثيرون من الذين يضعون هـؤلاء في مقابل أولئـك، فـينسُبـون أحـكام القـدح في تراثـنا والحـط منـه إلى الغربـيـين، وأحكـامَ التـلمـيع له والتـبجيـل إلى العـرب والمسلـميـن. نحن لا نـنـفي، طبـعا، أن يكون هناك بعـضٌ من علامـات التـقابُـل والخلاف بين نظرة هـؤلاء ونظرة أولئـك إلى تراث العـروبة والإسلام؛ لأن الأمر يتعلـق، هنا، بفـئـتيـن من الـدارسين لا تـقوم بينهـما وهذا التـراث الذي تدرُسانـه العلاقـةُ عيـنُـها على المستـويـيـن المعـرفي والعاطفـي. لكن نظيـر هـذا التـقابـل نصادفـه حتـى داخل الفـريـق الواحـد منهـما، الأمـر الذي يـوزعُـه - هـو نفـسُـه - على اتـجاهيـن. وما أغـنانا عـن القـول إن المتـخـصصيـن في مجالات تاريخ الفـكـر، والإسلاميـات والـدراسات التـاريخيـة والتـراثـيـة يعـرفون خريطـة توزيـع الآراء من التـراث، داخل ميـدان الاستـشـراق وداخل ميـدان الـدراسات العربيـة للتـراث، وكيف أنـه وُجـد من بين المستـشرقيـن مَـن غَـريَ بتراث العـرب والمسلميـن حتى بات متـعصـبا له منـافـحا عنه أكـثر من أهـله، في الوقـت عيـنه الذي ظل آخَـرون منهم يبحثون في سيرة ذلك التـراث عما يقـيموا بـه الحـجـةَ على العرب والإسلام، فلم يتـوقـف عن كـيـل الشـتائم لنصوصه ومفـكـريـه. في المقابـل، يعـرفـون كيف انقـسم الوعـي العربي على تراثـه ودخل طرفـاه في نـزاع عليه هـادف إلى الاستيـلاء عليه وإنتاج الحُـكـم الفصل فيه؛ بين مَـن حَسـبـوهُ عبئـا على حاضـرنا ومستـقـبلـنا ينبغي التـحرُر منـه، من طريـق طـي صـفحـتـه، ومن نـظروا إليه بحسبـانـه مرجـعَ اليـقيـن عـنـدهم ومـوردَ المعرفـة الحـق والبُـوصلـةَ التي بها يـهتـدون في أدغـال حاضرهـم...

انـتـقـدنـا هـذا الجـدل في مناسبات عـدة، وخاصـة حينما كان يـركَـب صـهـوة السـجال والمهاتَـرَة اللـفـظيـة فيصبح أقـرب ما يكـون إلى المضاربات الإيـديولـوجيـة الرخيصـة. لا يعـنـينـا، هنا، أن نعـود إلى تجـديـد النـظـر في هـذا المضمـون السـجالي فيـه، وإنـما غرضُـنـا أن نقـول إن كـل واحـد من هـؤلاء المُـبـجـلة للتـراث والماضي ومـن أولئـك القادحـة فيه لا يُـنـتج مقالـة فـكريـة في الموضوع، بـل يـنـتصر لـهـدف مـا يـدور في رأسـه باحـثـا في ذلك التـراث عمـا يشـهـد له ويـدُل عليه. إن كـلًّا مـن الفريقـيـن يخـوض في أحـكام عامـة عـن التـراث والماضي مَـبـناها على كلـيـات مغـلـقـة لا وجـود لها في الواقع التاريـخـي، وإنـما منبعُـها ذهـنٌ مـغلَـقٌ وفـقيـرٌ إلى الجـدل وإلى الحس التاريخي. ليس الماضي ورديـا كـلـه ولا كالـحـا كـلـه؛ إن فيـه مـن هـذا ومن ذاك: الصـالح والطـالح، الاجتـهاد والجمـود، التـفكـيـر والتـكـفيـر، التسـامـح والإنكـار، الإبـداع والاتـباع...إلخ، فكيـف يجـوز تظهيـر وجـه واحـد منـه وطمـس الثـاني؟ بعبارة أدق: إنـه ليس كـليـة مغـلـقـة مطلـقـة، بـل هـو بنيـة تنـطوي على جـدليـات مـن التـناقـض والتـفاعـل بحـيـث لا سبيل إلى مـعرفـته من دون الاعـتراف بآثـارها فـيه.

عبدالإله بلقزيز أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وحاصل على جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

ما الذي يريده هؤلاء الناس؟

تتباين النظم الاقتصادية بين تحكم الدولة المركزي في الاقتصاد وترك السوق يعمل بحرية تامة، وهما نظامان متناقضان تمامًا. تتيح السوق الحرة للأقوياء أن يصبحوا أكثر قوة، ولهذا يدعو الاقتصاديون المؤيدون للتدخل الحكومي إلى دور للدولة يحد من هذا التفاوت لضبط النظام الاقتصادي. غير أن هذا الرأي يقوم على فرضية أن الدولة تبني هيكلًا اقتصاديًا عادلًا، ولا تعزز الظلم أو تمنح امتيازات لفئة معينة، وهي فرضية نادرًا ما تتحقق في الواقع.

في غياب آليات رقابية وتوازن فعالة، تميل السلطات العامة التي تمتلك القوة إلى تكييف القوانين لصالحها، مما يؤدي إلى تراجع الفائدة العامة بدلًا من تعزيزها. من هذا المنطلق، يرى الاقتصاديون المؤيدون لحرية السوق أن هذا النموذج ليس مثاليًا، لكنه يظل الخيار الأفضل مقارنة بالبدائل الأخرى.

ضبابية الفصل بين الدولة والحكومة

في الدول التي تتدخل فيها الدولة بقوة في الاقتصاد، من الضروري وجود آليات رقابة فعالة، وهو ما يمكن ملاحظته في دول شمال أوروبا، حيث يتمتع المواطنون بوعي مدني عالٍ، ويتابعون بدقة كيفية إنفاق الضرائب التي يدفعونها، كما يمتلكون آليات مساءلة للحكومات تمتد إلى ما بعد الانتخابات.

لكن في الدول النامية، مثل تركيا، سرعان ما يتلاشى هذا النظام، إذ يصبح الحد الفاصل بين الدولة والحكومة غير واضح. بمرور الوقت، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات تستخدمها الأحزاب الحاكمة لضمان بقائها في السلطة، مما يؤدي إلى تآكل تدريجي للبنية المؤسسية. ونتيجة لذلك، يزداد التفاوت الاقتصادي، حيث تصبح الانتخابات وسيلة للبقاء في الحكم بدلًا من أن تكون أداة للتنمية.

تُستخدم المساعدات الاجتماعية خلال الفترات الانتخابية لكسب تأييد الفئات الفقيرة، بينما تموَّل هذه السياسات عبر الضرائب المفروضة على الطبقة الوسطى المتعلمة. وفي ظل هذا الواقع، يلجأ العديد من الشباب المؤهلين أكاديميًا إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل، فيما يشهد من يبقى داخل البلاد كيف يتم تفكيك القوى التي يمكنها تحقيق التوازن في النظام.

تآكل الديمقراطية من الداخل

اقرأ أيضا

المقيمين والقادمين إلى تركيا.. تنبيهات هامة بشأن الطقس خلال…

الخميس 03 أبريل 2025

عندما تُختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع فقط، فإن ذلك يُسهّل على السلطة الحاكمة تقليل المحاسبة بين الفترات الانتخابية، ما يتيح إدارة أكثر استبدادية وغموضًا. ومع ذلك، فإن العناصر الأساسية لأي ديمقراطية سليمة—مثل الفصل بين السلطات، والإعلام المستقل، ومنظمات المجتمع المدني، والبيروقراطية النزيهة—يتم تهميشها تدريجيًا.

مقالات مشابهة

  • ( مجلس شيوخ الجنوب العربي)نقطة نظام..الموضوع قابل للنقاش
  • العراق يدين العدوان الذي شنّته اسرائيل على الأراضي الفلسطينية
  • قطارات عُمان .. الحلم الذي آن أوانه
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • ما الذي يريده هؤلاء الناس؟
  • ما تفاصيل مقترح الوسطاء الذي وافقت عليه حركة حماس؟
  • أسئلة في البرلمان حول تضارب أرقام مبالغ دعم استيراد الأغنام والأبقار
  • ما السيناريو الذي تخشاه روسيا بشأن أمريكا وايران 
  • الجندي السعودي الذي إتفق الجميع على حبه
  • استمرار عمليات البحث عن ناجين وسط الدمار الذي خلفه زلزال ميانمار