يمكن وصف كارثة الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم في النيجر بأربع طرق، فهو محرج، أو نذير شؤم، أو مدمّر، أو مروّع.

يشرح المحلل الألماني، أندرياس كلوث، هذه الفكرة، في تحليل نشرتْه وكالة بلومبرج للأنباء، فيقول إن الانقلاب الذي وقع في النيجر، يوم 26 تموز/يوليو الماضي، محرج لأنه يمثل ضربة مفاجئة للغرب الذي لا يدري بما يحدث.

فلا فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة البائسة، ولا الولايات المتحدة القوة العظمى المتراجعة، توقّعَتا هذه الخطوة.

وهو مشؤوم لأنه بمثابة كنز غير متوقع لروسيا والصين، اللتين تنافسان الغرب على النفوذ في أفريقيا والعالم. كما أن هذا الانقلاب كارثي لأنه يمثّل عقبةً في طريق الحرب ضد الجماعات الإسلامية الإرهابية، وعصابات الهجرة غير الشرعية في منطقة الساحل والصحراء بأفريقيا. وأخيراً؛ يمكن أن يكون الانقلاب مروّعاً، إذا تحوّلَ إلى حرب عالمية، نتيجة تدخل الغرب لدعم الرئيس المعزول، وتدخلت روسيا والصين لدعم الانقلابيين.

يقول كلوث إن انقلاب النيجر ليست له خلفية أيديولوجية، ولا جيوسياسية، ولا حتى بسبب أزمة الغذاء العالمية، وإنما لأن جنرالاً سمعَ أنه قد تتم إقالته، فقرر الإطاحة بالقائد الأعلى بدلاً من حمايته. فهذا هو السبب المباشر للانقلاب الخامس في النيجر منذ استقلالها عن فرنسا، في 1960.

ومنذ عام 2020، شهدت هذه المنطقة من القارة الأفريقية 6 انقلابات عسكرية، منها انقلابان في كل من مالي وبوركينا فاسو، وانقلاب في كل من غينيا والسودان. والآن تسود الفوضى في منطقة تمتد من  ساحل المحيط الأطلسي غرباً حتى ساحل البحر الأحمر شرقاً. فإذا كان هناك جحيم على الأرض، فهو موجود بالفعل  في منطقة الساحل الأفريقي ومناطق حشائش السافانا جنوب الصحراء الأفريقية.

الجنرال المقصود هو عبد الرحمن (عمر) تشياني، قائد الحرس الرئاسي المكلف بحماية الرئيس المنتخب، في 2021، محمد بازوم، والحليف النادر للولايات المتحدة في منطقة الساحل. لكن عندما فكّرَ بازوم في تغيير تشياني، تحركَ الجنرال مع مجموعة من العسكريين للإطاحة ببازوم، الذي تمكّنَ من الهروب من مكتبه إلى غرفة محصنة آمنة. ومن هذه الغرفة بدأ الرئيس يدعو العالم الخارجي لمساعدته، حتى أنه تمكن من إملاء مقالة رأي لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عبر الهاتف.

اقرأ أيضاً

إذاعة فرنسية: رؤساء أركان "إيكواس" يتفقون على حشد 25 ألف عسكري للتدخل في النيجر

وفي ضوء انقلابي بوركينا فاسو ومالي، فإن المجلس العسكري في النيجر، سيطرد القوات الفرنسية والأمريكية من البلاد، وسيلقي بنفسه في أحضان  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقائد مجموعة فاغنر الروسية المسلحة يفيغيني بريغوجين.

وعلى مدى سنوات،  تحارب مجموعة فاغنر لصالح أسوأ أنواع البشر في أفريقيا، على حد وصف المحلل الألماني أندرياس كلوث، الذي يقول إن مجموعة المرتزقة الروسية تقدم خدماتها لأنظمة الحكم المستبدة في القارة، مقابل الحصول على امتيازات استخراج الألماس، وغيره من المعادن النفيسة في تلك الدول. ويبارك بوتين عمليات فاغنر  وجرائمها، لأنه مستعد لعمل أي شيء من أجل إبعاد دول أفريقيا عن الولايات المتحدة. بهذه الطريقة،  فإن بوتين، مثل نظيره الصيني شي جين بينج، يرى أن الساحل مجرد جبهة أخرى لحربه ضد الغرب بقيادة الولايات المتحدة.

لمصلحة بوتين

ويهتم بوتين بمنطقة الساحل الأفريقي لأنها يمكن أن تسبّب اضطرابات للغرب بطريقة أو بأخرى. فقد أصبحت المنطقة  مركزاً عالمياً للإرهاب، مع نجاح جماعات مثل “بوكو حرام”، والفروع المحلية لتنظيم “داعش”، في ملء الفراغ الناجم عن الانقلابات العسكرية والاضطرابات العربية وأنشطة مجموعة فاغنر.

ولكي تحارب الإرهاب نشرتْ دولُ الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة وفرنسا، قواتها في دول قليلة ما زالت تتعاون معها. وتعتبر النيجر من أكثر الدول أهمية في هذا السياق، حيث توجد بها قاعدة للطائرات المسيّرة الأمريكية التي تستخدم في مهاجمة العناصر الإرهابية في المنطقة. ومن دون الوجود الغربي لن تكون هناك قوة قادرة على وقف الإرهابيين في منطقة الساحل.

وهذا الوضع في صالح بوتين بالتأكيد، لأنه سيدفع بالمزيد من المهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي، التي يكرهها الرئيس الروسي، ويريد إثارة الاضطراب فيها. وهذا أيضاً سبب في استخدام بوتين للحبوب كسلاح في حربه ضد الغرب، فقرر منع أوكرانيا من تصديرها، وهو يدرك تماماً أن هذا المنع سيسبب مجاعة في أماكن مثل أفريقيا.

اقرأ أيضاً

مهلة إيكواس لانقلاب النيجر تنتهي دون تدخل عسكري

تناقضات بوتين وبريغوجين واضحة للعيان. ففي حين يحرم الأفارقة الآخرين من القمح بقصف مستودعاته  في أوكرانيا، يعِدُ بوتين دولاً أفريقية أخرى بمنحها الحبوب مجاناً. في الوقت نفسه خرج بريغوجين على موقع التواصل الاجتماعي تليغرام لكي يشيد بالانقلاب العسكري في النيجر، باعتباره “نضالاً” ضد المستعمرين في بلاده، في إشارة إلى الأمريكيين والفرنسيين بشكل خاص.

 ويطرح كلوث، في تحليله، سؤالاً عمّا يمكن أن تفعله دول العالم الأخرى لمواجهة انقلاب النيجر، ويقول إنه من الصعب الإجابة على السؤال. فالاتحاد الأفريقي والغرب يدينان الانقلاب، في حين أوقفت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) بقيادة نيجيريا حركة التجارة مع النيجر، وأوقف نيجيريا تصدير الكهرباء إليها رداً على الانقلاب.

وعندما وجهت مجموعة إكواس تحذيراً نهائياً للمجلس العسكري، وهددت بالتدخل العسكري لإعادة الرئيس بازوم للحكم، ردّ نظاما الانقلاب في بوركينا فاسو ومالي بإعلان اعتزامهما التدخل لمساندة العسكريين في النيجر. ومع وجود الروس إلى جانب العسكريين، والأمريكيين في جانب إيكواس والرئيس المنتخب، يمكن أن يتحول الموقف إلى حرب مدمرة بالوكالة في النيجر، وقد تصبح خطوة نحو حرب عالمية ثالثة.

لذلك فإن نيجيريا ودول إيكواس مترددة في تنفيذ تهديدها، كذلك فإنه من غير المحتمل أن تتدخل الولايات المتحدة وفرنسا عسكرياً لاسقاط الانقلاب. فالدولتان تخشيان من أن تتحول النيجر إلى عراق، أو أفغانستان جديدة لقواتهما، أو أن تشتبكا مع قوات روسية منتشرة في تلك الدول لتنشب مواجهة عالمية.

أخيراً، يقول كلوث إن الولايات المتحدة وحلفاءها تجاهلوا هذه المنطقة الحيوية من العالم لسنوات طويلة، ومؤخراً، ليس لواشنطن سفير في النيجر ولا نيجيريا، لأن عضو مجلس الشيوخ الأمريكي راند بول يعرقل تعيينهما لإجبار البيت الأبيض على الكشف عن المعلومات الخاصة بجائحة فيروس كورونا، فتحولت علاقات الولايات المتحدة مع هذه الدول إلى رهينة لحسابات سياسية داخلية.

اقرأ أيضاً

انقلابيو النيجر يعينون علي الأمين زين رئيسا للوزراء

المصدر | د ب أ

المصدر: الخليج الجديد

كلمات دلالية: النيجر محمد بازوم الولایات المتحدة فی منطقة الساحل فی النیجر یمکن أن

إقرأ أيضاً:

ضجة عالمية في مواجهة الحرب التجارية للرئيس الأمريكي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

لا تزال الحرب التجارية التى أعلنها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تشغل دول العالم.. ففى الثاني من أبريل الجارى، أحدث دونالد ترامب، ضجةً بإعلانه عما أسماه "يوم التحرير"، كاشفًا عن سلسلة واسعة النطاق من الرسوم الجمركية تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقات التجارية الأمريكية، فيما يبدو واضحًا أن الدول الناشئة هى الخاسر الأكبر، وبالأخص فيتنام وكمبوديا ولاوس وبنجلاديش التى يتعرض اقتصاد كلٍ منها للتدمير.. ومع تفاعل الأسواق مع هذا التحول الكبير في السياسة، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي على شفا الركود. وقد بدأ تأثير هذه الرسوم يظهر بالفعل، مما أثار مخاوف الاقتصاديين والمحللين بشأن العواقب المحتملة طويلة المدى لهذه الإجراءات الجديدة.
مع إصرار الرئيس دونالد ترامب على فرض رسوم جمركية عالمية صارمة، فإن ردود المشرعين الأمريكيين لا تزال فى مرحلة التردد دون القدرة على "تلجيم" الرئيس الأمريكى أو الحد من تأثير قراراته الكارثية على الاقتصاد الأمريكى والعالمى أيضاً. 
 

البلدان الفقيرة والناشئة.. الخاسر الأكبر من ارتفاع الرسوم الجمركية.. واشنطن تسعى لابتزاز الدول.. وتستخدم الكثير من وسائل الضغط الدبلوماسية والاقتصادية 

الخاسرون الكبار في الوقت الراهن من قرارات ترامب هى البلدان الفقيرة والناشئة التي تضربها الولايات المتحدة بقوة. حيث يريد دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة ٤٦٪ على فيتنام، فيما تمثل الصادرات الفيتنامية إلى الولايات المتحدة ٢٩٪ من الناتج المحلي الإجمالي لفيتنام. كما أن بلدانًا مثل كمبوديا ولاوس وبنجلاديش، سوف تشهد تدمير اقتصاداتها، لأسباب غير عادلة تمامًا. ويزعم ترامب أن العجز التجاري الأمريكي مع هذه الدول يبرر هذه الإجراءات. ويريد أن يقلل هذا العجز من خلال إجبارهم على شراء المنتجات الأمريكية، بينما على سبيل المثال، لا يستطيع الفيتناميون ذوو الدخل المحدود شراء أحذية نايك باهظة الثمن.


تظل حسابات ترامب الاقتصادية محفوفة بالمخاطر السياسية. ولا ننسى أن الأمريكيين سوف يعانون أيضاً من التضخم. وبحسب التوقعات القياسية الاقتصادية الأولى التي وضعها مركز أبحاث الاقتصاد الكلي، فإن الولايات المتحدة هي من بين البلدان التي ستتكبد أكبر الخسائر في التاريخ. 
وفى هذا الإطار، خصصت صحيفة "لوموند" خدمة خاصة للرد على أسئلة القراء حول هذا الأمر، حيث تولى الرد كل من ماري شاريل، نائبة رئيس قسم الاقتصاد، وباسكال ريتشي، الصحفي في قسم الأفكار. أكدت إجابتهما أن تقليص التجارة العالمية قد يخفف العبء عن كوكب الأرض، وقد رأينا ذلك خلال فترة كوفيد ومن الممكن أن نأمل، في سيناريو متفائل للغاية، أن يحدث هذا إلى حد ما. لكن الولايات المتحدة أعادت أيضًا إطلاق عمليات الحفر وإنتاج الوقود الأحفوري، على حساب البيئة.


ويمكننا أن نرى هذا بالفعل كفرصة للعديد من الاقتصادات لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. لكن يتولد انطباع بأن الولايات المتحدة تستخدم الكثير من وسائل الضغط  الدبلوماسية، والاقتصادية، وغير ذلك، ناهيك عن الابتزاز. ولا تتمتع الاقتصادات الأخرى، خاصةً الأوروبية، بالقدر الكافي من الحرية في المناورة ومحاولة اللعب على قدم المساواة. ويمكننا أن نتخيل تقاربات أخرى لتعويض النقص المحتمل “على سبيل المثال التقارب بين الاتحاد الأوروبي والصين”، كما أن الاستجابة المنسقة الحقيقية على مستوى الاتحاد الأوروبي سوف تكون معقدة نظراً للمصالح المتباينة، ومنها على سبيل المثال، الاقتصاد الفرنسي الذي يعتمد بشكل مسبق على الولايات المتحدة بشكل أقل من الاقتصاد الألماني، لكن الاتحاد الأوروبي أظهر بالفعل أنه في مواجهة التهديد الوجودي، كما رأينا خلال جائحة كوفيد أو أزمة الديون في عام ٢٠١٠، فإنه يعرف كيف يقف متحداً. وربما تقوم مجموعة أصغر من الدول الأوروبية أيضاً بإصدار رد مشترك قوي.


نهج غير عقلانى
إن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة أمر جيد بلا شك، ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أن الولايات المتحدة تعتمد على بقية العالم لتمويل عجزها، كما أن الولايات المتحدة، لا تتبنى نهجا معاملاتيا عقلانيا، كما توقع كثيرون بناء على ولاية ترامب الأولى. 


وفيما يتعلق باستطلاعات الرأي بعد قرارات الرئيس الأمريكى، انخفضت نسبة تأييد دونالد ترامب (من ٤٧٪ إلى ٤٣٪)، ولكن قاعدة جماهيره لا تزال قوية، وهو ما يفاجئ أكثر من خبير في استطلاعات الرأي. وفيما يتعلق بسياساته، فهو أضعف في قضايا التجارة الدولية (٣٨٪ من الآراء المؤيدة) مقارنة بقضايا الهجرة (٤٩٪).


ويعتقد خبراء الاقتصاد إلى حد كبير أن زيادة الرسوم الجمركية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ستؤثر بشدة على الاقتصادين الأمريكي والعالمي.  ويدرك ترامب أنه يشوه صورة أمريكا ولا يستطيع إجبار المستهلكين في جميع أنحاء العالم على شراء المنتجات الأمريكية، لكنه لا يهتم. فهو لم يعد يريد دولة تمارس نفوذها على بقية العالم من خلال القوة الناعمة والوجود العسكري.. إنه يريد "أمريكا أولاً". 


ومن الصعب أن نرى الصناعات التي تعتمد على العمالة الكثيفة (مثل المنسوجات وتجميع الأجهزة المنزلية وما إلى ذلك) تعود إلى الولايات المتحدة، خاصةً عندما تتبدد إلى حد ما حالة عدم اليقين الحالية بشأن "من سيدفع ثمن ماذا حقًا". ولنضف إلى ذلك أن الأتمتة والاستخدام المتسارع للذكاء الاصطناعي في العمليات الصناعية تعمل أيضاً على تقليص كثافة العمالة في العديد من الصناعات، والتي حتى لو عادت إلى الولايات المتحدة، لن تخلق الوظائف التي وعد بها ترامب.


واعترف ترامب بأن الأسر الأمريكية ستواجه اضطرابات قصيرة الأمد، لكنه زعم أنها ستستفيد على المدى الطويل، إلا أن هذا ليس مؤكدا. وفوق كل هذا، فإنه يتجاهل مدى التضخم الذي سوف تسببه الرسوم الجمركية بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين، الذين سوف يدفعون جزءا كبيرا من الفاتورة. وإذا كانت حكومته قد قدمت أي تقديرات، فإنها لم تكن ذات وزن في الميزان.


وعلى الجانب التكنولوجي، لا ينبغي استثناء المستهلك الأمريكي أيضاً، نظراً لكمية المنتجات المصنعة أو المجمعة في الهند والصين. وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذتها لتوسيع سلسلة التوريد الخاصة بها، لا تزال شركة أبل تصنع الغالبية العظمى من هواتف آيفون في الصين، من خلال المورد التايواني فوكسكون. 


الملابس والمنسوجات
وانخفضت أسهم شركات الملابس والمنسوجات التي تعتمد على العمالة الرخيصة في دول مثل الصين وفيتنام بشكل حاد، حيث خسرت شركة نايكي أكثر من ١٣٪ وخسرت شركة جاب أكثر من ٢٠٪. وتعني التعريفات الجمركية الجديدة أن الواردات إلى الولايات المتحدة من الصين أو فيتنام ستكون أكثر تكلفة.


وقدر مختبر الميزانية بجامعة ييل أن تأثير جميع التعريفات الجمركية التي تم الإعلان عنها حتى الثاني من أبريل من شأنه أن يزيد تكلفة الملابس والمنسوجات بشكل عام بنسبة ١٧٪.


وبحسب المؤسسة البحثية، فإن التأثير الإجمالي للرسوم الجمركية التي أُعلن عنها حتى الآن يصل إلى خسارة سنوية متوسطة قدرها ٣٨٠٠ دولار لكل أسرة.
 

القرارات تقود الاقتصاد الأمريكى نحو ركود متوقع وسط خيبة أمل عامة.. الكونجرس منزعج والإحباط يتصاعد.. ومقاومة النواب لا تزال محدودة
 

كانت رسوم الرئيس ترامب الجمركية، التي وُعِد بها في البداية كـ"رسوم متبادلة"، تهدف إلى فرض ضرائب على السلع الأجنبية مساوية للرسوم الجمركية التي تفرضها تلك الدول على الصادرات الأمريكية، إلا أن الرسوم الجمركية التي أُعلن عنها في الثاني من أبريل انحرفت عن هذا النهج. بدلاً من حسابها بناءً على التعريفات الجمركية التي تفرضها الدول الأخرى، حُددت التعريفات الجديدة بناءً على العجز التجاري الأمريكي مع كل دولة. وواجهت الدول ذات العجز التجاري الأكبر مع الولايات المتحدة تعريفات جمركية أعلى.


أثارت هذه المنهجية المُربكة وغير المتسقة خيبة أمل وارتباكًا بين الاقتصاديين العالميين. أوضح فيليكس تينتلنوت، أستاذ الاقتصاد المشارك في جامعة ديوك، أن عدم الوضوح في كيفية حساب التعريفات الجمركية زاد من حالة عدم اليقين التي تواجهها الشركات بالفعل. وجادل بأن حالة عدم اليقين تُؤدي إلى تأخير الاستثمارات، مما قد يؤدي بدوره إلى ركود.


عدم اليقين 
أثار فيليكس تينتلنوت وخبراء آخرون ناقوس الخطر بشأن المخاطر المحتملة على الاقتصاد الأمريكي. ووفقًا لتينتلنوت، فإن المراجعات المستمرة لسياسات التعريفات الجمركية خلقت مناخًا من عدم اليقين يُثني الشركات عن القيام باستثمارات حيوية. قد يُسهم نهج "الانتظار والترقب"، المدفوع بالخوف من المزيد من التحولات في السياسات، في تباطؤ اقتصادي. وأكد برايان بيثون، أستاذ الاقتصاد في كلية بوسطن، هذه المخاوف، مُشيرًا إلى أن تنامي حالة عدم اليقين الاقتصادي يُحدث بالفعل آثارًا واضحة. وكشف استطلاع حديث أجرته جامعة ميشيجان عن انخفاض كبير في ثقة المستهلكين، حيث أشار العديد من المشاركين إلى الاضطرابات المتعلقة بالرسوم الجمركية وعدم القدرة على التنبؤ بسياسات التجارة الأمريكية. ووفقًا لبيثون، تُشير هذه التحولات الاقتصادية إلى أن الركود قد يكون حتميًا، على الرغم من أنه من غير الواضح متى سيحدث أو مدى شدته.


مخاوف متزايدة
من أكثر المخاوف إلحاحًا إمكانية اتخاذ دول أخرى إجراءات انتقامية. وقد أشارت دول مثل البرازيل بالفعل إلى أنها قد تفرض تعريفات جمركية على السلع الأمريكية ردًا على ذلك، مما يزيد من احتمالية نشوب حرب تجارية شاملة. حتى كندا، وإن لم تكن مستهدفة بشكل مباشر بتعريفات ٢ أبريل، تواجه تحديات اقتصادية كبيرة بسبب القيود التجارية المستمرة على واردات السيارات. أكد خبراء مثل تينتلنوت أن النطاق الهائل لهذه التعريفات غير مسبوق في الاقتصاد العالمي. ولم تفرض أي دولة صناعية أخرى تعريفات جمركية مرتفعة مثل تلك التي تفرضها الولايات المتحدة الآن، الأمر الذي يزيد من المخاطر على الاستقرار الاقتصادي الأوسع للبلاد وشركائها التجاريين.


موجة قلق
فى سياق متصل، اجتاحت موجة من القلق مبنى الكابيتول، حيث أرسلت الحرب التجارية المتصاعدة للرئيس دونالد ترامب موجات صدمة في الأسواق المالية، مسجلةً أسوأ يوم منذ بداية الجائحة عام ٢٠٢٠. ومع توقع المحللين لمزيد من الاضطرابات، ترك الوضع العديد من المشرعين في حالة من الارتباك والإحباط. وعلى الرغم من تزايد المخاوف، امتنع قادة الحزب الجمهوري في الكونجرس عن تحدي زعيم حزبهم بشكل مباشر، واختاروا بدلاً من ذلك اتباع نهج الحزب، حتى مع اختلاف وجهات نظرهم عن تلك الصادرة عن البيت الأبيض. يتمثل جوهر النقاش في التناقض الصارخ بين خطاب ترامب بشأن الحرب التجارية والواقع الذي يواجهه المشرعون. وأعرب الاقتصاديون عن شكوكهم في جدوى هذه الخطة، حتى أن بعض أشد حلفاء ترامب حذروا من أن التداعيات الاقتصادية قصيرة المدى قد تكون وخيمة. يواجه القادة الجمهوريون الآن احتمال أن تُقوض سياسات ترامب حظوظهم السياسية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام ٢٠٢٢.


تحركات محدودة
أعرب أحد أعضاء جماعات الضغط الجمهوريين عن قلقه إزاء افتقار نهج الإدارة إلى بُعد النظر، قائلاً: "لم يُدرس أي من هذا الأمر بعناية. الحسابات غير مُجدية. والهدف النهائي غير مُجدي. والسياسات غير مُجدية. إنها مجرد فوضى عارمة، وستُكلف الجمهوريين مقاعدهم". ويجد الجمهوريون في الكونجرس، الذين دأبوا على صياغة السياسات التجارية بطريقة أكثر تحفظًا، أنفسهم مُفاجأين بهذا الإجراء المُفاجئ والأحادي الجانب. في حين كان هناك بعض التحرك بين الجمهوريين لمعالجة تأثير الحرب التجارية، إلا أن هذه الجهود تبدو رمزية إلى حد كبير. أعرب السيناتور تشاك جراسلي من ولاية أيوا، عن قلقه إزاء آثار الرسوم الجمركية على المزارعين المحليين، فقدم مشروع قانون يُلزم الكونجرس بالموافقة على الرسوم الجمركية في غضون ٦٠ يومًا من إعلان البيت الأبيض. ومع ذلك، من غير المرجح أن يحظى مشروع القانون هذا بتأييد كبير في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ويبدو أن أي رد فعل جاد ضد سياسات الرئيس أمر بعيد المنال.


على الرغم من إقرار مجلس الشيوخ لإجراء محدود النطاق لإلغاء العقوبات المفروضة على كندا، فإنه يتسم بالسلبية إلى حد كبير في مواجهة توجيهات ترامب. وبينما قد يحظى هذا التشريع ببعض الاهتمام، فمن المتوقع أن يكون تأثيره الفعلي ضئيلًا. وتُعتبر هذه الإجراءات مجرد شكل من أشكال الاحتجاج، دون أي سلطة حقيقية لتغيير مسار السياسة التجارية للإدارة.


طريق صعب 
تزداد الحسابات السياسية تعقيدًا مع تأثر المستهلكين الأمريكيين بعواقب الحرب التجارية. فارتفاع أسعار السلع اليومية كالملابس والبقالة، إلى جانب احتمال ارتفاع تكاليف السكن بسبب ارتفاع أسعار الأخشاب الكندية، قد يُضعف الدعم الشعبي للحزب. لقد شكلت نظرة ترامب للعالم. فهو يُصر على أن هذا الموقف العدواني سيفيد المُصنعين الأمريكيين، وهو موقف صاغه على أنه محاولة لحماية "المواطن العادي". ومع ذلك، فإن هذا النهج يُخاطر بتقويض وعوده السياسية الأوسع بخفض التضخم وخفض التكاليف، مما قد يكون له تداعيات كبيرة على كل من ترامب وحلفائه الجمهوريين. على الرغم من إحباطهم المتزايد، يتردد العديد من الجمهوريين في تحدي ترامب علنًا. فخوفهم من تنفير رئيسٍ يقود حركةً قويةً وانتقاميةً جعلهم غير راغبين في ممارسة سلطتهم في الكونجرس للحد من إجراءاته. ويشير هذا التردد إلى مشكلة أوسع نطاقا تتمثل في الشلل السياسي في واشنطن، حيث غالبا ما تتفوق البقاء السياسي على المدى القصير على المخاوف السياسية طويلة الأجل.


مع تطور الوضع، يتساءل العديد من الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي عن أي مسار عمل سيُلحق أقل ضرر بمستقبلهم السياسي. في مواجهة حرب تجارية تبدو عصية على الصمود بشكل متزايد، يُبرز غياب المقاومة الجادة لتصرفات ترامب التحديات التي تواجه “كونجرس” منقسمًا وأمة عالقة في خضم مشهد سياسي متقلب.
 

علاج نهائى لاقتصاد مريض أم وصفة مؤقتة؟

وصف ترامب الوضع الحالي للاقتصاد الأمريكي بأنه "مريض"، وشبه الرسوم الجمركية بإجراء طبي ضروري يهدف إلى إعادة ضبط العلاقات التجارية، وزيادة الإيرادات الحكومية، وتنشيط الإنتاج المحلي. إلا أن الخبراء الاقتصاديين وردود أفعال السوق تُشير إلى أن التداعيات قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي. ويعتقد ترامب أن زيادة تكلفة السلع الأجنبية ستُجبر الشركات الأمريكية على إعادة التصنيع إلى الأراضي الأمريكية، مما يُعزز الاقتصاد المحلي. في حين يتصور ترامب ازدهارًا اقتصاديًا بمجرد تطبيق سياساته بالكامل، إلا أن الآثار المباشرة لهذه الرسوم الجمركية لم تكن متفائلة. ويحذر الاقتصاديون من أن العواقب قصيرة المدى ستكون مؤلمة للمستهلكين والشركات على حد سواء، مع ارتفاع أسعار السلع اليومية، من الأغذية والملابس إلى المركبات.


تراجع القدرة الشرائية
يشير تحليل حديث أجراه مختبر ميزانية ييل إلى أن الرسوم الجمركية قد ترفع مستويات الأسعار بنسبة ٢.٣٪ على المدى القصير، مما يعني خسارة قدرها ٣٨٠٠ دولار في القدرة الشرائية للأسرة، بناءً على قيمة الدولار في عام ٢٠٢٤. وأكدت مارثا جيمبل، المديرة التنفيذية لمختبر ميزانية ييل، أن الشركات ستواجه صعوبة في تحمل تكلفة هذه الرسوم الجمركية المرتفعة، مما سيؤدي إلى زيادات حتمية في الأسعار على المستهلكين. وتأتي هذه الزيادة في الأسعار في وقت يعاني فيه العديد من الأمريكيين بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة، مما يجعل احتمالية زيادة الضغوط الاقتصادية مصدر قلق للأسر في جميع أنحاء البلاد.


انتكاسة مؤقتة
على الرغم من هذه التحذيرات، لا يزال مساعدو ترامب، بمن فيهم ستيفن ميران، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس، واثقين من أن الفوائد طويلة الأجل للرسوم الجمركية ستتفوق على الاضطراب قصير الأجل. أقر ميران بأن الاقتصاد قد يمر بفترة "وعرة" مع تطبيق الإدارة لسياسة الرسوم الجمركية، لكنه طمأن الرأي العام بأن هذه الصعوبات ستكون مؤقتة. علاوة على ذلك، زعم ميران أن العبء الكامل للرسوم الجمركية سيقع في النهاية على عاتق الدول الأجنبية، وليس المستهلكين الأمريكيين. ومع ذلك، يتناقض هذا الادعاء مع الإجماع الأوسع بين الاقتصاديين، الذين يؤكدون أن الولايات المتحدة ستتحمل على الأرجح وطأة التكاليف في شكل ارتفاع التضخم. ويتوقع العديد من الاقتصاديين أن رسوم ترامب الجمركية قد تُسهم في تباطؤ كبير في النمو الاقتصادي، حيث يتوقع البعض حدوث ركود في وقت مبكر من العام المقبل. حذر آلان ديتميستر، الخبير الاقتصادي السابق في الاحتياطي الفيدرالي، من أن التضخم قد يرتفع إلى حوالي ٤.٥٪ بحلول نهاية عام ٢٠٢٥، وأن يظل مرتفعًا لعدة سنوات. كما سلط مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في موديز أناليتيكس، الضوء على خطر حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي في حال ردت الدول الأخرى بفرض رسوم جمركية، وأشار تحليل زاندي إلى أن مثل هذه الحرب التجارية قد تُؤدي إلى ركود اقتصادي يستمر حتى عام ٢٠٢٦، مع احتمال وصول معدل البطالة إلى ٧.٥٪.


ومع بدء سريان الرسوم الجمركية، بدأت قطاعات مختلفة تُشير بالفعل إلى أن ارتفاع الأسعار أمر لا مفر منه. وقد حذر مصنعو الملابس، وخاصةً أولئك الذين يستوردون بضائعهم من الصين وغيرها من الدول المتضررة من الرسوم الجمركية، من أن أسعار الملابس سترتفع بشكل كبير. وأعربت جولي ك. هيوز، رئيسة رابطة صناعة الأزياء الأمريكية، عن قلقها من أن الرسوم الجمركية ستؤثر بشكل مباشر على المستهلكين، حيث تُصنع العديد من الملابس في مناطق تواجه رسومًا جمركية باهظة.


وبالمثل، يستعد قطاع الأغذية لارتفاع التكاليف مع زيادة الرسوم الجمركية وأسعار المكونات والتغليف. وتتوقع المطاعم ومحلات البقالة ومصنعو الألعاب ارتفاعات في الأسعار قد تُثقل كاهل ميزانيات الأسر. 

 

وأشار جريج أهيرن، رئيس جمعية الألعاب، إلى أن ٧٧٪ من الألعاب المباعة في الولايات المتحدة تُستورد من الصين، التي تتأثر بشكل مباشر برسوم ترامب الجمركية، كما أعرب قطاع السيارات عن مخاوفه، حيث حذرت شركات مثل فولكس فاجن من ارتفاع أسعار السيارات.

مقالات مشابهة

  • هل نحن أمام موعد مع حرب عالمية ثالثة؟
  • ضجة عالمية في مواجهة الحرب التجارية للرئيس الأمريكي
  • الرئيس الإيراني: تصرفات الولايات المتحدة تتناقض مع دعوتها للتفاوض
  • ممثل بوتين: حققنا تقدما ملحوظا مع واشنطن بشأن أوكرانيا
  • تحليل- يواصل ترامب قصف الحوثيين.. هل هي مقدمة لحرب مع إيران؟
  • الرئيس الإيراني: مستعدون للتفاوض والحوار لحل بعض التوترات مع الولايات المتحدة
  • مبعوث لبوتين في واشنطن لتحسين العلاقات بين البلدين
  • الرئيس الفرنسي يدعو الشركات لتعليق استثماراتها في الولايات المتحدة
  • الكرملين: مبعوث الرئيس الروسي يُجري محادثات فى واشنطن بتعليمات من بوتين
  • مبعوثا بوتين وترامب يلتقيان في واشنطن